جانب من السفارة الأميركية في بغداد
جانب من السفارة الأميركية في بغداد

قال مصدر سياسي عراقي مطلع لموقع الحرة إن السفير الأميركي في بغداد ماثيو تولر أبلغ مسؤولين عراقيين أن نتائج التحقيقات في حادثة قصف مبنى السفارة أثبت أنه جرى بواسطة قذائف هاون انطلقت من منطقة قريبة جدا من المنطقة الخضراء.

وأضاف المصدر أن تولر عرض نتائج التحقيق هذه على رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق خلال لقاء جمعهما الثلاثاء، وأكد له أن لدى الولايات المتحدة معلومات مؤكدة أن الهجوم حصل بقذائف هاون وليس صواريخ كاتيوشا كما أعلنت السلطات العراقية في وقت سابق.

كذلك أبلغ السفير الأميركي الجانب العراقي أن القذائف انطلقت إما من منطقة قريبة من فندق بابل في منطقة الجادرية، التي تضم مقار رسمية وأمنية وأخرى تابعة للحشد الشعبي، أو من منطقة حي القادسية المحاذية للمنطقة الخضراء.

وتابع المصدر أن السفير الأميركي أبلغ العراقيين أن لدى الولايات المتحدة شكوكا أن الجهة التي نفذت الهجوم تتبع لميليشيا كتائب حزب الله الموالية لإيران.

ولم يتمكن موقع الحرة من الوصول لمسؤولين في السفارة الأميركية في بغداد للتعليق.

وكان بيان صادر عن مجلس القضاء العراقي أكد الثلاثاء أن رئيس المجلس فائق زيدان بحث مع تولر "نتائج التحقيق بخصوص الهجوم المتكرر على السفارة الأميركية في بغداد" دون إعطاء مزيد من التوضيحات.

ويعد الهجوم الذي استهدف السفارة الأميركية في بغداد هو الأحدث، في سلسلة هجمات تكررت بشكل شبه يومي خلال الأشهر الثلاث الماضية ضد المصالح الأميركية في العراق، وخصوصاً على المنطقة الخضراء بوسط العاصمة، حيث مقر السفارة الأميركية.

واللافت في الهجوم الذي وقع الأحد، أنه اسفر عن إصابة شخص واحد على الأقل بعد أن سقطت ثلاثة صواريخ من أصل خمسة، داخل حرم السفارة الأميركية مباشرة، وأصاب أحدها المطعم في وقت العشاء، بحسب ما أكد مصدر أمني لوكالة فرانس برس.

وفي جميع الهجمات السابقة سقطت الصواريخ في محيط السفارة الأميركية وليس داخلها، ما ينذر بمزيد من التصعيد بين الولايات المتحدة والميليشيات الموالية لإيران في العراق.

واللافت أيضا أنه في الوقت الذي تجاهر فيه هذه الميليشيات بعدائها للولايات المتحدة، إلا أن الحشد الشعبي في العراق سارع إلى نفي تورطه باستهداف السفارة الأميركية الاثنين، بحسب مواقع إخبارية عراقية.

ونقلت وكالة الأنباء العراقية، الاثنين، عن معاون نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي، أبو علي البصري، تأكيده أن "الحشد الشعبي ليس له علاقة بالجهات التي استهدفت السفارة الأميركية في العراق".

كما تبرأت ميليشيا عصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي من عملية القصف الذي استهدفت سفارة الولايات المتحدة في بغداد.

ودان رئيس الوزراء العراقي المستقيل عادل عبد المهدي الهجوم ووصفه بأنه "تصرف انفرادي لا مسؤول"، والذي "قد يجر العراق ليكون ساحة حرب، خصوصا في وقت بدأت فيه الحكومة بإجراءات تنفيذ قرار مجلس النواب بانسحاب القوات الأجنبية من البلاد".

وأكد وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو أنه طلب من رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي الإيفاء بالتزامات العراق الدولية المتعلقة بحماية البعثات الديبلوماسية.

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية في بيان إنه "منذ سبتمبر وقع أكثر من 14 هجوما من جانب إيران والميليشيات المدعومة إيرانيا ضد موظفين أميركيين في العراق".

وتابع المتحدث "لا يزال الوضع الأمني متوترا، وما زالت الجماعات المسلحة المدعومة من إيران تُشكل تهديدا. لذلك، نبقى يقظين".

وتعرضت السفارة الأميركية إلى هجوم نفذه أنصار الحشد الشعبي في الـ31 من الشهر الماضي بعد أن تم السماح لهم بدخول المنطقة الخضراء، ألقوا خلاله الحجارة على جدران السفارة وكتبوا عليها عبارات وأضرموا النيران حولها وحاولوا اختراق أحد مداخلها.

وجاء الهجوم تنديدا بالغارات الجوية التي نفذته الولايات المتحدة واستهدفت كتائب حزب الله، الفصيل الموالي لإيران والمنضوي ضمن الحشد الشعبي، وذلك ردا على مقتل مقاول أميركي في هجوم استهدف قاعدة "كي وان" في كركوك.

يراقب العراقيون الاحتجاجات غير المسبوقة التي أثارها مقتل جورج فلويد في الولايات المتحدة
يراقب العراقيون الاحتجاجات غير المسبوقة التي أثارها مقتل جورج فلويد في الولايات المتحدة

"هذا وعد هذا وعد، تكساس ما تسكت بعد". بعد 17 عاما من دخول القوات الأميركية لبلادهم، وثمانية أشهر من أكبر الاحتجاجات التي شهدتها بلاد الرافدين، يبعث العراقيون رسائل تضامنية وتحذيرات وتوجيهات عملانية إلى المتظاهرين في الولايات المتحدة.

سواء في ساحة التحرير بوسط العاصمة بغداد، أو على منصة تويتر، يراقب العراقيون الاحتجاجات غير المسبوقة التي أثارها مقتل جورج فلويد، الرجل الأسود غير المسلح الذي توفي أثناء توقيفه في 25 مايو عندما جثا شرطي أبيض البشرة بركبته على عنقه لنحو تسع دقائق.

يقول ياسين علاء ابن العشرين عاما في إحدى خيم المتظاهرين في ساحة التحرير المركزية وسط العاصمة "أعتقد أن ما يفعله الأميركيون شجاع، ويجب أن يكونوا غاضبين، لكن أعمال الشغب ليست الحل".

ولم يبق سوى بضع عشرات من العراقيين في الخيم في ساحة الاحتجاجات الرئيسية في بغداد، التي شهدت قبل أشهر فقط إطلاق قوات الأمن الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي على المتظاهرين، الذين ردوا بالحجارة أو في بعض الأحيان بزجاجات مولوتوف.

خلف عنف التظاهرات أكثر من 550 قتيلا، لكن أحدا لم يتعرض للمحاسبة تقريبا، وهو بحسب عراقيين، مشابه لحالات الوفاة على أيدي رجال الشرطة في الولايات المتحدة.

لذا، يسعى العراقيون اليوم إلى مشاركة خبراتهم ودروسهم المستفادة، خصوصا أن كثيرين منهم ما زالوا يؤمنون بـ"الحلم الأميركي".

يقول علاء لوكالة فرانس برس متوجها إلى الأميركيين "لا تضرموا النار بأي شيء. ابقوا بعيدين عن ذلك، لأن الشرطة ستعاملكم بالقوة منذ البداية وقد تتصرف بشكل غير متوقع"، مضيفا أن الأهم من ذلك، هو وحدة الصف.

ويتابع "إذا اتحد السود والبيض ونبذوا العنصرية، فلا يمكن للنظام أن يوقفهم أبدا".

"ظلم" مشترك


وجد العراقيون في كل أنحاء البلاد أوجه تشابه بين جذور الاحتجاجات الأميركية ومجتمعهم.

يقول حيدر كريم (31 عاما)، الذي تعيش أسرته في الولايات المتحدة وقد شارك في الاحتجاجات المطلبية في ساحة التحرير "إنها حرب عرقية في الولايات المتحدة ، بينما هنا هي حرب سياسية وطائفية".

ويضيف لفرانس برس "لكن الشيء المشترك بيننا هو الظلم".

وللعراق تاريخه الخاص في العنصرية، وخصوصا ضد أبناء أقلية من أصول إفريقية في جنوب البلاد تعود بجذورها إلى عرق البانتو في شرق إفريقيا.

ففي العام 2013، قتل القيادي العراقي من أصول إفريقية جلال ذياب بالرصاص في مدينة البصرة الغنية بالنفط، لكن التمييز ضد هذه الأقلية غير عنيف في الغالب.

يقول أحد أبناء هذه الأقلية علي عصام (34 عاما)، الذي أخرج مسرحية شعبية حول احتجاجات العراق العام الماضي إن "عنصريتنا مختلفة عن عنصرية الولايات المتحدة".

ويضيف "هنا يطلقون النكات والمزاح عن السود، ولكن في الولايات المتحدة إذا كنت أسود فالبعض يعتبرك تهديدا".

امتد التضامن إلى وسائل التواصل الاجتماعي أيضا، مع قيام العراقيين بتعديل هتافاتهم وشعاراتهم الاحتجاجية لتتناسب مع الولايات المتحدة.

ففي أحد مقاطع الفيديو، يظهر عراقي مسن وهو ينشد "هوسة" أي هتاف إيقاعي موزون يشتهر به العراقيون في الأفراح والأتراح وكان أساسيا في الاحتجاجات، ليحاكي الهبة الأميركية قائلا "هذا وعد هذا وعد تكساس ما تسكت بعد" وممازحا "كنتاكي ما نأكل بعد".

وينصح هذا المسن الأميركيين بالحفاظ على عفوية واستقلالية احتجاجاتهم ومنع أي تدخل أجنبي "من السفارات العربية فيها"، على غرار تحذيرات الحكومة الأميركية للعراقيين العام الماضي.

واستخدم ناشطون آخرون هاشتاغ "أميركا تنتفض"، في نسخة عن الشعار الشعبي المستخدم في احتجاجات العراق ولبنان.

وترجم البعض الكلمات الأخيرة لفلويد وحولوها إلى هاشتاغ "نحن أيضا نريد أن نتنفس".


"يذكرنا ببغداد"

رغم ذلك، لم تكن كل المقاربات باعثة على الارتياح.

فقد قال حاكم مينيسوتا، حيث تقع مينيابوليس، إن عنف الشوارع "يذكرنا بمقديشو أو بغداد".

والقوات التي نشرها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لفترة وجيزة لتهدئة الاضطرابات في واشنطن العاصمة، كانت من الوحدة 82 التي عادت لتوها من عملها في العراق.

وقال مرشح الحزب الديموقراطي ونائب الرئيس الأميركي السابق جو بايدن إن "ترامب يستخدم الجيش الأميركي ضد الشعب الأميركي".

لكن العراقيين ردوا على ذلك بقوة عبر وسائل التواصل الاجتماعي قائلين "توقفوا عن ربط بغداد بالاضطرابات".

وقد اتجه آخرون إلى السخرية.

وتعليقا على مقاطع فيديو لحشود اقتحمت متاجر في مدن أميركية، سارع العراقيون إلى اقتباس قول غير محبب من وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد في العام 2003، ردا على سؤال صحافي حول عمليات نهب واسعة النطاق والفوضى في بغداد بعد الغزو الأميركي.

حينها كان جواب رامسفيلد إن "الفوضى والنهب هما نتيجة طبيعية للانتقال من الديكتاتورية إلى دولة حرة".