دبابات ومدرعات إيرانية سيطر عليها الجيش العراقي - أكتوبر 1980
دبابات ومدرعات إيرانية سيطر عليها الجيش العراقي - أكتوبر 1980

أسفرت الحرب العراقية-الإيرانية خلال القرن الماضي، عن خسائر فادحة، حيث قتل فيها مليون شخص، فضلا عن خسائر مالية وصلت إلى 350 مليار دولار.

ورغم عدم وجود نية عند الطرفين لتدمير الآخر، فإن غزو صدام حسين قد فشل تماما، بحسب تقرير مجلة "ناشيونال إنترست" الأميركية.

وقد استيقظ العالم في 22 سبتمبر 1980، على أخبار هجوم عسكري أطلقه صدام على إيران، بعدما شك في ضعف الجارة الشرقية، أعقاب الثورة الإسلامية في فبراير 1979.

ورغم أن صدام كان واثقا في تحقيق نصر سريع لاستعادة الأراضي المتنازع عليها (ممر شط العرب المائي)، يستطيع من خلاله تزعم العرب، فإن النتائج كانت مغايرة.

وتعتبر العداوة الإيرانية-العراقية الممثلة في طرفيها الخميني وصدام حسين، صفحة أخرى في تاريخ العداوة بين الجارتين، الذي يعود إلى زمن سحيق، بداية من إمبراطوريات ما بين النهرين القديمة، وصولا إلى ستينيات القرن الماضي، وحتى الحرب الإيرانية-العراقية في ثمانينيات القرن الماضي.

واستطاع صدام حسين تحقيق انتصارات متتالية إلى أن سيطر على مدينة خرمشهر في 10 نوفمبر 1980، حيث كانت هذه النقطة التي بدأ يفقد فيها الجيش العراقي مبادرته الهجومية.

وحاول الجيش العراقي السيطرة بعدها على مدينة عبدان إلا أن حامية إيرانية مكونة من 10 آلاف مقاتل، وخمسة آلاف عنصر مليشياوي، و50 دبابة، استطاعت منع الجيش العراقي من السيطرة عليها.

وتميزت الستة شهور الأولى من عام 1981 بالجمود على جبهات القتال، ولكن في يونيو مني الجيش الإيراني بخسائر فادحة جراء هجوم أطلقه الرئيس أبو الحسن بني صدر، والذي أدى إلى استقالته في نهاية المطاف.

لكن بحلول سبتمبر 1981، بدأ الإيرانيون في إحراز تقدم من خلال فك الحصار على مدينة عبدان، على يد قوة مكونة من الحرس الثوري والقوات النظامية التقليدية، حيث أجبروا العراقيين على الانسحاب إلى نهر قارون.

وبعد شهرين من هذا التاريخ، قاد الإيرانيون هجوما آخر مضاد في شمال غرب منطقة الأحواز، وفي مارس 1982، هزم الإيرانيون العراقيين في منطقة دزفول وشوش.

بعدها أطلق الإيرانيون هجوما واسعا لاستعادة خرمشهر، حيث استطاعوا تحريرها من أيدي القوات العراقية بحلول نهاية مايو.

المرحلة الثالثة
وباستعادة إيران لخرمشهر، تكون المرحلة الثانية من الحرب قد انتهت، بخسائر فادحة في الأرواح، منذرة بالمرحلة الثالثة (من يونيو 1982 إلى مارس 1984)، وهي الهجوم الإيراني على الأراضي العراقية والذي بدأ بمحاولة احتلال البصرة دون نتائج تذكر.

وفي 6 مارس من العام 1984، اندلع فصل جديد في الحرب الإيرانية-العراقية تمثل في حرب الناقلات، حيث استهدف الطرفين ناقلات البترول والسفن المارة في المياه الإقليمية للبلدين والبلدان المجاورة.

وفي مارس 1985، حاولت إيران مرة أخرى السيطرة على البصرة من خلال عملية بدر التي شارك فيها نحو 55 ألف عنصر من الحرس الثوري، ورغم تحقيق بعض الانتصارات، خسر الإيرانيون معظم الأراضي التي سيطروا عليها.

حاول الإيرانيون مرة أخرى السيطرة على مدن عراقية مرة في فبراير 1986، من خلال هجوم واسع اعتمد على 200 ألف جندي إيراني، إلا أنه تم احتواؤه.

لكن استطاعت إيران السيطرة على شبه جزيرة الفاو بفضل التكتيكات البرمائية الإيرانية، بعد أن أخطأ العراقيون في تقدير الموقف، و تباطؤوا في الاستجابة للهجوم.

أطلق العراقيون في نفس العام هجوما مضادا واسعا، وذلك لمنع أي هجوم إيراني محتمل على العاصمة بغداد، وبالفعل سيطر العراقيون على مدينة مهران الإيرانية، إلا أن الإيرانيين أطلقوا هجوما لمحاولة استعادتها استخدموا فيه الغاز السام.

وفي 23 ديسمبر، أطلقت إيران هجوما جديدا على شط العرب، قوبل بمقاومة عراقية جعلته بلا طائل، وقد خسر العراقيون في هذه المعركة القصيرة نحو 12 ألف جندي.

البصرة مجددا
أطلقت إيران في بداية 1987 هجوما آخر على البصرة، باستخدام قوة مكونة من 60 ألف مجند، كان من بينهم أطفال بعمر الـ 14 و15 عاما، لم يحصلوا على تدريب عسكري.

وتقدم الإيرانيون بالفعل وبدأوا في تحقيق نجاحات على حدود البصرة، إلا أن الجيش الإيراني مني بخسائر فادحة مع مرور الوقت بفضل الطيران العراقي، حيث عانت إيران من خسائر بشرية في هذه المعركة وصلت إلى 40 ألفا بين مصاب وقتيل.

حاولت إيران الضغط مرة أخرى في فبراير بعد خطاب لمرشد الثورة روح الله الخميني، قال فيه إن الحرب مع العراق مقدسة، متعهدا بالنصر، إلا أن محاولات السيطرة على البصرة باءت بالفشل.

وبحلول عام 1988، كان الطرفان يعانيان خاصة إيران، بعد تعرضها لخسائر عسكرية كبيرة، وإفلاس البلاد، ما دفع الخميني إلى قبول محادثات وقف إطلاق النار، وفي 8 أغسطس كانت الحرب قد وضعت أوزارها بالفعل.

وقد عانى الطرفان في نهاية الحرب من خسائر فادحة، خاصة الطرف الإيراني الذي عانى خسائر بمقدار 3 إلى 6 مرات مقارنة بالعراق، حيث تخطت الخسارة البشرية الإيرانية المليون قتيل فضلا عن 2 مليون إيراني دون مأوى.

على الجانب الآخر، أصبحت مدينة البصرة مهجورة بالفعل، فيما أصبح عدد كبير من العراقيين دون مأوى أيضا.

وخلص تقرير "ناشيونال إنترست" إلى أن الجانبين لم يستطيعان تحقيق أكثر أهداف الحرب تواضعا، فالحدود لم تتغير، والجيشان انتهى بهم الحال بعد الحرب دون تغيير باستثناء الخسائر التي تعرضوا لها، فضلا عن أن الطرفين قد أنفقا نحو 350 مليار دولار  في حرب لا طائل منها.

في عام 2020، أعربت وكالات الأمم المتحدة في العراق عن قلقها إزاء العدد المتزايد لحالات العنف الأسري
في عام 2020، أعربت وكالات الأمم المتحدة في العراق عن قلقها إزاء العدد المتزايد لحالات العنف الأسري

لا تزال الأرقام المتعلقة بظاهرة العنف الأسري في العراق في تصاعد على الرغم من الإجراءات الحكومية الرامية للحد من تنامي هذه "المشكلة خطيرة" وفقا لناشطات في مجال حقوق المرأة.

وكشف تقرير رسمي صادر عن وزارة الداخلية العراقية هذا الأسبوع أن "إحصائية دعاوى العنف الأسري المسجلة من يناير إلى مايو 2024 بلغت 13857 دعوى، غالبيتها عنف بدني". 

وقال المتحدث باسم الوزارة، العميد مقداد ميري، خلال مؤتمر صحافي، الأربعاء، إن ثلاثة أرباع المتعرضين للعنف الأسري كن من الإناث.

وبين ميري أن "مديرية حماية الأسرة والطفل لديها دراسة أجرتها لمدة 5 أعوام عن العنف الأسري بدأت منذ عام 2019 ولغاية 2023".

وقال ميري إن الدراسة "أشارت إلى وجود ارتفاع بظاهرة العنف في المجتمع، وهو ناتج عن تغيرات اقتصادية وثقافية واجتماعية وفهم خاطئ للدين وتفشي البطالة وانفتاح غير متقن على مواقع التواصل الاجتماعي الذي شجع على ازدياد العلاقات غير الشرعية خارج منظومة الزواج، مما أدى إلى زيادة حالات الخيانة الزوجية، فضلا عن زيادة حالات تعاطي الكحول والمخدرات بشكل كبير".

ويعد العنف الأسري ظاهرة عالمية لكنه ما يزال يسبب مشاكل كبيرة في في العراق. 

في عام 2012 توصلت دراسة لوزارة التخطيط أن 36 بالمئة على الأقل من النساء المتزوجات أبلغن بالتعرض لشكل من أشكال الأذى النفسي من الأزواج، وأبلغت 23 بالمئة بالتعرض لإساءات لفظية، وأبلغت 6 بالمئة بالتعرض للعنف البدني، و9 بالمئة للعنف الجنسي. 

وفي حين لا تتوفر دراسات وطنية أحدث، تستمر منظمات حقوق المرأة في الكشف عن معدلات عالية للعنف الأسري.

وترى منسقة شبكة النساء العراقيات أمل كباشي أن الأرقام المعلنة مؤخرا من قبل وزارة الداخلية لاتمثل الواقع الحقيقي على الأرض.

تقول كباشي لموقع "الحرة" إن "الذي جرى هو ارتفاع حالات الإبلاغ عن العنف الأسري بسبب وجود دائرة الحماية من العنف الأسري والإجراءات الحكومية الأخرى التي تعمل على الحد من حالات العنف".

وتضيف كباشي أن هذا الأمر "ساهم في تعزيز وصول الضحايا لتسجيل شكاواهم" مشيرة إلى أنه "بشكل عام فإن العنف موجود ومستمر في المجتمع، وأن الأرقام المعلنة من قبل وزارة الداخلية هي أقل بكثير مما موجود فعليا على الأرض".

خلال العام 2021 أحصت وحدة حماية الأسرة في وزارة الداخلية، التي خصصت خطا ساخنا لتلقي الشكاوى، 17 ألف دعوى اعتداء زوج على زوجة.

وأظهر إحصاء لوزارة التخطيط العراقية في العام ذاته ارتفاعا بنسبة زواج القاصرات خلال عشر سنوات. فقد تزوجت "25,5 في المئة من النساء قبل بلوغهن 18 سنة و10,5 في المئة قبل بلوغهن 15 سنة"، بينما بلغت النسبتان في عام 2011 على التوالي 21,7 في المئة و4,9 في المئة".

تعدد كباشي الكثير من الأسباب التي تقف خلف ارتفاع ظاهرة العنف الأسري في العراق ومنها: تجذر العنف في المجتمع، والقوانين التي تبيح للزوج أو الأب حق "تأديب زوجته وأطفاله"، ومستوى العنف في الشارع الذي ينعكس على الأسرة، والبطالة والفقر، وانتشار المخدرات.

وتقول كباشي إن العراق بحاجة اليوم إلى "إجراءات أكثر صرامة للحد من العنف، وأهم خطوة في هذا المجال هي تشريع قانون ينظم ذلك".

وتلفت إلى أن "معظم الحكومات العراقية المتعاقبة أشارت لهذه الظاهرة وأصدرت استراتيجيات للحد من العنف داخل الأسرة والمجتمع، لكن هذه السياسات تبقى منقوصة بغياب القوانين المنظمة لها".

تم طرح مشروع قانون بشأن العنف الأسري، ومناقشته في مجلس النواب العراقي في عامي 2019 و2020، لكنه توقف منذ ذلك الحين. 

وقبل ذلك جرت مناقشة داخل مجلس النواب في عام 2015 لمسودة قانون يتعلق بالعنف الأسري، لكن مصيره كان مشابها.

وفي عام 2020، أعربت وكالات الأمم المتحدة في العراق عن قلقها إزاء العدد المتزايد لحالات العنف الأسري خلال وباء فيروس كوفيد-19.  

تتضمن نسخة 2019 من مسودة قانون مناهضة العنف الأسري أحكاما بشأن الخدمات المقدمة إلى ضحايا العنف الأسري، وقرارات لحماية (أوامر تقييد)، وعقوبات على خرقها، وإنشاء لجنة مشتركة بين الوزارات لمكافحة العنف الأسري. 

كذلك يتطلب مشروع القانون إنشاء ملاجئ حكومية لإيواء المعنفات بالتنسيق مع منظمات حقوق المرأة المحلية. وغالبا ما يتم إيواء ضحايا العنف الأسري مؤقتا في سجون النساء.

ويطبق قانون العقوبات العائد للعام 1969 على قضايا تعنيف النساء أو يتم التعامل معها في معظم الأحيان على أنها جنح عادية. ويُسقط هذا القانون العقاب عن المغتصب إذا تزوج من ضحيته، وهذه من أبرز المواد التي تطالب الجمعيات النسوية بإلغائها. 

كذلك تتسامح العديد من بنود قانون العقوبات العراقي مع العنف الأسري، ومنها مواد تسمح للزوج بتأديب زوجته وللآباء بتأديب الأطفال.

أما من يرتكبون أعمال عنف أو جرائم قتل تتصل بـ "الشرف" قد تُخفف أحكامهم إذ ينص قانون العقوبات على تخفيف الأحكام في أعمال العنف التي تشمل القتل لما يُدعى "بواعث شريفة" أو إذا فاجأ الرجل زوجته أو إحدى قريباته في حالة تلبس بالزنا، أو في علاقة جنسية خارج نطاق الزواج.

تصف عضوة لجنة المرأة والأسرة والطفولة البرلمانية فيان صبري ظاهرة العنف الأسري بـ"المقلقة" وتعرب عن أسفها لفشل الدورات البرلمانية المتعاقبة على سن القوانين الرادعة.

تقول صبري لموقع "الحرة": "إننا ومنذ عدة دورات نحاول كنواب تشريع القانون، لكننا لم نتوفق لعرضه على المجلس بسبب وجود خلافات بشأنه".

وتضيف صبري أن "هناك تصورا لدى المعترضين من أن قانون العنف الأسري يحمي المرأة فقط، لكنه في الحقيقة يتحدث عن الأسرة، بما في ذلك  الأب والأم والأطفال".

وتلفت إلى أن "المعترضين يعتقدون كذلك أن القانون يمهد لمنح المرأة الحرية المطلقة ومساواتها مع الرجل والخروج عن الأعراف والتقاليد، وهذا غير صحيح".

ولا تبدو صبري متفائلة كثيرة في احتمال تشريع القانون قريبا في مجلس النواب العراق "لم يعرض القانون في البرلمان أو يناقش على الأقل ولا توجد أي خطوات حقيقية لتشريعه".

في تقريرها الصادر عن العراق في عام 2023 اتهمت منظمة العفو الدولية البرلمان بالتقاعس عن تجريم العنف الأُسري وتوفير حماية كافية للنساء والفتيات من العنف القائم على أساس النوع الاجتماعي. 

وقال التقرير إنه في أبريل من ذلك العام قضت محكمة في بغداد بسجن والد المدونة الشابة طيبة علي ستة أشهر بتهمة قتلها في 1 فبراير، وهو ما أدى إلى مظاهرات في بغداد احتجاجا على الحكم المتساهل.

وتقول المنظمة إن السلطات العراقية لم تتخذ أي خطوات لتعديل بنود قانون العقوبات العراقي التي تسمح للزوج بمعاقبة زوجته، وللآباء بتأديب أطفالهم باستخدام العقاب الجسدي، وتقضي بأحكام مخففة عقابا على جرائم "القتل بدافع الشرف". كما يسمح قانون العقوبات لمرتكبي جرائم الاغتصاب بتفادي المقاضاة عن طريق الزواج من ضحاياهم.

وكانت وزارة الداخلية قد أعلنت أن طيبة علي (22 عاما) قتلت على يد والدها ليلة 31 يناير في محافظة الديوانية في جنوب العراق، رغم قيام الشرطة بمحاولات وساطة لحل "خلاف عائلي"، وتسليم والدها نفسه للشرطة بعد ارتكاب الجريمة.