An Iraqi girl carrying a bag walks amidst piles of rubbish in a landfill in Diwaniyah, around 160 kilometres (100 miles) south…
العراق يعاني من مشاكل اقتصادية كبيرة

في مقال اعتبره الكثير سوداويا، وواقعيا أيضا، اشتكى رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي قبل أيام من حجم التحديات الاقتصادية التي تواجهها حكومته، و"الخزينة شبه الفارغة"، التي تسلمها من الحكومة السابقة.

الكاظمي بدا مدركا للعقبات التي تواجه حكومته، خاصة في ظل انهيار أسعار النفط والمصاعب الاقتصادية التي سببتها إجراءات مواجهة فيروس كورونا في العراق والعالم.

يقول مستشار رئيس الوزراء للشؤون المالية مظهر محمد صالح إن "هنالك اعتمادية شبه مطلقة على إيرادات النفط في موازنات سنوية تزداد سقوفها والتزاماتها الثابتة سنوياً دون أدنى قدر من التحوط لتقلبات أو مخاطر السوق النفطية وأسعار النفط".

ويحذر صالح من أن "جائحة كورونا  أضافت بعدا سالبا كبيرا في نمو الناتج المحلي الإجمالي للعام 2020 الذي يكاد يلامس سالب 9٪؜ وهو الاخطر لأنه يؤدي الى تفاقم مشكلتي البطالة والفقر في وقت واحد".

 

موازنة منهكة

 

في كل عام، يقوم العراق بإضافة المزيد من العبء على الموازنة من خلال إضافة آلاف الموظفين إلى "جيش" من مستلمي الرواتب من الدولة، وأغلب هؤلاء الموظفين يقومون بأعمال يومية لساعات قليلة فقط.

وبحسب الإحصاءات، فإن معدل مدد العمل الفعلي للموظفين العراقيين هو أقل من ساعة واحدة، فيما يفترض أن يكون سبع إلى ثمان ساعات في اليوم الواحد.

وتجاوز عدد الموظفين العراقيين أربعة ملايين ونصف المليون موظف، مما يرفع سقف الموازنة التشغيلية للدولة إلى أضعاف موازنتها الاستثمارية أو تلك المخصصة للتنمية والبنى التحتية، ويضاف إليهم أعداد من المتقاعدين ومستلمي رواتب الرعاية الاجتماعية.

يقول المستشار صالح لموقع "الحرة" إن "هناك انفلاتا في النفقات التشغيلية وتبذيرا دون تحصيل أية مردودات مقابلة للموازنة، إذ ظلت الإيرادات غير النفطية من ضرائب ورسوم لا تشكل حتى اليوم سوى أقل من 10٪؜ من إجمالي الإيرادات الفعلية للموازنات السنوية".

ويريد صالح "إنشاء صندوق استقرار الموازنة لكي يؤازر الموازنة ونفقاتها والتزاماتها الثابتة لسنة مالية كاملة في حال غياب النفط وتدهور أسعاره".

لكن القطاع الاستثماري في العراق متعثر بشدة، بحسب صالح الذي يقول إن "العراق يستثمر أكثر من 12 مليار دولار سنويا في قطاع الكهرباء، لكن ضائعات الكهرباء بقيت تساوي 60 بالمئة من إنتاج الطاقة كما إن عوائد التحصيل لا تتعدى 500 مليون دولار".

ويقوم العراق، المصدر للنفط، باستيراد مشتقات نفطية بأكثر من 3-4 مليارات دولار سنويا، بسبب عدم استغلال نحو 50 بالمئة من طاقة مصافيه، بحسب صالح الذي يقول إن هناك أيضا "مبلغا مماثلا من استيراد غاز من خارج العراق لتشغيل محطات الكهرباء أو استيراد كهرباء مقابل حرق الغاز المصاحب".

ويستورد العراق الغاز والكهرباء من إيران، في ظل استثناء أميركي لبغداد من العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران.

ويقول صالح إنه "لا مناص من سياسة إصلاحية قوية تستهدف الهدر والفساد وتتعاطى مع الواقع لإعادة رسم مستقبل البلاد الاقتصادي وتخليصه من مأزق الانحدار الاقتصادي والمالي في آن واحد".

 

الإصلاح "مجرد خيال"

 

لكن هذا قد يكون صعبا، خاصة وأن "الحكومات السابقة لم تعمل على بناء نظام استثماري قوي يدعم الاقتصاد العراق لسنوات قادمة"، بحسب الخبير الاقتصادي العراقي منار العبيدي.

ويقول العبيدي لموقع "الحرة" إن كل الكلام عن إمكانية رفع الواردات غير النفطية مجرد خيال لا يمكن تحقيقه بين ليلة وضحاها فالسيطرة على المنافذ (الحدودية) تتطلب الكثير من الجهد والوقت وتفعيل نظام الضرائب يحتاج الى تطوير الأنظمة العاملة فلا اتوقع امكانية رفع الواردات من هذين الجزئين خلال هذه السنة".

ووفقا للعبيدي فإن الأمل الوحيد أمام العراق هو ارتفاع سعر برميل النفط ليتجاوز 45 دولارا للبرميل لتتمكن الحكومة من "السير بأقل المصروفات".

وواجه العراق خلال السنوات الماضية زيادة كبيرة بالمصروفات الحكومية من خلال زيادة الموظفين وزيادة سلم الرواتب بشكل غير مدروس، كما أن "عدم وجود نظام رقابي صارم ساهم في استهلاك جزء كبير من عائدات العراق في قضايا الفساد"، وأيضا فإن "الحرب على الإرهاب استهلكت جزءا كبيرا من الأموال"، كما يقول العبيدي.

وفيما يقول مستشار رئيس الوزراء إن الكاظمي بدأ ببرنامجه الأصلاحي باعتماد مسارين، الأول هو إعادة دراسة النفقات وهيكلة المصروفات الحكومية والثاني هو تعظيم الموارد كلما كان ذلك ممكنا وتنشيط دور القطاع الخاص في الاستثمار والإنتاج دون "قيود بيروقراطية ظلت فاسدة في الغالب".

فإن الخبير العبيدي توقع مستقبلا أكثر قتامة في حال استمرت أسعار النفط بالهبوط، أو في حالة عدم ارتفاعها إلى المستويات الآمنة، متوقعا أن تقوم الحكومة بـ"إيقاف رواتب الجهات ذات التمويل الذاتي وإيقاف دعم تلك الجهات، وتقليل الحوافز الإضافية لبعض الدوائر الحكومية وخصوصا لوزارتي الداخلية والدفاع لأنهما تمثلان الكتلة الأكبر من الموظفين"، مؤكدا أن الحكومة ستحاول "بيع سندات سيادية بفوائد عالية من أجل الحصول على النقد اللازم لتمويل الرواتب".

كشف تقرير لصحيفة تليغراف أن طهران بدأت تفقد نفوذها تدريجيا في العراق
كشف تقرير لصحيفة تليغراف أن طهران بدأت تفقد نفوذها تدريجيا في العراق

عندما قتل قاسم سليماني في غارة أميركية بطائرة بدون طيار خلال زيارة لبغداد في مطلع يناير الماضي، تعهدت إيران "بالانتقام الشديد" من الولايات المتحدة عبر ميليشياتها في العراق، كما طالبت الكتلة الموالية لإيران في البرلمان العراقي بسحب 5000 جندي أميركي وقوات التحالف في العراق للمساعدة في محاربة داعش.

بعد ما يقرب من ستة أشهر، لا تزال القوات الأجنبية متمركزة في أنحاء العراق ويبدو أنها ستبقى لبعض الوقت، وبصرف النظر عن الهجوم الصاروخي على قاعدة للتحالف في مارس الماضي، والذي أسفر عن مقتل جندي بريطاني وآخر أميركيين، فإن الميليشيات المدعومة من إيران لم تنفذ تهديداتها بالثأر لمقتل سليماني، وفقاً لصحيفة تلغراف الإنكليزية.

علاوة على ذلك، عين العراق رئيس الوزراء الأكثر تأييدًا للغرب منذ سنوات، مصطفى الكاظمي، ليحل محل عادل عبد المهدي الذي استقال في نوفمبر الماضي في أعقاب احتجاجات ضخمة مناهضة للحكومة.

وعلى مدى السنوات الأربع الماضية، كان الكاظمي يدير جهاز المخابرات العراقي، حيث عمل بشكل وثيق مع التحالف في القتال ضد داعش، وقد أمضى سنوات في بريطانيا كصحفي وناشط في مجال حقوق الإنسان، بعد أن فر من العراق أثناء حكم صدام حسين.

 

فشل قاآني

 

وقال سركوت شمس الدين، النائب الكردي الذي عمل ذات مرة كصحفي مع الكاظمي إنه "ليبرالي وغير طائفي، إنه لا يريد أن يتسبب في مشاكل مع إيران، فهو فقط مؤيد للعراق. ويدرك أيضًا أنه لا يمكننا البقاء على قيد الحياة الآن بدون دعم أميركي".

ومن المتوقع أن تلوح أزمة في منتصف يونيو الجاري عندما تعقد واشنطن وبغداد حوارا استراتيجيا لتحديد علاقتهما المستقبلة، ويتوقع المراقبون أن تضغط أميركا والتحالف لبقاء القوات في العراق لضمان عدم عودة داعش.

وصرح مسؤول غربي للصحيفة: "هناك مجال للاتفاق على وجود بقاء القوات ولكن ربما بقوات أقل لمواجهة داعش في المستقبل".

وأكد أن تعيين الكاظمي يعكس حقيقة أن قائد الجيش الإيراني إسماعيل قاآني، فشل في أن يحل محل سليماني وتأثيره في العراق.

فقد زار قاآني بغداد في أواخر مارس الماضي، في محاولة للتأثير على اختيار رئيس الوزراء الجديد، ولكن كونه لا يتحدث العربية يفتقر إلى كاريزما سليماني وعلاقاته الشخصية، وكان استقباله فاترا ورفض بعض كبار القادة الشيعة مقابلته.

وقال المسؤول الغربي: "سليماني كان له تأثير هائل على سياسيين عراقيين مختلفين وقاآني كافح لملء هذا الفراغ، لم يكن له نفس التأثير، وتشكيل الحكومة الجديدة أكبر مثال على ذلك".

وبالنظر إلى قوة الكتلة الموالية لإيران في الحكومة العراقية، كان الكاظمي خياراً مفاجئا، ويعتقد شمس الدين أن تعيينه لطمة قوية للنفوذ الإيراني في العراق.

وأضاف شمس الدين، الذي تلقى تهديدات بالقتل من الميليشيات لرفضه التصويت لصالح انسحاب القوات: "كان الضغط من الشارع هائلاً - إنه معادٍ لإيران حتى لو لم يكن مؤيدًا للولايات المتحدة بشكل واضح، إيران تجد أنه ليس لديها العديد من الأصدقاء المخلصين حقا في العراق".


الخضوع لسيطرة الحكومة

 

وأشارت الصحيفة الإنكليزية إلى أن الكاظمي الذي يعتبر خبيراً في مجال الإعلام، قد ترك بصمته بالفعل، فقد كان من بين أول قراراته إطلاق سراح مئات الأشخاص الذين اعتقلوا خلال الاحتجاجات.

كما وعد بإجراء تحقيق أكثر صرامة في الهجمات بالأسلحة النارية التي شنت على بعض الاحتجاجات العام الماضي، والتي قتل فيها حوالي 600 شخص، وألقيت اللوم على نطاق واسع على الميليشيات الموالية لإيران وقوات الأمن العراقية، لكن تحقيق رئيس الوزراء السابق خلص فقط إلى أنهم "مسلحون مجهولون".

بدوره، قال أيمن سلمان، وهو متظاهر من بغداد: يبقى أن نرى ما إذا كان قادرا على الوفاء بهذه الوعود، حتى الآن، لم يتم إطلاق سراح المتظاهرين.

وألمحت الصحيفة إلى أن اختيار بعض العناصر الأكثر اعتدالًا في الحشد الشعبي المدعومة من إيران والتي تم تعبئتها عام 2014 للمساعدة في محاربة داعش، دليل آخر على فقد طهران لنفوذها في العراق.

 

استقلال بغداد

 

ومن المرجح أن تعتمد واشنطن على الكاظمي بشدة للقيام بالمزيد من الإجراءات، لتأكيد استقلال بغداد عن طهران.

وصرح روبرت تولاست من مؤسسة "تحليل الشرق الأوسط "( NAMEA): "تريد الولايات المتحدة تأكيدات بأن الجماعات المدعومة من إيران قد فقدت مكانتها، هذا سيعني التعاون مع الولايات المتحدة لفرض عقوبات موجهة ضد المصالح المالية الإيرانية في العراق، ويمكن أن يمتد الأمر إلى التعاون الأمني ضد وكلاء إيران العراقيين".

ومقابل ذلك إذا واجه الكاظمي اعتراضا من الكتلة الموالية لإيران، فيمكن لواشنطن سحب دعمها المالي الذي تبلغ قيمته مليارات الدولارات للحكومة العراقية، التي تواجه حاليًا الانهيار المالي بسبب انهيار أسعار النفط العالمية بسبب فيروس كورونا.

ويرى تولاست أن الكاظمي الذي أمضى معظم وقته في بريطانيا، ليس لديه قاعدة قوية في العراق، مما يعني أنه يمكن الإطاحة به بسهولة، مشيراً إلى أن إيران ما زالت "راسخة" في العراق. وأضاف "لا يمكننا أن نتوقع فائزاً مطلقاً في المنافسة الأميركية الإيرانية في العراق".