نهر الزاب يغذي مئات السواقي التي يعتمد عليها الفلاحون بسقي مزروعاتهم وحيواناتهم، وهو الآن مهدد بشكل كبير
نهر الزاب يغذي مئات السواقي التي يعتمد عليها الفلاحون بسقي مزروعاتهم وحيواناتهم، وهو الآن مهدد بشكل كبير

يعتمد طارق، 33 عاما، على مياه نهر الزاب في العراق بشكل شبه كامل لري مزروعاته وسقي مواشيه، لكنه يكتفي الآن بتأمل الساقية الجافة التي تخترق أرضه، ومزروعاته التي تصفّر من العطش.

حال طارق يشبه ظروف كثيرين من مزارعي كركوك وديالى وأربيل، بعد قرار إيران قطع مياه النهر الذي يعتمدون عليه.

وأعلنت وزارة الموارد المائية العراقية أن إيران قطعت بشكل كامل للمياه في نهري سيروان والزاب الأسفل "مما أثر بشكل واضح على كافة القرى والمزارعين الواقعين على حوض النهرين وسيؤثر حتما على الخزين المتواضع في سدي دوكان ودربندخان".

وقال بيان للوزارة إن "الجارة إيران قامت بتحويل جزء من مياه نهر الزاب إلى بحيرة أورومية، وكذلك تحويل جزء من مياه نهر سيروان عن طريق نفق موسود إلى مشاريع إروائية في مناطق كرمنشاه وسربيل زهاب ضمن حوض نهر الكرخة".

هناك ترك أبناء عم طارق أرضهم لتتحول إلى صحراء جافة، بعد أن كانت مغطاة ببساتين النخيل والبرتقال بسبب نقص المياه المستمر منذ سنوات، ويعمل بعضهم الآن في مجال النظافة في بعقوبة مقابل نحو 8 دولارات في اليوم.

لكن مزرعة طارق كانت أقرب إلى النهر ما مكنها من النجاة، حتى قررت إيران قطع واردات المياه القادمة من مدينة سربل زهاب الحدودية، والتي يعتمد عليها في الري.

يقول طارق لموقع "الحرة" إن "أبقاره الثلاث وأغنامه مهددة بالعطش والجوع بعد قطع مياه النهر، كما أنها مهددة بالمرض بسبب ملوحة مياه الآبار التي يحاول من خلالها التعويض عن نقص المياه".

واتهم عضو لجنة الزراعة في البرلمان العراقي وزير الزراعة السابق، فلاح الزيدان، إيران بممارسة الضغط على الحكومة العراقية من خلال "قطع واردات نهر الزاب بالكامل"، وتعريض "عشرات ألوف المواطنين العراقيين للخطر".

وقال الزيدان، في حديث لموقع "الحرة"، إن "إيران تقوم في كل صيف بخزن الروافد التي تغذي نهر الزاب بالمياه في سدود تم إنشاؤها منذ سنوات وهذا خرق لكل الاتفاقات الثنائية والدولية لحقوق المياه لدول المنبع والمصب".

وبحسب الزيدان "في هذه السنة تم قطع الواردات بالكامل مستخدمينها كورقة ضغط سياسي"، مضيفا "أعتقد أنهم يريدون الضغط على الحكومة في موضوع العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية".

وحذرت وزارة الموارد المائية من أن هذه "المخالفة الصريحة للقوانين الدولية" تلحق الضرر بالمزارعين، وستتضرر جراءها مناطق حوض ديالى وحوض الزاب الأسفل وكركوك وحتى جنوب العراق وشريحة واسعة من المواطنين في إقليم كردستان ومحافظتي كركوك وديالى وكافة الواقعين على حوض الزاب الأسفل.

وقال "أبو مؤيد" وهو أحد وجهاء خانقين، لموقع "الحرة" إن "المزارعين قد ينزحون من مناطقهم نتيجة الجفاف المتوقع وموت المحاصيل"، مضيفا أن "ديالى تعاني أساسا من مشكلة نزوح كبيرة بسبب داعش، كما إن التنظيم لا يزال ينشط بشكل كبير في هذه المناطق، وسبب مشكلة اقتصادية وأمنية واجتماعية مستمرة منذ نحو 10 سنوات".

وقال المتحدث باسم وزارة الموارد المائية، عوني ذياب إن الوزارة طلبت من إيران إعادة الواردات المائية إلى ما كانت عليه، معربا في حديث لوكالة الأنباء العراقية الرسمية "عن أمله في أن تتحرك الخارجية العراقية بهذا الاتجاه".

ولم يتحدث ذياب عن رد من طرف إيران على طلبه.

وأوضح: "حتى الآن لا توجد حصص متفق عليها، إلا أنه هناك واردا طبيعيا للنهر مسجلا ضمن المعدلات التي تصل سنويا، ويجب عدم المساس به".

وتعمد إيران، منذ 3 سنوات على الأقل، إلى خفض تدفق مياه الأنهر المتجهة إلى العراق أو قطعها بالكامل خلال فصل الصيف، وهو ما يتسبب بضرر للمحاصيل الزراعية ونقص في المياه الخام لمحطات التصفية.

وأثار قطع المياه استياء الكثير من العراقيين الذين انتقدوا تصرفات إيران، وربطوها بزيارة الكاظمي للولايات المتحدة التي حصلت بالتزامن مع القطع.

وقال محللون وصحفيون تحدثوا لموقع "الحرة" إن "تزامن قطع المياه مع زيارة الكاظمي وإعلان الولايات المتحدة العودة لفرض عقوبات مشددة على إيران هو أمر غريب".

وقال الصحفي، سلام رضوان، لموقع "الحرة" إن إيران "بدت وكأنها توحي بأنها تعاقب العراق لأنها لا تستطيع مواجهة الولايات المتحدة بشكل مباشر".

وحذر  نائب رئيس لجنة الزراعة والمياه في مجلس النواب العراقي، منصور البعيجي، من أن "دول الجوار تشن حرب مياه على بلدنا من خلال قطع حصة العراق المائية بشكل كبير، وهذا الأمر يضر بشكل غير طبيعي وغير مسبوق بأراضينا ومزارعينا بصورة كبيرة جدا".

وأضاف، أن "ما يحصل من استقطاع لحصة العراق المائية أمر خطير جدا، وسيضر بالزراعة بشكل، وسيؤدي إلى كارثة".

وليست إيران وحدها من يقطع المياه عن الأراضي العراقية، إذ أن تركيا قللت الواردات المائية القادمة للعراق بمعدل 50 بالمئة، بحسب وزارة الموارد المائية العراقية.

وقال وزير الموارد المائية العراقي، مهدي الحمداني، لوكالة أسوشيتد برس، منتصف يوليو الماضي إن "متوسط قياسات التدفق من الحدود مع تركيا في شمال العراق كان أقل بنسبة 50 بالمائة هذا العام، كما شهد هذا العام أيضا تراجعا في هطول الأمطار السنوي بنسبة 50 بالمائة مقارنة بالعام الماضي".

وتقدر الوزارة إن العراق سيواجه نقصا بحوالي 10.5 مليار متر مكعب من المياه بحلول 2035، بسبب تداعيات تغير المناخ فضلا عن مشروعات كهرومائية مستقبلية في تركيا.

وتسبب البدء في تشغيل سد أليسو التركي، منتصف مايو الماضي، بتقليل التدفق في نهر دجلة بحوالي النصف.

صدام

"صدام حسين يعمل ممثلاً مسرحياً في العاصمة البريطانية لندن". هذا ليس عنوان خبر ملفق لجذب النقرات، وليس خبراً افتراضياً معداً بتقنية الذكاء الاصطناعي. الشخص الذي نتحدث عنه، المدعو صدّام حسين، لا يجد ما يربطه أصلاً بالرئيس العراقي الأسبق، سوى الاسم.

حمل هذا الممثل اسمه، ليس من باب الصدفة، بل لأن والده كان معجباً بالرئيس العراقي الراحل صدام حسين.

القصة كانت لتبدو شبه طبيعية لو أن صدّام حسين، الممثل، كان عراقياً أو حتى عربياً، لكن الأغرب في الحكاية أنه هندي الولادة والمنشأ، وانتقل إلى إنكلترا ليكمل دراسته ويعمل في المهنة التي اختارها: التمثيل.

قال صدّام لمنصة "ارفع صوتك" التابع لـ"الحرة" إن اسمه طالما شكّل له إرباكاً، وأوقعه في مواقف محرجة "آلاف المرات"، بدءاً من المدرسة حيث كان يتحول إلى مادة لسخرية زملائه.

كما كان الاسم، ولا يزال، كثيرا ما يعرقل معاملاته الرسمية، في التحويلات المالية وإصدار جوازات السفر، ويضعه في مواقف صعبة ويخضعه لأسئلة غريبة أثناء التدقيق في المطارات.

بعض المواقع الإلكترونية كانت ترفض أن يستخدم صدام حسين اسمه لدى إدخال بيانته، وتعتبر أنه ينتحل صفة أو يسوّق لشخصية مرتبطة بالإرهاب. يضيف صدّام "خلال تجارب الأداء على المسرح غالباً ما كنت أرى على وجوه الناس ضحكات مكتومة لدى معرفتهم باسمي".

لكن الاسم كانت له حسنة يتيمة تتمثل في دفع الممثل الهندي إلى متابعة ما يحدث في الشرق الأوسط، بسبب أثر صاحب الاسم الذي يحمله على تاريخ الشرق الأوسط وحاضره، وربما أيضاً مستقبله.

لا يعيش "صدام حسين" الهندي وحده هذه المعاناة التي سببها له الاسم. فمئات العراقيين والعرب وجدوا أنفسهم بعد سقوط نظام صدام حسين في العراق، مع اسم اختاره لهم آباؤهم، ويحيل في معظم الأحيان إلى صاحبه الأصلي، الذي ارتبط اسمه ارتباطاً وثيقاً بالديكتاتورية والاستبداد، وبجرائم ضد الإنسانية.

ومؤخراً، انتشر فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي لضابط في الجيش العراقي يدعى صدام، وهو يشتكي لوزير الدفاع العراقي ثابت العباس من عدم ترقيته في العمل منذ 8 سنوات بسبب اسمه.

وفي فيديو آخر، نشرته وسائل إعلام عراقية ناشد مواطن يدعى صدام حسين عبد المجيد من محافظة نينوى رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، لمساعدته بعد أن تعرض للتهميش كما يقول، ولم يثبّت في عمله مع هيئة "الحشد الشعبي" بسبب اسمه.

واعتبر أن اسمه "قد يكون نقمة على حياته"، مؤكداً أنه لن يغيره إذا طُلب منه ذلك، بل طالب رئيس الوزراء والجهات المعنية بإيجاد حل له أو "على الأقل أن يحصل على راتب الرعاية الاجتماعية".

من المفارقات أن سمياً هندياً آخر لصدام حسين، غير صدام الممثل، كتبت عنه "بي بي سي" عام 2017 وكان يشكو هو الآخر أنه "لم يجد وظيفة بسبب اسمه"، وقد اضطر إلى تغييره رسمياً إلى "ساجد".

صدّام مراسلاً تلفزيونياً

ولد صدام حسين، وهو مراسل تلفزيوني كان يظهر في تقارير متلفزة عبر قناة لبنانية محلية، عام 1987 في ذروة حرب الخليج الأولى المعروفة عراقيا بـ"قادسية صدام".

في ذلك الوقت، كما روى صدام لـ"ارفع صوتك"، كانت هناك "حماسة لصدام حسين في الشارع السوري رغم التمايز بين حزبي البعث في سوريا والعراق"، وكان والده "متحمساً لصدام كقائد عروبي والكنية لديه حسين، فكان تركيب الاسم مثالياً".

وأضاف صدّام أن الاسم "بدا مسلياً في طفولته، خصوصاً أنه كان يفرح لسماعه في نشرات الأخبار".

هكذا وبعد ثلاثة عقود ونيف من ولادته، وبعد عقدين على سقوط حزب البعث العراقي، صار صدّام حسين مراسلاً تلفزيونياً، وكان قد سبق له أن وقّع باسم صدام حسين مقالاته في إحدى الصحف اللبنانية وأذاع تقارير على أثير إذاعة لبنانية محلية.

قبل ذلك، وبعد بداياته الإعلامية في إذاعة سورية، كان يعدّ التقارير ويسجلها بصوته ويختمها باسمه، "ما أثار حالة من الاستغراب لدى المستمعين، وخلق حالة من الفضول والرغبة في معرفة من هو هذا الشخص الذي يحمل اسم صدام حسين، وهل هو حقيقي أم اسم مستعار، لكنهم اعتادوا الاسم لاحقاً"، بحسب قوله.

ويعتقد صدام حسين السوري، الذي يشتغل اليوم في قناة "روسيا اليوم"،  أن الإسقاطات المرتبطة باسمه ستبقى موجودة وأن "الناس ستبقى تربط بينه وصاحب الاسم الأصلي". وأضاف: "لا أظن أنها قد تخف مع الزمن لأن صدّام كان قائداً غير عادي مع ما رافق سيرته من ظروف إعدامه واحتلال العراق وشخصيته وشعبيته الكبيرة حتى اليوم في الشارع السوري والعربي عموماً".

حالة الاستغراب من الاسم دائماً موجودة، كما يقول صدام الإعلامي، عندما يعرّف عن نفسه لشخص لا يعرفه، أو عندما يتقدم بمعاملات في الدوائر الرسمية، أو في المطارات وعلى الحدود.

لكنه لم يواجه تعقيدات كما حدث مع الممثل الهندي. والطريف في حالة صدّام السوري، كما يقول: "معظم أصدقائي المقربين جداً ولأسباب مختلفة يُعادون صدام حسين سياسياً، لكن ذلك لم يؤثر على صداقتنا أبداً".

صدّام "أبو عراق"

صدّام حسين ثالث التقاه "ارفع صوتك"، يُعدّ وجبات سريعة ومأكولات عراقية في مطعم يملكه في قضاء بعقوبة التابع لمحافظة ديالى.

يروي حكايته مع الاسم: "زوجة عمي وأمي وضعتا مولودين في اليوم نفسه عام 1975. كان صدام حسين حينذاك نائباً لرئيس الجمهورية، والرئيس كان أحمد حسن البكر. عمي اسمه حسن وأبي اسمه حسين. حينما وُلد ابن عمي سمّاه والده أحمد ليصير أحمد حسن على اسم رئيس الجمهورية، بينما سمّاني والدي صدّام ليصير اسمي صدّام حسين تيمناً باسم نائب الرئيس".

يقول صاحب المطعم إن "والده وعمه كانا مثل كثير من العراقيين يحبان النظام الذي كان يحكم في ذلك الوقت، لذا فإن التسمية جاءت عفوية". وبالفعل شهد العراق في فترات الثمانينيات والتسعينيات مئات التسميات بصدام حسين أو أحد أبنائه، إما حباً بالرئيس أو خوفاً منه أو مجاملةً له ولنظامه..

ولا يزال كثير من العراقيين يحملون هذا الاسم، بينهم شخصان ترشحّا في انتخابات مجالس المحافظات التي شهدها العراق خلال ديسمبر الماضي. كما عمد كثيرون من أصحاب هذا الاسم إلى تغييره؛ تفادياً للمشكلات الناتجة عنه.

لم يعان صدام العراقي من المواقف المحرجة المرتبطة باسمه، لكنه يتذكر حادثة وقعت بعد سقوط النظام عام 2003 ودخول الجيش الأميركي إلى العراق. حينها، كان صدام هذا يدخل إلى بغداد من جهة الكاظمية، فأوقفه حاجز "سيطرة" وطلب أحد العناصر الأمنية بطاقة هويته، فصاح العنصر حينما قرأ اسمه للضابط المسؤول "سيدي هذا اسمه صدام حسين"، لكن الضابط أجاب "نحن لا نحاسب الناس على أسمائهم بل على أفعالهم".

يقول بائع المأكولات العراقي إن كثيرين نصحوه بتغيير اسمه حتى لا يحمل أعباءه، لكنه لم يجد داعياً من ذلك، وهو يتعايش مع الاسم اليوم دون مشاكل.

سمّى صدّام ابنه البكر عراق، ويفضّل أن ينادى عليه بـ"أبو عراق"، وهو لقب حمله قبل أن ينجب ابنه واستمر معه، كما أنه الاسم المحبب له والأقرب إلى قلبه، كما يقول.

صدام الممثل الهندي، بات معتاداً على اسمه "بعض الشيء"، مع أن "الناس ينصحونني دائماً بتغيير الاسم، إلا أنني لن أغيره"، يقول.

وما يجب أن يتغير، برأيه "طريقة تعامل المجتمع مع ما توحي بعض الأسماء التي لا يتحمل حاملوها مسؤولية معانيها أو خلفياتها".

أما المراسل التلفزيوني الذي يعيش اليوم في موسكو ويعمل في قناة روسية، فيرى أن "الحياة أقصر من أن يعيشها باسمين، ولا يفكر بتغيير اسمه. لذا سيكمل حياته بالاسم الذي أعطي له لحظة ولادته.. صدام حسين".