مقتدى الصدر على متن طائرته الخاصة (الصورة من مواقع التواصل الاجتماعي)
مقتدى الصدر على متن طائرته الخاصة (الصورة من مواقع التواصل الاجتماعي)

فجأة ومن دون أية مقدمات، ظهر رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر السبت في مدينة النجف العراقية قادما من مدينة قم التي تعد مركز انتشار فيروس كورونا في إيران.

وفور وصوله النجف توجه الصدر رفقة عدد من أتباعه إلى ضريح الإمام علي، أحد أكثر الأماكن زحاما في المدينة المقدسة لدى المسلمين الشيعة في العراق والعالم.

خروج الصدر من مدينة قم جاء بالتزامن مع إعلان إيران ارتفاع عدد حالات الوفاة الناجمة عن الإصابة بفيروس كورونا المستجد إلى خمسة وعدد الإصابات إلى 28.

وأعلن عن ظهور الفيروس في إيران للمرة الأولى في مدينة قم الأربعاء الماضي، وكذلك سجلت المدينة أول حالتي وفاة جراء المرض وهما إيرانيان مسنان.

والخميس، حظر العراق والكويت السفر من وإلى إيران، ومنعا دخول الإيرانيين الذين يتدفقون بالملايين على النجف وكربلاء لزيارة العتبات الشيعية المقدسة.

وقررت السلطات العراقية تعليق جميع رحلات الطيران من وإلى إيران، اعتبارا من الخميس وإلى إشعار آخر ويشمل الحظر مطاري بغداد والنجف.

كذلك طلبت وزارة الصحة العراقية من السلطات منع كافة الوافدين من إيران من دخول الأراضي العراقية من كافة المنافذ الحدودية إلى إشعار آخر، باستثناء المواطنين العراقيين المتواجدين هناك على أن يخضعوا لحظر مدته 14 يوما.

وتسائل عراقيون عن كيفية وصول الصدر إلى مدينة النجف في ظل حظر رحلات الطيران بين البلدين، وإجراءات الحجر الصحي التي قالوا إنها يجب أن تشمل الجميع ن دون استثناء.

وغرد مستخدم يدعى سعيد الجبوري ساخرا "من أتى بمن!؟ هل أتى فايروس كورونا بالصدر، أم أتى الصدر بفايروس كورونا!؟"، في إشارة إلى الأنباء التي تم تداولها خلال الأيام الماضية وتوقعت مغادرة مقتدى الصدر لمدينة قم بسبب فيروس كورونا المستجد.

وألمح مغرد أخر إلى أن مقتدى الصدر يحاول من خلال عودته ركوب موجة التظاهرات التي دعا إليها ناشطون يوم الثلاثاء المقبل.

وكان الصدر غادر العراق إلى إيران قبيل اندلاع الاحتجاجات الشعبية المناهضة للحكومة في الأول من أكتوبر الماضي، قبل أن يعود لفترة وجيزة في نوفمبر ويظهر في ساحة الاحتجاج الرئيسية في مسقط رأسه بمدينة النجف.

ولم تستمر زيارته لمدينة النجف سوى أيام قليلة حيث اضطر إلى المغادرة مرة أخرى لمدينة قم الإيرانية بعد تعرضه لهتافات مناوئة من قبل المحتجين الذين اتهموه بمحاولة ركوب موجة التظاهرات.

وتأتي عودة الصدر قبل يومين فقط من عقد جلسة مرتقبة للبرلمان العراقي ينتظر أن يتم فيها التصويت على حكومة رئيس الوزراء المكلف محمد توفيق علاوي، المدعوم من الصدر.

وكان رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر هدد السبت بتنظيم تظاهرة "مليونية" واعتصامات حول المنطقة الخضراء في حال فشل البرلمان العراقي في تمرير حكومة علاوي.

وأعلنت بعض القوى النيابية رفضها المشاركة في جلسة منح الثقة لحكومة علاوي، من أبرزها كتلة رئيس البرلمان العراقي محمد الحلبوسي، فيما لايزال موقف الحزبين الكرديين الرئيسيين (الاتحاد الوطني والديمقراطي الكردستاني) غير مؤكد لغاية الآن بشأن حضور جلسة الاثنين.

وكذلك لا يحظى علاوي، وهو وزير اتصالات سابق، بأية مقبولية في أوساط المحتجين العراقيين الذين يرفضون أي شخصية تولت مسؤوليات في الحكومات السابقة.

وقتل أكثر من 500 شخصا وأصيب نحو 25 ألفا آخرين منذ بدء الاحتجاجات في الأول من أكتوبر الماضي والتي تدعو لإسقاط الطبقة السياسية الحاكمة والقضاء على الفساد وإنهاء النفوذ الإيراني في البلاد.

عقيل عباس

كان العراق يأمل في اغتنام قمة بغداد العربية لإعلان عودته كلاعب مؤثر على المسرح الإقليمي، لكن الحدث انتهى بنكسة دبلوماسية، على ما يبدو، كشفت عن انقسامات داخلية عميقة.

في هذه المقابلة، يوضح الخبير السياسي، الكاتب، الدكتور عقيل عباس، أن فشل القمة لا يرتبط بغياب القادة العرب بل هو نتيجة تخريب داخلي، وسلوك سياسي غير مقبول.

ـ هناك شبه إجماع على فشل القمة العربية في بغداد. هل تتفق مع هذا التوصيف؟

ـ القمم العربية عموما فاشلة لأسباب بنيوية ليست مرتبطة بالضرورة باستضافة العراق لهذه القمة. لكن في قمة بغداد كان هناك فشل مضاعف بسبب الصراع السياسي العراقي-العراقي حول تنظيمها. هناك أطراف أرادت ألا تحصل حكومة (رئيس الوزراء العراقي محمد شياع) السوداني على ما يمكن أن نسميه منجز تنظيم قمة سلسة أو قمة بمستوى القمم الأخرى حتى وإن كانت من دون نتائج عامة عربية، لكن بمشاركة عالية من الزعماء، وحصول اجتماعات جانبية، هي في العادة أهم من الاجتماع العام.

ـ لكن غياب معظم القادة العرب لم يكن بقرار عراقي داخلي.

ـ صحيح، لكن كان هناك سلوك سياسي عراقي أدى إلى تضامن القادة العرب في قرارهم عدم المجيء إلى بغداد. كان هناك خطاب عدائي نحو الكويت، وإثارة لموضوع خور عبدالله. فاستنجدت الكويت بمجلس التعاون الخليجي ومارست ما تستطيع من تأثير على الزعماء الآخرين كي لا يحضروا. إضافة إلى ذلك، الحديث عن وجود مذكرة إلقاء قبض على الرئيس السوري أحمد الشرع، هذا الحديث غير مناسب وغير مقبول، فضلا عن تهديد بعض قادة الكتل السياسية في العراق بأنهم لا يضمنون سلامته إذا حضر القمة. 

هذا الكلام يتجاوز أبسط القواعد البروتوكولية، فالعراق ملزم وفق نظام الجامعة العربية بأن يستضيف كل الزعماء العرب. حديث بعض أطراف الإطار التنسيقي، وهو الائتلاف الحاكم في العراق، بهذا الشكل يبعث رسائل بأن هناك فوضى سياسية في العراق وليس هناك وحدة في القرار السياسي.

ـ ماذا كشفت هذه القمة عن علاقة العراق بما يُسمى "الحاضنة العربية، في رأيك؟

ـ أعتقد أن العالم العربي شبه يائس من العراق، من أن يلعب دورا فاعلا ومؤثرا للأسباب التي ذكرتها مجتمعة. إذا لم يستعِد العراق وحدة قراره السياسي، وإذا لم يظهر أنه قادر على فرض إرادته داخل إقليمه الجغرافي، باعتقادي، لن يأخذه أحد على محمل الجد.

ـ هناك من يعتقد أن فشل قمة بغداد هو انعكاس للوضع العربي العام، خصوصا مع بروز مؤشرات كبيرة على أن المنطقة تتغير، وأن هناك خريطة جيوسياسية في طور التشكل. زيارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى الخليج الأسبوع الماضي، ربما وضعت النقاط على الحروف في هذا السياق. ما رأيك؟

ـ اتفق مع هذا الطرح. زيارة ترامب كانت تاريخية، بصرف النظر عن رأينا بترامب. أبرزت الزيارة، التي كانت اقتصادية بامتياز، أن هناك نهجا تنمويا رائدا سينتج من دول الخليج، وتحديدا السعودية، خصوصا مع دعوة الرئيس السوري أحمد الشرع ولقائه بترامب، والوعد الأميركي برفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا.

ـ ماذا يعني رفع العقوبات عن سوريا بالنسبة لمستقبل المنطقة؟

ـ إلى جانب رفع العقوبات، هناك حديث الآن عن مفاوضات سورية إسرائيلية من وراء الكواليس بشأن اتفاقية تطبيع، وهذه قد تضمن لسوريا دعما اقتصاديا غربيا، وبالتالي فإن اتباع سوريا نهجا اقتصاديا، يعني أننا سنشهد بروز التنمية الاقتصادية كقضية أساسية ومركزية عربيا، ابتداء من السعودية ودول الخليج الأخرى، ثم سوريا. 

ـ أين سيكون العراق في سيناريو كهذا؟

ـ أنا أعتقد أن هذا سيؤثر على العراق كثيرا. بدلا من الحديث عن الماضي والصراعات، سيكون الحديث عن المستقبل. وسيكون "الإطار التنسيقي" تحت ضغط هائل حينها، إذ لابد من أن يُنتج شيئا للمجتمع بخصوص المستقبل، كما تفعل دول الجوار التي تجاوزت العراق بأشواط طويلة.

ـ بالعودة إلى قمة بغداد، كيف يؤثر "فشل القمة" على صورة العراق عربيا ودوليا؟

ـ أنا لا أعتقد أن موضوع الضرر الخارجي مهم. تأثيرها داخلي، إذ أبرزت النزاع الحاد داخل الإطار التنسيقي، بين الحكومة وبعض أطراف الإطار، وهذا ستكون عواقبه أكثر تأثيرا. السيد السوداني، أكيد، يشعر بغضب  شديد، وهذا سينعكس على طريقة تعامله مع الإطار. 

ـ كيف؟ 

ـ لا أعرف. ربما من خلال تأكيده على دور عربي للعراق، لأن رئاسة القمة تستمر لمدة سنة كاملة. وهناك ملفات كثيرة يمكن أن يشتغل عليها العراق. التبرع بـ20 مليون دولار لغزة، و20 مليون للبنان، يبدو لي، أنه تهيئة لدخول العراق على ملفات هذه البلدان. وهذا يُحسب لحكومة السوداني.

ـ بأي طريقة سيتدخل العراق في ملفات غزة ولبنان، باعتقادك؟ 

ـ ربما بالتوسط بين حزب الله والحكومة اللبنانية، وكذلك بين حماس والسلطة الفلسطينية. لا يبدو لي أن التبرع بالأموال يأتي من دون غاية.

ـ بالإشارة إلى حديثك عن صراع بين السوداني والإطار، هل هذا يعني تضاؤل حظوظ السوداني بولاية ثانية؟

ـ ما حصل في القمة هو فقط مرحلة من مراحل الصراع. أعتقد أن الخلاف سيتصاعد. من الفوائد المؤسفة للقمة أنها أظهر هذا الصراع بين الحكومة ومعظم أطراف الإطار التنسيقي إلى العلن. هم لا يريدون أن يحقق السيد السوداني أي منجز.