الواردات النفطية ملف شائك بين الحكومة المركزية في العراق وحكومة إقليم كردستان
الواردات النفطية ملف شائك بين الحكومة المركزية في العراق وحكومة إقليم كردستان

 

ملف الموارد النفطية، الذي يعتبر من أبرز الملفات الشائكة بين الحكومة المركزية في العراق وحكومة إقليم كردستان، بدأ يطفو على السطح مرة أخرى بعد مطالبة الأمانة العامة لمجلس الوزراء العراقي وزارة المالية، بوقف صرف أي مستحقات مالية لكردستان، واسترجاع الأموال التي صُرفت في الفترة الماضية؛ بسبب عدم تسديد الإقليم الواردات المالية المستحقة من بيعه النفط المستخرج من أراضيه خلال الفترة الماضية.

وجاء في رسالة رسمية وجهتها الأمانة العامة لمجلس الوزراء إلى وزارة المالية، أن إقليم كردستان "كان يتوجب عليه تسديد قيمة مبيعات ما لا يقل عن مئتين وخمسين ألف برميل من النفط يوميا لشركة النفط الوطنية العراقية (سومو)"، حسب ما نصت عليه الموازنة الاتحادية لعام 2019، وهو ما لم يتحقق حسب تأكيد الشركة الوطنية، التي كانت أعلنت في وقت سابق أنها لم تتسلم أي أموال من إقليم كردستان مقابل بيعه النفط المستخرج من الإقليم منذ عام 2019 وحتى الآن.
 
عضو اللجنة المالية النيابية أحمد الحاج رشيد، أوضح لبرنامج العراق الليلة على راديو سوا، أن الخلاف بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم "يتعلق بعدم إرسال رواتب الشهر الرابع للسنة المالية 2019 لموظفي الإقليم".
 
وعلى إثر ذلك، اجتمع وفد حكومة إقليم كردستان، برئاسة نائب رئيس وزراء الإقليم، قوباد طالباني، الأربعاء، مع السفير الأميركي في العراق ماثيو تولر،  ومن ثم عقد اجتماعاً مع وزير النفط العراقي.
 
وقال نائب رئيس حكومة الإقليم، في بيان، إن اجتماعه بماثيو تولر، تمحور حول مواجهة تهديدات فيروس كورونا، والمسائل العالقة بين حكومتي إقليم كردستان والحكومة الاتحادية، وتشكيل الحكومة العراقية الجديدة.

 وأضاف البيان أن الطرفين شددا على ضرورة حل المسائل العالقة بين حكومة الإقليم، والحكومة الاتحادية.
  
وقال النائب عن كتلة الاتحاد الوطني، شيروان ميرزا، إن الوفد الكردي اجتمع مع وزير النفط العراقي ثامر الغضبان، وبحث معه آلية تسليم النفط، المقرر إرساله من إقليم كردستان إلى بغداد.
  
كما اجتمع الوفد الوفد الكردي برئاسة قوباد طالباني، مع رئيس البرلمان محمد الحلبوسي، والتيار الصدري وكتلة الحكمة، لبحث الملفات العالقة بين أربيل وبغداد.
 
في سياق متصل التقى رئيس الجمهورية برهم صالح، الثلاثاء، برئيس اللجنة المالية في مجلس النواب هيثم الجبوري، وأكد أن "تسوية المطالبات المالية استحقاق مطلوب حسب الدستور و قانون الموازنة، لكن يجب أن لا يمنع ذلك الالتزام بتأمين رواتب الموظفين في الإقليم أسوة ببقية أنحاء العراق كونها حقاً دستورياً ويجب حمايتها من المتغيرات السياسية".
 
وأشار النائب أحمد الجربا إلى أن الإقليم لم يفِ بالتزاماته النفطية تجاه الحكومة المركزية، مضيفا أن الخطوة تأتي للضغط على حكومة الإقليم لتسليم واردات مئتين وخمسين ألف برميل شهريا للمركز.
 
أما عضو اللجنة المالية النيابية أحمد الحاج رشيد، فأكد أن انخفاض واردات العراق بسبب الأزمة الاقتصادية الناجمة عن انخفاض أسعار النفط عالميا، ، في ظل الأزمة السياسية الراهنة، أدى إلى قطع رواتب الإقليم.
  
عضو اللجنة المالية النيابية شيروان ميرزا، أبدى استغرابه من تلويح الحكومة المركزية بقطع رواتب الموظفين في الإقليم، معتبرا إياها حقا لكل مواطن عراقي، ولا علاقة لها بأي خلافات.

واعتبر ميرزا أن  الحكومة المركزية وحكومة الإقليم مسؤولتان أمام المواطن في عدم التوصل إلى اتفاق، مطالبا بأخذ مصلحة المواطن أولا.
 
القيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني سعدي بيره، أكد أن رواتب الموظفين تعود إلى ميزانية عام 2019، وأرجع سبب التخبط الحاصل إلى تأخر تشكيل الحكومة.
 
وقال النائب أحمد الجربا لبرنامج العراق الليلة، إن "البرلمان سيقف بالضد من أي قرار يشمل قطع رواتب الموظفين في الإقليم"، متوقعا عدم ذهاب الحكومة الاتحادية في نهاية المطاف، إلى قطع الرواتب.
 

أكراد إيران

على مدى عقود، وجدت الجماعات الكردية الإيرانية المعارضة لطهران ملاذا في تضاريس إقليم كردستان الوعرة، وتناثرت في مخيمات، بعيدة نسبيا عن متناول النظام الإيراني، لكنها لم تكن يوما خارج دائرة اهتماماتها. 

بنى هؤلاء المقاتلون وعائلاتهم حياة جديدة، في ظل تسامح حكومات عراقية متعاقبة، وتحت أنظار القوى الدولية. لكن هذا التوازن الهش بات اليوم مهددا من جديد.

في 24 أبريل، أصدرت مستشارية الأمن القومي العراقية، التابعة لمجلس الوزراء، قرارا يحظر جميع أنشطة الأحزاب والجماعات الإيرانية المعارضة الموجودة على الأراضي العراقية. 

الوثيقة، التي وقعها مستشار الأمن القومي، قاسم الأعرجي، وجهت القوات الأمنية والعسكرية وهيئة المنافذ الحدودية وحكومة إقليم كردستان باتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ القرار، بما يشمل إغلاق مقار الجماعات الإيرانية المعارضة، ومنع أي نشاط سياسي أو إعلامي أو عسكري لها على الأراضي العراقية. والأهم من ذلك، حظرت استخدام الأراضي العراقية كمنصة للتحريض أو شن هجمات ضد إيران.

يستهدف القرار الفصائل الكردية الإيرانية الرئيسية التي يعود وجودها في إقليم كردستان إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين فرت من قمع نظام آية الله روح الله الخميني بعد ثورته عام 1979. وقد أُنشئت مقارها ومخيماتها، بموافقة نظام صدام حسين آنذاك، في مناطق مثل بازيان، وقسلان، وبمو، وزركويز، وسلسلة جبال قنديل.

ورغم طرد منظمة مجاهدي خلق الإيرانية من العراق في عام 2016، استمرت الفصائل الكردية الإيرانية في نشاطها في إقليم كردستان، مع أنها كانت قد تخلّت عن العمليات العسكرية انطلاقا من الأراضي العراقية، وركزت على العمل السياسي والإعلامي. إلا أن ذلك لم يمنع طهران من مهاجمتها مرارا.

في عام 2023، وقّع العراق وإيران اتفاقا أمنيا يقضي بنزع سلاح الجماعات الكردية الإيرانية، وإغلاق قواعدها الحدودية، ونقلها إلى مخيمات خاضعة لإشراف الحكومة العراقية داخل الإقليم. وقد تم تنفيذ بعض بنود الاتفاق، لكن دون أن يشمل القرار حظرا شاملا على تلك الجماعات. 

قرار بغداد الجديد، في المقابل، يذهب إلى ما هو أبعد من الاتفاق السابق.

تواصلت قناة "الحرة" مع مستشارية الأمن القومي العراقية للاستفسار حول آليات تنفيذ القرار، لكنها لم تتلق أي رد.

ويرى قادة المعارضة الكردية أن الحظر الجديد يمثل انتهاكا للاتفاقات السابقة والتفاهمات الدولية. 

ويصف خليل نادري، المتحدث باسم حزب حرية كردستان الإيراني، القرار بأنه "حرب نفسية" تشنها طهران.

وضيف قوله "لن يكون لهذا القرار أثر كبير، لأن تنفيذه يعني إلغاء الاتفاق الأمني لعام 2023، وهو أمر لا يصب في مصلحة العراق ولا إيران".

وحذّر نادري من أن استمرار الضغوط قد يدفع الأحزاب إلى إعادة النظر في التزاماتها. وأضاف: "لقد أوقفنا نشاطنا العسكري منذ سنوات، احتراما لقوانين الإقليم وحماية له من الهجمات الإيرانية. النظام الإيراني يسعى لخلق توتر بيننا وبين الإقليم، لكنه سيفشل".

يوجد حاليا نحو 10 أحزاب كردية إيرانية معارضة تنشط في إقليم كردستان، من بينها الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (حدكا)، وأجنحة حزب كومله الثلاثة، وحزب حرية كردستان (PAK)، وحزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK)، وفصائل أخرى. وتتمتع العديد من هذه الأحزاب بدعم شعبي واسع داخل كردستان الإيرانية.

وأكد أمجد حسين بناهي، القيادي في حزب كومله لكادحي كردستان - إيران، أن قوات الأسايش في محافظة السليمانية أبلغت أجنحة الحزب الثلاثة بوجوب إخلاء مقارها في مناطق زركويز وبانه كوره وزركويزله، والانتقال إلى منطقة سرداش، تنفيذا للاتفاق الأمني.

وقال بناهي لـ"الحرة": "لقد التزمنا بقرارات حكومة الإقليم، ولم نقم بأي خطوة تُعرّض المنطقة للخطر. لكن لدينا شرط أساسي: توفير مساكن مناسبة لعائلاتنا في المناطق الجديدة التي سنُنقل إليها".

ورغم تأكيده على أن الحظر سيؤثر على نشاط الأحزاب الكردية المعارضة في كردستان العراق، أشار بناهي إلى أن قوة هذه الأحزاب الحقيقية تكمن في وجودها داخل إيران، وفي قاعدتها الشعبية الواسعة.

ويرى بناهي أن توقيت إصدار الحظر يعكس ضعف النظام الإيراني. وأوضح أنه "كلما واجه النظام أزمة داخلية، سارع إلى استهداف المعارضة الكردية، لإيهام الشعب بأنه لا يزال قويا ومتماسكا. لذلك نرى أن تصعيده ضدنا هو دليل على أنه يعيش أزمة داخلية وخارجية مزدوجة".

يؤكد خبراء أن الاتفاق الأمني لعام 2023 لم ينصّ على حظر تام لتلك الجماعات، بل اقتصر على تحجيم نشاطها العسكري، وهو ما كانت الأحزاب قد التزمت به فعليا في السنوات الأخيرة.

ويقول الخبير الأمني العراقي، علاء النشوع، إن القرار يعكس التوترات المتزايدة في المنطقة، خاصة في ظل سياسة "الضغط الأقصى" التي تنتهجها الولايات المتحدة تجاه طهران. ويضيف أن النظام الإيراني يدرك أن عدم التزامه بالشروط الأميركية قد يدفع واشنطن لاستخدام ورقة المعارضة الكردية للضغط عليه. ولذلك طلب من العراق سرا اتخاذ هذا القرار.

ويشدّد النشو على أن قرار بغداد يبعث برسالة مزدوجة، إلى إقليم كردستان من جهة، وإلى المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة من جهة أخرى، مفادها أن العراق لا يمكن أن ينفصل عن الرؤية الاستراتيجية لإيران في منطقة تعيش وضعا أمنيا وعسكريا معقدا.

تتّهم طهران الجماعات الكردية بتنفيذ عمليات مسلحة وتنظيم احتجاجات في مدن كردية داخل إيران، أبرزها احتجاجات سبتمبر 2022، التي اندلعت إثر مقتل الشابة الكردية الإيرانية مهسا أميني على يد شرطة الأخلاق، بزعم مخالفتها قوانين الحجاب.

بالتزامن مع تلك الاحتجاجات، شن الحرس الثوري الإيراني هجوما واسعا على مخيمات اللاجئين الإيرانيين شمالي العراق، مستخدما صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، ما أسفر عن مقتل 17 شخصا على الأقل، وإصابة أكثر من 50، بحسب مصادر صحية محلية.

وبحلول نهاية عام 2024، قدّرت مصادر غير رسمية عدد اللاجئين الكرد الإيرانيين في إقليم كردستان العراق بنحو 35 ألف لاجئ، معظمهم من النساء والأطفال.

ولم تقتصر الحملة الإيرانية على القصف الصاروخي؛ فقد شملت أيضا عمليات توغل بري واغتيالات، بالإضافة إلى قصف مدفعي طال قرى ومزارع، وتسبب في تدمير واسع للغابات والبنية الزراعية، ونزوح مئات المدنيين في الإقليم.

واليوم، ومع صدور قرار الحظر من بغداد، تجد المعارضة الكردية الإيرانية نفسها أمام فصل جديد غامض محاصرة بين نظام يسعى لإسكاتها، وحكومة عراقية عالقة وسط حسابات الجغرافيا والسياسة الإقليمية.