عراقي يتظاهر ويحمل صورة رئيس الوزراء المكلف وقد كتب عليها مرفوض مرفوض مرفوض
عراقي يتظاهر ويحمل صورة رئيس الوزراء المكلف وقد كتب عليها مرفوض مرفوض مرفوض

ما أن أعلن الرئيس العراقي برهم صالح تسمية محمد توفيق علاوي رئيسا للوزراء اشتدت التظاهرات في بغداد وعدة مدن جنوب البلاد، معتبرين أن هذه الشخصية هي امتداد للطبقة السياسية التي يطالبون بتغيرها وعزلها عن التحكم في البلاد والتي تعد موالية لإيران.

ولم تخف الصحف الإيرانية احتفائها بتكليف علاوي معتبرة أنه نجاح لاتفاق سياسي بين كتلة سائرون التي يترأسها الزعيم الشيعي مقتدى الصدر مع كتلة الفتح التي يقودها زعيم تنظيم بدر وأحد قادة الحشد الشعبي هادي العامري.

هذا التطور السريع، جاء بعد فترة قصيرة من اجتماع ضمن قادة الميليشيات العراقية الموالية لإيران، مع قادة النظام الإيراني في قم، هدفه إعادة التشكل من جديد لمواجهة المتظاهرين العراقيين بعد أن قتلت ضربة أميركية مهندس النفوذ الإيراني في العراق قاسم سليماني.

ويبدو أن اختيار صالح لعلاوي لن ينجح في كبح التظاهرات وإزالة حالة الشلل السياسي، حيث ما زال الشارع يعتبر أن هذه الشخصية مرفوضة ولا تلبي المطالب التي خرج بسببها المتظاهرون وقتل منهم أكثر من 500 شخص خلال الأشهر الأربعة الماضية.

ورفض الشارع العراقي تصريحات الصدر بأن رئيس الوزراء المكلف جاء متناسبا مع خيارات المتظاهرين، مشيرين إلى أن علاوي هو نتاج اتفاقات سياسية بين قوى سياسية تابعة لإيران، ملمحين إلى أن اجتماعات قم في إيران هي التي أفرزت تلك الشخصية.

وكانت قد وردت أنباء عن اجتماع عقد في إيران جمع بين زعيم التيار الصدري مقتدى مع زعيم تحالف الفتح العامري برعاية النظام الإيراني خلال الأسابيع الماضية والتي بحث فيها الأطراف تسمية مرشح لرئاسة الوزراء، وملفات أخرى، وفق وسائل إعلام محلية.

هادي العامري ومقتدى الصدر

وطالب الزعيم الشيعي الأحد أنصاره بالتعاون مع قوات الأمن لإعادة فتح المدارس والشوارع، وهو عكس ما يقوم به المحتجون في عموم العراق.

فيما اعتبر المحتجون رسالة الصدر ودعمه لعلاوي خيانة، وهتفوا في ساحة الطيران وسط بغداد "مرفوض بأمر الشعب لا تغرد انت بكيفك"، وأخرى "ثورة شبابية ما حد قادها"، وفق وكالة فرانس برس.

القوى السياسية توجه الدفة نحو مرفأ أمان لضمان مصالحها

متظاهر في العراق ضد تكليف محمد توفيق علاوي رئيسا للوزراء في البلاد

الخبير العراقي في الشأن السياسي أمير الساعدي قال في اتصال هاتفي مع "موقع الحرة" إن تكليف علاوي بتشكيل الحكومة كشف حجم الرفض الشعبي في الشارع العراقي لكل ما له تاريخ بالانتماء للطبقة السياسية، فيما سارعت أحزاب وكتل سياسية إلى الإعلان عن رفضها للرئيس المكلف الجديد وحتى التنصل من دعمه.

وأضاف أن ما يحصل الآن ليس بجديد على الساحة العراقية، فهو إعادة لسيناريو التجاذبات السياسية التي أفضت إلى تعيين عادل عبدالمهدي في فترة سابقة، والتي لم تخرج عن سياق التفاهمات ما بين كتلتي فتح وسائرون.

وأشار إلى أنه حتى التعهدات التي أطلقتها علاوي أمس هي ذاتها التي كان قد أعلن عنها عبدالمهدي في فترة سابقة، ما جعله في موضع شك باستكمال أجندة أو سياسة كانت قد وضعت سابقا.

وذكر أن بعض القوى تمارس السياسة باعتبارها "فنا للخديعة أو تلاق للمصالح"، والتي حتى إن كانت تظهر غير متناسقة أو متضاربة في بعض الأحيان إلى أنها تفضي إلى تحقيق هدف محدد مسبقا.

وأشار إلى أن التيار الصدري منذ بدء التظاهرات قام باحتضان الاحتجاجات ودعمها وحماها في فترات معينة، كما ساعد في دعم إقالة الحكومة، ولكنه يعود مرة أخرى ليدعم شخص لا تختلف محدداته كثيرا عن عبدالمهدي، وتارة يقول إنه جاء باختيار الشعب، وتارة أخرى يحدد مهلة شهر لتشكيل الحكومة الجديدة.

ويؤكد الساعدي أن الصورة حول كيفية تعاطى البرلمان مع منح الثقة للحكومة الجديدة تشي بالضبابية والتشتت، والتي ستخضع لكثير من التجاذبات بين القوى السياسية من أجل تحصيل المكاسب من جهة، ومحاولة إخراج البلاد من حالة التظاهرات من جهة أخرى.

ويوضح الساعدي أن إخراج البلاد من حالة التظاهر لا يعني بالضرورة تلبية مطالب المتظاهرين بقدر ما سيكون توجيه الدفة من قبل القوى السياسية نحو "مرفأ أمان للمصالح والمنافع"، وهو الأمر الذي يخشاه الشارع بأن يدفع هذا الأمر بفرض علاوي رئيسا لوزراء العراق حتى نهاية فترة عبدالمهدي في 2022، فيما يطالب الشارع أن تنتهي ولاية رئيس الوزراء المكلف مع نهاية عام واحد فقط بعد إجراء انتخابات نزيهة.

سر تفاهمات سائرون وفتح وإعادة ترتيب الأوراق

شعارات رافضة لعلاوي وتتهمه بالتبعية للميليشيات الإيرانية

من جانبه قال المحلل السياسي رعد قاسم في مقابلة مع "قناة الحرة" إن اجتماعات عقدت في قم بإيران خلال الفترة الماضية وهي السر الذي أفضى إلى تفاهمات ما بين كتلتي سائرون والفتح، والتي أعيد فيها ترتيب الأوراق والأدوار ما بين الصدر والعامري، وأفضت فيما بعد بتسمية علاوي رئيسا للوزراء.

وأوضح أنه خلال الفترات الماضية تسببت كتلة الفتح بالتقليل من المكاسب السياسية لكتلة سائرون، ولكن بعد اجتماع قم اتفق على تعظيم دور الصدر السياسي، وبما يخدم مصلحة إيران.

وأشار قاسم إلى أن مواقف الصدر "المشوهة والضبابية أحيانا"، ناتجة عن انغماسه في الدور السلطوي السياسي وخلطه مع الدور الديني، الأمر الذي يولد أحيانا تناقضا في التصريحات، والتي تخلط حالة من الفوضى التي تخدم إبقاء نفوذ إيران في العراق.

محمد توفيق علاوي

برهم صالح يكلف محمد توفيق علاوي بمهمة تشكيل الحكومة العراقية الجديدة

بدأ علاوي مشواره السياسي في 2003 عندما انتخب نائبا في برلمان ما بعد سقوط نظام صدام حسين، عقب التدخل الأميركي للبلاد.

وقد عين وزيرا للاتصالات في 2006 واستقال في 2007، ثم عاد نائبا في 2008 ليخلف نائبة توفيت وفاز بعضوية المجلس في 2010 أيضا.

في العام نفسه، عين مجددا وزيرا للاتصالات في حكومة نوري المالكي، لكن تلك الفترة لم تكتمل، وطبعت سيرته السياسية باستقالته من الحكومة في أغسطس في 2012. ويومها اتهم علاوي المالكي بغض النظر عن عمليات فساد يقوم بها مقربون منه.

وجاء تكليف علاوي في الوقت "بدل الضائع" للمهلة التي حددها رئيس الجمهورية برهم صالح للكتل السياسية لتسمية شخصية ترأس الحكومة، قبل أن يتخذ الرئيس نفسه قرارا أحادي الجانب.

وقال علاوي (65 عاما) في فيديو نشره عبر صفحته على فيسبوك متوجها إلى الشعب والمتظاهرين المحتجين باللهجة العراقية "الآن أنا موظف عندكم، وأحمل أمانة كبيرة وإذا لم أحقق مطالبكم، فأنا لا أستحق هذا التكليف".

وأضاف "بعد أن كلفني رئيس الجمهورية تشكيل الحكومة قبل قليل، قررت أن أتكلم معكم قبل أن أتكلم مع أي أحد، لأن سلطتي منكم".

وفي وقت لاحق نشرت رئاسة الجمهورية فيديو لرئيس الجمهورية مكلفا علاوي، الذي تلا بعد ذلك كلمة تعهد فيها تنفيذ مطالب الشارع، وخصوصا الانتخابات المبكرة وحقوق ضحايا التظاهرات.

الشارع ينتفض ضد تكليف علاوي

ورفضا لتكليف علاوي خرج المئات من المتظاهرين العراقيين، في تظاهرات بمدن عراقية عدة، حيث خرج المئات في مدينتي الحلة والديوانية، وقال مراسل "الحرة"، إن المتظاهرين رفعوا شعارات تعتبر أن "علاوي هو مرشح المليشيات الايرانية وليس الشعب". وقطع عدد من المحتجين بعض الطرق، مؤكدين عزمهم تنفيذ خطوات احتجاجية تصعيدية.

ونظم عدد من طلبة جامعة واسط تظاهرة في مدينة الكوت انطلقت من مبنى الجامعة الى ساحة الاعتصام الرئيسية في المدينة، وطالب المتظاهرون بتحديد موعد للانتخابات المبكرة وعدم تسويف هذا المطلب.

وخرج طلبة جامعة ذي قار الذين في مسيرات في شوارع مدينة الناصرية وصولا إلى ساحة الاعتصام، وردد الناشطون شعارات رافضة لتكليف شخصية سياسية سابقة لشغل منصب رئيس الوزراء.

وأعلنت ساحة اعتصام السماوة رفضها للتكليف، وأصدر المحتجون بياناً اعتبروا أن علاوي لا تتوفر فيه الشروط الموضوعة من قبل المرجعية وساحات الاعتصام لانه مرشح الأحزاب.

وفي مدينة الدوانية، خرج المئات في تظاهرة حاشدة لطلاب المدارس والجامعات، احتجاجا.

وأغلق حتجون طريق النجف الرابط بقضاء الكوفة والطريق المؤدي الى المطار والطريق الرابط بين محافظتي النجف وكربلاء.

وأدى العنف في العراق إلى مقتل أكثر من 480 شخصا، غالبيتهم العظمى من المتظاهرين، منذ اندلاع التظاهرات في الأول من أكتوبر، في بغداد ومدن جنوب البلاد.

 

كشف تقرير لصحيفة تليغراف أن طهران بدأت تفقد نفوذها تدريجيا في العراق
كشف تقرير لصحيفة تليغراف أن طهران بدأت تفقد نفوذها تدريجيا في العراق

عندما قتل قاسم سليماني في غارة أميركية بطائرة بدون طيار خلال زيارة لبغداد في مطلع يناير الماضي، تعهدت إيران "بالانتقام الشديد" من الولايات المتحدة عبر ميليشياتها في العراق، كما طالبت الكتلة الموالية لإيران في البرلمان العراقي بسحب 5000 جندي أميركي وقوات التحالف في العراق للمساعدة في محاربة داعش.

بعد ما يقرب من ستة أشهر، لا تزال القوات الأجنبية متمركزة في أنحاء العراق ويبدو أنها ستبقى لبعض الوقت، وبصرف النظر عن الهجوم الصاروخي على قاعدة للتحالف في مارس الماضي، والذي أسفر عن مقتل جندي بريطاني وآخر أميركيين، فإن الميليشيات المدعومة من إيران لم تنفذ تهديداتها بالثأر لمقتل سليماني، وفقاً لصحيفة تلغراف الإنكليزية.

علاوة على ذلك، عين العراق رئيس الوزراء الأكثر تأييدًا للغرب منذ سنوات، مصطفى الكاظمي، ليحل محل عادل عبد المهدي الذي استقال في نوفمبر الماضي في أعقاب احتجاجات ضخمة مناهضة للحكومة.

وعلى مدى السنوات الأربع الماضية، كان الكاظمي يدير جهاز المخابرات العراقي، حيث عمل بشكل وثيق مع التحالف في القتال ضد داعش، وقد أمضى سنوات في بريطانيا كصحفي وناشط في مجال حقوق الإنسان، بعد أن فر من العراق أثناء حكم صدام حسين.

 

فشل قاآني

 

وقال سركوت شمس الدين، النائب الكردي الذي عمل ذات مرة كصحفي مع الكاظمي إنه "ليبرالي وغير طائفي، إنه لا يريد أن يتسبب في مشاكل مع إيران، فهو فقط مؤيد للعراق. ويدرك أيضًا أنه لا يمكننا البقاء على قيد الحياة الآن بدون دعم أميركي".

ومن المتوقع أن تلوح أزمة في منتصف يونيو الجاري عندما تعقد واشنطن وبغداد حوارا استراتيجيا لتحديد علاقتهما المستقبلة، ويتوقع المراقبون أن تضغط أميركا والتحالف لبقاء القوات في العراق لضمان عدم عودة داعش.

وصرح مسؤول غربي للصحيفة: "هناك مجال للاتفاق على وجود بقاء القوات ولكن ربما بقوات أقل لمواجهة داعش في المستقبل".

وأكد أن تعيين الكاظمي يعكس حقيقة أن قائد الجيش الإيراني إسماعيل قاآني، فشل في أن يحل محل سليماني وتأثيره في العراق.

فقد زار قاآني بغداد في أواخر مارس الماضي، في محاولة للتأثير على اختيار رئيس الوزراء الجديد، ولكن كونه لا يتحدث العربية يفتقر إلى كاريزما سليماني وعلاقاته الشخصية، وكان استقباله فاترا ورفض بعض كبار القادة الشيعة مقابلته.

وقال المسؤول الغربي: "سليماني كان له تأثير هائل على سياسيين عراقيين مختلفين وقاآني كافح لملء هذا الفراغ، لم يكن له نفس التأثير، وتشكيل الحكومة الجديدة أكبر مثال على ذلك".

وبالنظر إلى قوة الكتلة الموالية لإيران في الحكومة العراقية، كان الكاظمي خياراً مفاجئا، ويعتقد شمس الدين أن تعيينه لطمة قوية للنفوذ الإيراني في العراق.

وأضاف شمس الدين، الذي تلقى تهديدات بالقتل من الميليشيات لرفضه التصويت لصالح انسحاب القوات: "كان الضغط من الشارع هائلاً - إنه معادٍ لإيران حتى لو لم يكن مؤيدًا للولايات المتحدة بشكل واضح، إيران تجد أنه ليس لديها العديد من الأصدقاء المخلصين حقا في العراق".


الخضوع لسيطرة الحكومة

 

وأشارت الصحيفة الإنكليزية إلى أن الكاظمي الذي يعتبر خبيراً في مجال الإعلام، قد ترك بصمته بالفعل، فقد كان من بين أول قراراته إطلاق سراح مئات الأشخاص الذين اعتقلوا خلال الاحتجاجات.

كما وعد بإجراء تحقيق أكثر صرامة في الهجمات بالأسلحة النارية التي شنت على بعض الاحتجاجات العام الماضي، والتي قتل فيها حوالي 600 شخص، وألقيت اللوم على نطاق واسع على الميليشيات الموالية لإيران وقوات الأمن العراقية، لكن تحقيق رئيس الوزراء السابق خلص فقط إلى أنهم "مسلحون مجهولون".

بدوره، قال أيمن سلمان، وهو متظاهر من بغداد: يبقى أن نرى ما إذا كان قادرا على الوفاء بهذه الوعود، حتى الآن، لم يتم إطلاق سراح المتظاهرين.

وألمحت الصحيفة إلى أن اختيار بعض العناصر الأكثر اعتدالًا في الحشد الشعبي المدعومة من إيران والتي تم تعبئتها عام 2014 للمساعدة في محاربة داعش، دليل آخر على فقد طهران لنفوذها في العراق.

 

استقلال بغداد

 

ومن المرجح أن تعتمد واشنطن على الكاظمي بشدة للقيام بالمزيد من الإجراءات، لتأكيد استقلال بغداد عن طهران.

وصرح روبرت تولاست من مؤسسة "تحليل الشرق الأوسط "( NAMEA): "تريد الولايات المتحدة تأكيدات بأن الجماعات المدعومة من إيران قد فقدت مكانتها، هذا سيعني التعاون مع الولايات المتحدة لفرض عقوبات موجهة ضد المصالح المالية الإيرانية في العراق، ويمكن أن يمتد الأمر إلى التعاون الأمني ضد وكلاء إيران العراقيين".

ومقابل ذلك إذا واجه الكاظمي اعتراضا من الكتلة الموالية لإيران، فيمكن لواشنطن سحب دعمها المالي الذي تبلغ قيمته مليارات الدولارات للحكومة العراقية، التي تواجه حاليًا الانهيار المالي بسبب انهيار أسعار النفط العالمية بسبب فيروس كورونا.

ويرى تولاست أن الكاظمي الذي أمضى معظم وقته في بريطانيا، ليس لديه قاعدة قوية في العراق، مما يعني أنه يمكن الإطاحة به بسهولة، مشيراً إلى أن إيران ما زالت "راسخة" في العراق. وأضاف "لا يمكننا أن نتوقع فائزاً مطلقاً في المنافسة الأميركية الإيرانية في العراق".