زعيم التيار الصدري في العراق مقتدى الصدر
زعيم التيار الصدري في العراق مقتدى الصدر

في بداية شهر ديسمبر الماضي ووسط استمرار المظاهرات المناهضة للفساد والطبقة السياسية العراقية وتنامي النفوذ الإيراني في العراق، ظهر مقتدى الصدر فجأة في إيران، وهو يحضر أحد دروس آية الله جعفر السبحاني في المسجد الأعظم بحوزة مدينة قم.

الصدر لايزال طالبا دينيا، فهو لا يحمل درجة "مجتهد" التي تخوله الافتاء. وكان في قم يحضر "الدرس الخارج"، المرحلة الأخيرة من الدراسة في الحوزات العلمية والتي تمنحه درجة الاجتهاد.

لكن وجود الصدر على الأراضي الإيرانية يتخطى طلب الدراسة الحوزوية، فهو يكاد يقيم منذ أشهر حصرا في إيران.

في شهر سبتمبر، ظهر في مجلس عزاء حسيني أقامه المرشد الإيراني، علي خامنئي، في طهران، بحضور قائد فيلق القدس قاسم سليماني، الذي قتل لاحقا بضربة أميركية قرب مطار بغداد.

ومن طهران أيضا، انطلقت سلسلة لقاءات جمعت سليماني بالصدر وشخصيات عراقية تمخض عنها اتفاق سياسي بالإبقاء على عادل عبد المهدي في منصبه، بعدما كان مقتدى حتى فترة قريبة يدعو لاستقالة الحكومة.

ثم ظهر الصدر في بيت قاسم سليماني مقدما العزاء لعائلته، واليوم، يدعو، من قلب إيران أيضا إلى "مظاهرة مليونية" ضد الوجود الأميركي في البلاد، لأن "سماء العراق وأرضه وسيادته تنتهك".

إيران والعلاقة الملتبسة

علاقة الصدر بإيران ملتبسة جدا، فهو لا يؤمن بولاية الفقيه، التي يقوم عليها النظام السياسي الإيراني، رغم أن أستاذه في الحوزة جعفر السبحاني من المدافعين الشرسين عنها.

في الواقع، تكاد تختزل علاقة الصدر الملتبسة بإيران علاقة عائلة الصدر بكاملها بالجمهورية الإسلامية، فقريبه محمد باقر الصدر ووالده محمد محمد صادق الصدر لا يؤمنان بولاية الفقيه أيضا.

لكن الأول هو مؤسس حزب الدعوة (قبل أن ينسحب منه) والذي حصل على دعم كامل من إيران، ولم يخف وقوفه إلى جانب نظام الخميني، ضد صدام حسين خلال الفترة القصيرة التي سبقت الحرب. وقد اغتيل على يد النظام العراقي في أبريل 1980.

أما الثاني، والد مقتدى، فكان أحد الآباء الروحيين "للانتفاضة الشعبانية" في جنوب العراق سنة 1991، والتي نالت دعما إيرانيا أيضا.

وكان محمد محمد صادق الصدر أول من يقيم صلاة الجمعة في مسجد الكوفة، في معارضة تاريخية لأغلب المراجع الشيعية ممن لا يرون ضرورة لإقامة صلاة الجمعة في انتظار ظهور الإمام المهدي.

خلال تلك الفترة، لم يكن لمقتدى المولود في النجف سنة 1973 حضور سياسي يذكر. كان الأصغر من بين إخوته أيضا.

لكن اغتيال والده محمد صادق الصدر في فبراير 1999 مع اثنين من أبنائه، مصطفى ومؤمل، دفع بمقتدى إلى المقدمة. فصار مشرفا على الحوزة الدينية في النجف.

الحوزة تحمل السلاح

فتح دخول أميركا إلى العراق سنة 2003 المجال أمام الصدر ليبرز بقوة على الساحة السياسية، فقدم نفسه قائدا لمقاومة "الاحتلال الأميركي" خاصة مع تفضيل مرجعية المرجع الأعلى علي السيستاني طريق المفاوضات للتوصل إلى حل سياسي.

وأعلن الصدر تأسيس جيش المهدي في أواخر سنة 2003، ودخل في مواجهات شرسة مع القوات الأميركية في مدن النجف والبصرة والعمارة وداخل مدينة الصدر في بغداد.

خلال تلك الفترة، أعاد الزعيم الشيعي الجديد إحياء شعارات والده نفسها. واتهم أتباعه المرجعية الشيعية العليا بالخنوع، وكانوا يصفونها بـ"الحوزة الصامتة" مقابل "حوزتهم الناطقة". وهي الشعارات التي كانوا يرددونها عقب خطب الجمعة خلال تسعينيات القرن الماضي.

وضع الجيش الأميركي الصدر على رأس قائمة المطلوبين، قبل أن تجد الأزمة طريقها إلى الحل بمبادرة لوقف إطلاق النار، قادها المرجع الأعلى علي السيستاني.

في تلك الفترة أيضا، اتهم القضاء العراقي عام 2003 زعيم التيار الصدري بتهم تتعلق باغتيال عبد المجيد الخوئي، نجل المرجع الأعلى الراحل أبي القاسم الخوئي، وكان حينها عاد إلى العراق لتوه.

كان جيش المهدي يحصل، خلال الحرب، على الدعم المالي والعسكري من إيران. وتشير إحدى وثائق التحقيقات الأميركية مع ساعده الأيمن وقتها قيس الخزعلي إلى أن هذه المبالغ المالية كانت تتراوح بين 750 ألفا ومليون دولار شهريا كدعم للعمليات.

بعد نهاية الحرب، حاول مقتدى الدخول إلى العملية السياسية. فشارك التيار الصدري في انتخابات البرلمان سنة 2005، بل أصبح داعما رئيسيا لحكومة نوري المالكي.

غير أن الانخراط في العملية السياسية لم يمنع وقوع الصدر تحت طائلة الاتهامات من جديد، فقد اتهم جيش المهدي بالتورط في عمليات تطهير خلال الحرب الطائفية بين سنتي 2006 و2008.

ينفي الصدر هذه الاتهامات ويلقي باللائمة على "عناصر منفلتة" من جيش المهدي يطلق عليها وصف "الميليشيات الوقحة"، في إشارة إلى عصائب أهل الحق التي ستتشكل سنة 2006 بزعامة قيس الخزعلي.

رجل في الحكومة ورجل في الشارع

تميز الصدر خلال مسيرته السياسية بالتقلب الشديد. لا يمنعه إعلان دعمه لأية حكومة، بل مشاركة وزرائه فيها، من سحب دعمه لها والتهديد باللجوء إلى الشارع.

في سنة 2007، دخل الصدر في خلاف حاد مع رئيس الحكومة نوري المالكي الذي دعمه سابقا، ليطلق هذا الأخير عملية صولة الفرسان ضد جيش المهدي والتي انتهت بهزيمة قاسية لمليشيا الصدر.

على أثرها، سافر الصدر إلى إيران في منفى اختياري معلنا اعتزال السياسة، لكنه عاد إلى العراق سنة 2011 للتحالف مع المالكي في حكومته الثانية، قبل أن يندلع الخلاف بين الرجلين من جديد، ويسحب الصدر دعمه للحكومة.

في 2014، دعم التيار الصدري حكومة حيدر العبادي. واختير أحد قيادييه (بهاء الأعرجي) نائبا لرئيس الوزراء. لكن الصدر أعلن مرة أخرى سحب دعمه للحكومة. ونظم أتباعه احتجاجات عارمة ضدها واقتحموا مبنى البرلمان. وفي مارس 2016، نصب هو نفسه خيمة داخل المنطقة الخضراء احتجاجا. 

وأعلن الصدر اعتزال السياسة والاعتكاف أكثر من مرة. في ‏منتصف فبراير 2014، ودون مقدمات، أعلن انسحابه من العمل السياسي وإغلاق جميع مكاتبه السياسية وحل تياره.

وقال في بيان نشر حينها: "أعلن عدم تدخلي بالأمور السياسية كافة وأن لا كتلة تمثلنا بعد الآن ولا يوجد لنا منصب داخل الحكومة أو خارجها ولا في البرلمان".

لكن الرجل سرعان ما عدل عن قراره، ودفع بأتباعه إلى التظاهرات التي اندلعت من ساحة التحرير في يوليو 2015.

جمد الصدر مليشياته المسلحة أكثر من مرة أيضا، بدءا من جيش المهدي سنة 2008 مرورا بلواء "اليوم الموعود" ووصولا إلى "سرايا السلام".

آخر حلقات التجميد والتفعيل، إعلان الصدر، قبل أسبوعين فقط، أوامر "بجهوزية جيش المهدي ولواء اليوم الموعود" لمواجهة أميركا.

التحالف مع "المليشيات الوقحة"

تسببت الحرب الطائفية في ضرر شديد لصورة الصدر وتياره. وعمل طوال السنوات اللاحقة على رسمها من جديد ومحو كل ما يرتبط بمرحلة الحرب الطائفية.

جاهد الصدر من أجل وضع مسافة بينه وبين طهران، وانفتح على التيارات السنية، وتبنى خطابا وطنيا معاديا للطائفية، وزار السعودية في صيف 2017.

وفي الانتخابات البرلمانية الأخيرة (مايو 2018)، تحالف مع التيارات المدنية، والمستقلين، وحتى الحزب الشيوعي العراقي ضمن تحالف "سائرون".

وكانت المفاجأة أن حصدت القائمة 54 مقعدا في البرلمان، محققة المركز الأول في الانتخابات.

كانت جميع المؤشرات خلالها تسير في اتجاه أن يشكل العبادي والصدر تحالفا لتشكيل الحكومة العراقية الجديدة، خاصة أن الرجلين أعلنا ذلك في بيان مشترك وظهرا معا في مؤتمر صحافي.

لكن سرعان ما وجد زعيم ائتلاف النصر نفسه خارج الحكومة، بعدما وضع الصدر يده في يد "تحالف الفتح" الذي يضم فصائل في الحشد الشعبي كان زعيم التيار الصدري حتى وقت قريب يصفها بالمليشيات الوقحة.

وكان لافتا وقوف مقتدى الصدر في مؤتمر صحافي جنبا إلى جنب مع "خصمه اللدود" قيس الخزعلي.

أوصل هذا التحالف عادل عبد المهدي إلى رئاسة الحكومة بعد توافق سياسي جرى خلال ساعات، رغم عدم وضوح الكتلة الأكبر في مجلس النواب.

لكن بعد أقل من سنة، نفض الصدر يده من الحكومة داعيا عادل عبد المهدي إلى الاستقالة بالتزامن مع اندلاع الاحتجاجات العراقية التي ما تزال متواصلة منذ أكتوبر 2019.

إيران مرة أخرى

سعى الصدر إلى تبني خط سياسي ملتزم بمطالب المتظاهرين، فطالب باستقالة حكومة عبد المهدي، وصياغة قانون جديد للانتخابات، وإصلاح القضاء، ومحاربة الفساد، ومحاكمة المسؤولين عن قتل المتظاهرين.

في الواقع، كان بإمكانه إقالة الحكومة منذ اليوم الأول. يكفيه الاتفاق مع زعيم تحالف الفتح هادي العامري لتشكيل حكومة جديدة، وهو ما أشار إليه عبد المهدي نفسه في رسالة إلى زعيم التيار الصدري.

لكن الصدر لم يمض قدما في هذا المنحى، تحت ضغط إيراني على الأرجح. فقد كشفت وكالة الصحافة الفرنسية عن سلسلة لقاءات رعاها قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني مع قادة دينيين وسياسيين عراقيين بينهم الصدر، ونتج عنها اتفاق على بقاء الحكومة، إلا أن ضغط الشارع نجح في إجبار عبد المهدي على الاستقالة.

ومع مقتل سليماني، في بداية هذا الشهر، ازداد التطابق بين مواقف الصدر وطهران. فقد طالب بإخراج القوات الأميركية من العراق، وإغلاق سفارة أميركا، وحتى تجريم التواصل معها.

واعتبر أن قرار البرلمان بدعوة الحكومة لإنهاء وجود القوات الأجنبية هزيل وغير كاف. بل، دعا إلى اجتماع عاجل لـ"فصائل المقاومة" في الخارج والداخل لتشكيل "أفواج المقاومة الدولية".

واليوم، يدعو مقتدى إلى "ثورة عراقية لا شرقية ولا غربية" ضد أميركا. تكون أولا بـ"مليونية"، في ساحة التحرير على الأرجح، على أن تتبعها "وقفات شعبية وسياسية وبرلمانية" وحده مقتدى يعلم تفاصيلها.

دعوة الصدر لقيت رفضا قاطعا من كثير من العراقيين. وجاء في بيان للحراك الشعبي العراقي أن "الدعوة التي تنطلق من الأرض الإيرانية ضد واشنطن مسيسة ولا تصب في القضية العراقية".

وشدد البيان أن هدف الحراك الشعبي العراقي هو تجنيد العراقيين "للخلاص من النفوذ الإيراني وهيمنة فيلق القدس على سيادة البلاد".

مصير القوات الأميركية في العراق مؤجل بعد الاتفاق على إجراء حوار بين الطرفين في يونيو
مصير القوات الأميركية في العراق مؤجل بعد الاتفاق على إجراء حوار بين الطرفين في يونيو

تعقد واشنطن وبغداد منتصف يونيو المقبل حوارا استراتيجيا لاتخاذ قرار حول مستقبل وجود القوات الأميركية في العراق، الذي يرفضه البرلمان العراقي، كما أعلن الثلاثاء وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو.

والعلاقات بين الدولتين الحليفتين متوترة منذ سلسلة هجمات على المصالح الأميركية في العراق نهاية 2019، تورطت فيها فصائل موالية لإيران. وتدهورت أكثر مع مقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني ومسؤول عراقي كان يرافقه في ضربة جوية أميركية في بغداد مطلع يناير الماضي.

وصوت البرلمان العراقي رسميا للمطالبة بسحب القوات الأميركية الموجودة في البلاد في إطار تحالف دولي لمحاربة تنظيم داعش.

وقال بومبيو خلال مؤتمر صحافي في واشنطن، إن الولايات المتحدة اقترحت حوارا استراتيجيا مع الحكومة العراقية يعقد منتصف يونيو.

وأضاف "مع وباء كوفيد-19 المتفشي في العالم وإيرادات النفط التي تتراجع وتهدد الاقتصاد العراقي بالانهيار، من الأهمية بمكان أن تتعاون حكومتانا لكي لا تذهب الانتصارات على تنظيم الدولة الإسلامية والجهود لاستقرار البلاد سدى".

وتابع أنها ستكون أول مراجعة لكافة المواضيع المتعلقة بالعلاقات الأميركية-العراقية، بما في ذلك مستقبل القوات الأميركية في البلاد.

وسيمثل الولايات المتحدة مساعد وزير الخارجية للشؤون السياسية ديفيد هايل، الرجل الثالث في الخارجية الأميركية.

ولا تستبعد إدارة دونالد ترامب، التي وعدت بسحب قواتها من ساحة العمليات المكلفة في الشرق الأوسط، خفض وجودها، لتستبدل بقوات من حلف شمال الأطلسي، رغم تأكيدها، حتى الآن، أنها لا تنوي ببساطة مغادرة العراق.