برهم صالح يكلف محمد توفيق علاوي بمهمة تشكيل الحكومة العراقية الجديدة
برهم صالح يكلف محمد توفيق علاوي بمهمة تشكيل الحكومة العراقية الجديدة

عبيد أعبيد - الحرة 

لا يزال أمام رئيس الوزراء العراقي المكلف، محمد توفيق علاوي، يوم واحد لإعلان أسماء أعضاء حكومته أمام كتل البرلمان، وخمسة أيام فقط، تنتهي معها مهلته الدستورية التي تلزمه بإنهاء تشكيل كابينته الحكومية. 

ومع ضغط الوقت، يواجه علاوي تقاطعات سياسية حادة بين الرباعي السياسي ذات الأغلبية في برلمان البلاد، واشتراطات متعارضة في طريقة تشكيل الحكومة. 

ويتوزع المشهد العام للكتل السياسية الطائفية في البرلمان العراقي، بين البيت الشيعي الممثل في تحالفي "سائرون" لمقتدى الصدر، و"الفتح" لهادي العامري، علاوة على السني، المتمثل أساسا في تحالفي "القوى العراقية" و"المحور الوطني" (انقسما في مايو الماضي)، فضلا عن البيت الكردي الممثل برلمانيا عبر "الجماعة الإسلامية الكردية"، و"الحزب الديمقراطي الكردستاني". 

ودفعت الاشتراطات التي ضغطت بها الكتل الحزبية على علاوي، إلى تأجيل الجلسة البرلمانية المخصصة للمصادقة على كابينته الوزارية، إلى يوم الأربعاء، بعدما كانت مقررة يوم الإثنين. 

 

كابينة علاوي.. أسماء مستقلة ولكن؟ 

هشام الهاشمي، محلل سياسي مختص في الشأن العراقي، قال لموقع "الحرة"، إن المحاصصة التي يقوم بها علاوي، لتكوين كابينته الوزارية، تقوم على أسماء مهنية وتكنوقراطية على أساس انها مستقلة، لكنها في الواقع هي طائفية، حيث كل "الأسماء المستقلة" المقترحة، ستكون مقترحة من الكتل الطائفية. 

وعن تفسير تهديد الصدر بالتظاهر، قال الهاشمي، إن الصدر منذ فوزه بالأغلبية في انتخابات 2018، صار لديه نوعا من "الأبوية" على العراقيين، وهو ما ترفضه باقي القيادات الدينية والسياسية في البلاد. 

وحول ما إذا كان قرار كتلة "الفتح" موحدا تجاه حكومة علاوي، استبعد المحلل ذلك، وقال: "بالتأكيد بأن الفتح يعيش صراعا داخليا، بين زعيمه هادي العامري، الذي يؤيد حكومة علاوي، وقيس الخزعلي، الرجل الثاني في التحالف، والذي يؤيد عكس ذلك، ويرغب في تنسيق أكثر مع التيار الصدري. الأمر الذي قد ينعكس بالأساس على منح الثقة لحكومة علاوي".

وعن سيناريوهات جلسة التصويت على الكابينة الوزارية، المرتقبة الأربعاء، قال الهاشمي، ان علاوي سيواجه عقبة في النصاب القانوني وأغلبية الأصوات لتحصيل موافقة على حكومته، مشيرا إلى وجود خلاف كبير داخل الكتل السياسية نفسها تجاه حكومة علاوي. 

اتصال بومبيو 

بالنظر إلى المواقف المعلنة منذ متم الأسبوع المنصرم، يظل البيتين الكردي والسني، الأقل تفاهما مع علاوي، فيما حسم "الفتح" تأييده لعلاوي، وبعده "سائرون" بشروط. 

لكن الناشط السياسي في حراك بغداد، أحمد حمادي، قال لموقع "الحرة"، إن دخول وزير خارجية الولايات المتحدة، مايك بومبيو، على الخط، واتصاله الأخير بعلاوي، "غير وجهة" نظر الأخير تجاه الأكراد والسنة. ما قد يدفعه إلى تقديم تنازلات لهم. 

وأفاد الناشط، ان علاوي سيكون قد قطع الأشواط الأخيرة، لو تفاهم مع الكرد والسنة، وبالتالي سيسهل تمرير حكومته الأربعاء المقبل. 


تأييد تحالف "الفتح" 

 

بالعودة الى الكتل البرلمانية المنقسة بين مؤيد ومعارض لحكومة علاوي، تحالف "الفتح" الذي يضم غالبية فصائل الحشد الشعبي، أعلن الأحد رسميا، دعمه لرئيس الوزراء المكلف محمد توفيق علاوي، عبر حضوره الجلسة ومنح الثقة.

ونفى التحالف (48 مقعدا في البرلمان العراقي من أصل 329 مقعدا) في بيان، صحة ما تردد عن عدم حضوره جلسة التصويت على الحكومة ووصف ما تم تداوله بأنه "عار عن الصحة".

 

وطيلة أيام السجال السياسي وتصريف الكتل لمواقفها عبر وسائل إعلام محلية، ضرب تحالف "الفتح" وزعيمه مهدي عامري، الصمت دون إبداء شروط محددة في تشكيل حكومة علاوي. 

لكن تقارير صحفية عراقية، تناولت بشكل مستفيض، ما قالت إنه "اتفاق سري" بين زعيم "سائرون" مقتدى الصدر، ونظيره الشيعي زعيم تحالف "الفتح" مهدي عامري، تم من خلاله اختيار علاوي لرئاسة الحكومة المرتقبة. 

تهديد الصدر وشروطه

وعلى عادته، لم يكتف زعيم تحالف "سائرون" مقتدى الصدر، بموقف رسمي يعبر فيه عن دعم علاوي في البرلمان فقط، بل أصدر بيانا باسمه، يتوعد فيه ويهدد بالاعتصام في معابر المنطقة الخضراء، في حالة ما لم يتم التصويت على حكومة علاوي في البرلمان. 

وجاء موقف الصدر، عقب أسبوع من وعيد سابق هدد فيه مستشاره العسكري، بـ"الخروج في مظاهرات مليونية تسقط حكومة علاوي في غضون 3 أيام".     

لكن تمثيلية الصدر في البرلمان (سائرون) اشترطت للموافقة على تشكيلة علاوي، شرطين اثنين: الأول تسليم "سيفيهات" الوزراء(السير الذاتية) قبل جلسة التصويت بيوم واحد، الثاني : إجراء التصويت عقب انتهاء الملاحظات على هذه السير الذاتية. 

الأكراد و"التوافقات الجديدة"

إلى حدود صباح اليوم كان الأكراد، الأكثر معارضة لعلاوي، بدعوى "ان اغلب كابينته الوزارية تحوي وزراء مزدوجي الجنسية ميولاتهم الحزبية للصدر والفتح معروفة". 

لكن مصادر لـ"الحرة"، أفادت الإثنين، إن وفدا منهم غادر بغداد، مساء الإثنين، بواسطة طائرة عسكرية إلى إقليمهم، عقب اجتماع خاص مع علاوي، قالت المصادر انه "انتهى بتوافقات بين الطرفين". 

ومن المطالب، التي قالت مصادر "الحرة"، انه "تم التوافق حولها"، منح الكرد وزارة دولة لشؤون الاقليم، لتصبح 4 وزارات للكرد، بدلا من 3، فيما الوزارة الرابعة ستعطى لممثل إقليم كردستان في الأمانة العامة لمجلس الوزراء.

كما تم الاتفاق أيضا، ترشيح شخصيات مهنية مستقلة، يوافق عليها الكرد.

هذا، فضلا عن نقطة ثالثة، تهم "تحديد سنة واحدة من تاريخ التصويت على الحكومة، للانتقال إلى انتخابات مبكرة". 

 

انقسام الكتلة السنية 

وفي الجانب الرابع، يعيش البيت السني على وقع انقسام حول تأييد حكومة علاوي من عدمه، بشأن  طريقة تشكيل علاوي لحكومته. 

لكن نواب عن كل من "القوى العراقية" و"المحور الوطني"، قالوا انهم وصلوا إلى "تقدم كبير" في مفاوضات تشكيل الحكومة، علاوة على إبداء أكثر من 40 نائباً من المكون السني، استعدادهم للتصويت على كابينة  علاوي.

رئيس كتلة "بيارق الخير"، النائب محمد الخالدي، كشف في تصريح صحفي، الأحد، إن "حوارات بين الكتل السنية وعلاوي وصلت إلى مراحل متقدمة حيث أبدى أكثر من 40 نائباً من المكون السني من أصل 64 نائباً يمثلون المكون داخل قبة البرلمان، موقفهم الداعم للحكومة المقبلة واستعدادهم للتصويت بمنح الثقة لها".

 

ووفق الدستور العراقي، فإن جلسة البرلمان الخاصة بمنح الثقة للحكومة، تعقد بناء على طلب 50 نائبا، أو رئيس الجمهورية، أو رئيس البرلمان، أو رئيس الوزراء، ويشمل ذلك رئيس الوزراء المستقيل.

ويشترط لحصول الحكومة على ثقة البرلمان، تصويت الأغلبية المطلقة (50 بالمائة + 1) لعدد الأعضاء الحاضرين (ليس العدد الكلي).

والأربعاء الماضي، أعلن علاوي إكماله التشكيلة الحكومية، التي قال إنها تتألف من وزراء مستقلين أكفاء، داعيا البرلمان إلى عقد جلسة الإثنين، لمنحها الثقة.

ولا يحظى علاوي بتأييد الحراك الشعبي المستمر، منذ أكتوبر 2019، حيث يطالب بتكليف شخصية مستقلة لم تتولَ مناصب رفيعة مسبقا، وبعيدة عن التبعية للخارج.

يراقب العراقيون الاحتجاجات غير المسبوقة التي أثارها مقتل جورج فلويد في الولايات المتحدة
يراقب العراقيون الاحتجاجات غير المسبوقة التي أثارها مقتل جورج فلويد في الولايات المتحدة

"هذا وعد هذا وعد، تكساس ما تسكت بعد". بعد 17 عاما من دخول القوات الأميركية لبلادهم، وثمانية أشهر من أكبر الاحتجاجات التي شهدتها بلاد الرافدين، يبعث العراقيون رسائل تضامنية وتحذيرات وتوجيهات عملانية إلى المتظاهرين في الولايات المتحدة.

سواء في ساحة التحرير بوسط العاصمة بغداد، أو على منصة تويتر، يراقب العراقيون الاحتجاجات غير المسبوقة التي أثارها مقتل جورج فلويد، الرجل الأسود غير المسلح الذي توفي أثناء توقيفه في 25 مايو عندما جثا شرطي أبيض البشرة بركبته على عنقه لنحو تسع دقائق.

يقول ياسين علاء ابن العشرين عاما في إحدى خيم المتظاهرين في ساحة التحرير المركزية وسط العاصمة "أعتقد أن ما يفعله الأميركيون شجاع، ويجب أن يكونوا غاضبين، لكن أعمال الشغب ليست الحل".

ولم يبق سوى بضع عشرات من العراقيين في الخيم في ساحة الاحتجاجات الرئيسية في بغداد، التي شهدت قبل أشهر فقط إطلاق قوات الأمن الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي على المتظاهرين، الذين ردوا بالحجارة أو في بعض الأحيان بزجاجات مولوتوف.

خلف عنف التظاهرات أكثر من 550 قتيلا، لكن أحدا لم يتعرض للمحاسبة تقريبا، وهو بحسب عراقيين، مشابه لحالات الوفاة على أيدي رجال الشرطة في الولايات المتحدة.

لذا، يسعى العراقيون اليوم إلى مشاركة خبراتهم ودروسهم المستفادة، خصوصا أن كثيرين منهم ما زالوا يؤمنون بـ"الحلم الأميركي".

يقول علاء لوكالة فرانس برس متوجها إلى الأميركيين "لا تضرموا النار بأي شيء. ابقوا بعيدين عن ذلك، لأن الشرطة ستعاملكم بالقوة منذ البداية وقد تتصرف بشكل غير متوقع"، مضيفا أن الأهم من ذلك، هو وحدة الصف.

ويتابع "إذا اتحد السود والبيض ونبذوا العنصرية، فلا يمكن للنظام أن يوقفهم أبدا".

"ظلم" مشترك


وجد العراقيون في كل أنحاء البلاد أوجه تشابه بين جذور الاحتجاجات الأميركية ومجتمعهم.

يقول حيدر كريم (31 عاما)، الذي تعيش أسرته في الولايات المتحدة وقد شارك في الاحتجاجات المطلبية في ساحة التحرير "إنها حرب عرقية في الولايات المتحدة ، بينما هنا هي حرب سياسية وطائفية".

ويضيف لفرانس برس "لكن الشيء المشترك بيننا هو الظلم".

وللعراق تاريخه الخاص في العنصرية، وخصوصا ضد أبناء أقلية من أصول إفريقية في جنوب البلاد تعود بجذورها إلى عرق البانتو في شرق إفريقيا.

ففي العام 2013، قتل القيادي العراقي من أصول إفريقية جلال ذياب بالرصاص في مدينة البصرة الغنية بالنفط، لكن التمييز ضد هذه الأقلية غير عنيف في الغالب.

يقول أحد أبناء هذه الأقلية علي عصام (34 عاما)، الذي أخرج مسرحية شعبية حول احتجاجات العراق العام الماضي إن "عنصريتنا مختلفة عن عنصرية الولايات المتحدة".

ويضيف "هنا يطلقون النكات والمزاح عن السود، ولكن في الولايات المتحدة إذا كنت أسود فالبعض يعتبرك تهديدا".

امتد التضامن إلى وسائل التواصل الاجتماعي أيضا، مع قيام العراقيين بتعديل هتافاتهم وشعاراتهم الاحتجاجية لتتناسب مع الولايات المتحدة.

ففي أحد مقاطع الفيديو، يظهر عراقي مسن وهو ينشد "هوسة" أي هتاف إيقاعي موزون يشتهر به العراقيون في الأفراح والأتراح وكان أساسيا في الاحتجاجات، ليحاكي الهبة الأميركية قائلا "هذا وعد هذا وعد تكساس ما تسكت بعد" وممازحا "كنتاكي ما نأكل بعد".

وينصح هذا المسن الأميركيين بالحفاظ على عفوية واستقلالية احتجاجاتهم ومنع أي تدخل أجنبي "من السفارات العربية فيها"، على غرار تحذيرات الحكومة الأميركية للعراقيين العام الماضي.

واستخدم ناشطون آخرون هاشتاغ "أميركا تنتفض"، في نسخة عن الشعار الشعبي المستخدم في احتجاجات العراق ولبنان.

وترجم البعض الكلمات الأخيرة لفلويد وحولوها إلى هاشتاغ "نحن أيضا نريد أن نتنفس".


"يذكرنا ببغداد"

رغم ذلك، لم تكن كل المقاربات باعثة على الارتياح.

فقد قال حاكم مينيسوتا، حيث تقع مينيابوليس، إن عنف الشوارع "يذكرنا بمقديشو أو بغداد".

والقوات التي نشرها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لفترة وجيزة لتهدئة الاضطرابات في واشنطن العاصمة، كانت من الوحدة 82 التي عادت لتوها من عملها في العراق.

وقال مرشح الحزب الديموقراطي ونائب الرئيس الأميركي السابق جو بايدن إن "ترامب يستخدم الجيش الأميركي ضد الشعب الأميركي".

لكن العراقيين ردوا على ذلك بقوة عبر وسائل التواصل الاجتماعي قائلين "توقفوا عن ربط بغداد بالاضطرابات".

وقد اتجه آخرون إلى السخرية.

وتعليقا على مقاطع فيديو لحشود اقتحمت متاجر في مدن أميركية، سارع العراقيون إلى اقتباس قول غير محبب من وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد في العام 2003، ردا على سؤال صحافي حول عمليات نهب واسعة النطاق والفوضى في بغداد بعد الغزو الأميركي.

حينها كان جواب رامسفيلد إن "الفوضى والنهب هما نتيجة طبيعية للانتقال من الديكتاتورية إلى دولة حرة".