بحسب وكالة الأنباء العراقية الحكومية، فإن رئيس الوزراء، مصطفى الكاظمي، أجرى تغييرات في عدد من المناصب الهامة في الدولة، على شكل حزمة تعيينات لشخصيات شغل بعضها مناصب حكومية سابقة.
ولم يفصح المتحدث باسم رئاسة الوزراء العراقية عن الأسماء أو المناصب التي شهدت تغييرات، لكنه قال في مؤتمر صحفي، الاثنين، إن التغييرات ضرورية "لقتل الملل" و"إدامة الزخم" في المؤسسات الحكومية.
وقال المتحدث، أحمد ملا طلال، في المؤتمر إن "المبدأ الذي اتبعه الكاظمي في تكليف تلك الشخصيات هو النزاهة والكفاءة، وليس هناك ما يمنع من وجود شخصيات كفوءة ونزيهة تنتمي إلى أحزاب سياسية"، مضيفا "الجدل بشأن التعيينات أمر طبيعي في النظم الديمقراطية".
لكن الجدل الذي تحدث عنه، ملا طلال، امتد إلى ما هو أكبر "من وجود شخصيات تنتمي إلى أحزاب سياسية"، بحسب قوائم مسربة عن التعيينات حصل عليها موقع "الحرة" من مصادر خاصة، ومن تسريبات نشرت على مواقع التواصل الاجتماعي.
وتشير نسخة مصغرة من قائمة التغييرات إلى تعيين وزير الدفاع الأسبق، خالد العبيدي، في منصب "وكيل العمليات" في جهاز المخابرات، والقيادي في الحشد الشعبي، ونائب رئيس ديوان الوقف الشيعي السابق، سامي المسعودي، رئيسا لهيئة الحج والعمرة، وحسن الشمري، وزير العدل الأسبق والقيادي في حزب الفضيلة لمنصب رئيس هيئة الأوراق المالية.
كما شملت شخصيات غير معروفة بشكل واسع مثل مصطفى، غالب الكتاب، لرئاسة البنك المركزي العراقي، وسهى النجار، مستشارة الكاظمي لشؤون الاستثمار، لرئاسة الهيئة الوطنية للاستثمار، ومنهل الحبوبي، لأمانة بغداد، وسالم الجلبي، لرئاسة المصرف العراقي للتجارة، والقاضي علاء جواد، لرئاسة هيئة النزاهة، وفالح العيساويد، وكيلا لرئيس جهاز الأمن الوطني.
وتخلو قائمة أخرى، مطولة، حصل عليها موقع "الحرة" من مصدر حكومي من اسم حسن الشمري، وزير العدل الذي أراد يوما تمرير قانون يسمح بزواج الفتيات بعمر 8 أعوام، فيما عرف بمسودة قانون الأحوال الشخصية الجعفري، ووضعت القائمة بدلا عنه فيصل الهيمص، الرئيس الحالي للمصرف العراقي للتجارة.
كما تظهر القائمة تعيينات أخرى لمناصب وكلاء وزارات في وزارة الداخلية والنقل والرعاية الاجتماعية والشباب والرياضة.
وقال المصدر الحكومي المطلع، لموقع "الحرة" بأن "جزءا من التعيينات اتفق عليه ضمن صفقة نتجت عن اجتماع الكاظمي بقيادات الكتل الشيعية عقب عودته من الولايات المتحدة.
وبحسب المصدر فإن الاتفاق جاء لحسم خلافات الكتل بشأن مجموعة من المناصب، وتوزيعها عليها بطريقة "وازنت بين المعادلات الطائفية والمحاصصة، وبين معايير الكفاءة"، مع أن المتحدث باسم الكاظمي قال إن "التعيينات كانت عن قناعة من الكاظمي وبدون ضغوط".
لكن الصحفي العراقي، مصطفى ناصر، يقول إن "الكاظمي يعيد الكرة ويعيد إنتاج النظام بتسميات مختلفة"، مضيفا "صحيح أنه ليس طليق اليد في تعيين الشخصيات في المناصب والمراكز الحساسة، ولكن كان من الممكن أن يقوم مصطفى الكاظمي بتعيين شخصيات مستقلة أو شخصيات تؤمن بها ساحات الاحتجاج او يؤمن بها الشارع العراقي بشكل عام".
وتؤكد الترشيحات أن "الكاظمي غير قادر على مواجهة الكتل السياسية والأحزاب المتسلطة في ترشيح الشخصيات التي تحاول الاستحواذ على المناصب وتحويلها إلى دكاكين" بحسب مصطفى الذي يقول إن في هذا "استمرار مسلسل الهدر والفساد المالي الذي يعلن رئيس الوزراء بين الفينة والأخرى سعيه لمكافحته".
وينتمي عدد من الأسماء في القائمة، أو سبق لهم الانتماء، إلى أحزاب رئيسة مثل سامي المسعودي، وكريم النوري، كما أن آخرين يعتقد بأنهم قريبون من أحزاب شيعية أخرى مثل علاء جواد، رئيس هيئة النزاهة الجديد بحسب التسريبات، المقرب من تحالف رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، ومنهل الحبوبي، أمين بغداد، الذي يقال بأنه مقرب من تيار عمار الحكيم.
وتبرأ تحالف الفتح، الذي ينتمي له المسعودي، من تعيينه بهذا المنصب مؤكدا في بيان وقعه رئيسه، هادي العامري، أن "لا علم له بها"، مضيفا إذا كان "رئيس الوزراء الحالي يريد أن يجامل الفتح بهذا التعيين فالأخ الشيخ المسعودي أكبر من هذا الأمر".
وقال رئيس تحرير صحيفة العالم الجديد المستقلة، منتظر ناصر، إن التعيينات الجديدة تمثل تكريسا "لطريقة التحاصص والفساد"، وهذا ما يشكل خيبة أمل بالنسبة للناشطين والمتظاهرين والأغلبية التي كانت تأمل بتحقيق تغيير ولو جزئي في طريقة الحكم.
الكاظمي الذي وصل إلى منصبه عن طريق "ثورة ضد الفساد" لم يحقق هذا الأمل، بحسب ناصر الذي أضاف أن "هذا لا يعني أن كل من تم تعيينهم هم ليسوا أكفاء أو نزيهين".
وفاز المهندس منهل الحبوبي، الذي تقول التسريبات إنه سيصبح أمينا لبغداد، بمسابقة أقيمت في عهد رئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي، لاختيار تصميم لمبنى جديد لمجلس الوزراء العراقي، متفوقا على تصميم المعمارية البارزة، زها حديد، الذي شارك في المسابقة أيضا.
ويعترض ناصر على "الطريقة" التي تم بها التعيين مؤكدا أن التعيينات هي جزء من مطالب أملتها الكتل على الكاظمي كشرط لاختياره لرئاسة الوزراء.
"سمعنا بهذه الصفقة قبل إعلان التعيينات، والآن بعد الإعلان عنها يبدو أن التسريبات كانت صحيحة".
ويتفق الصحفي والمراقب، أحمد حسين، مع رأي ناصر، معتبرا أن التعيينات الجديدة تنسجم مع نتائج الانتخابات الأخيرة، وهي دليل واضح على أنها لا تعدو "إعادة توزيع للمناصب لترسيخ مفهوم المحاصصة والهيمنة الحزبية على المفاصل الحيوية في جسد الدولة".
ويقول حسين أن وجود بعض الأسماء "المحترمة والكفوءة" في القائمة لا يدفع للتفاؤل لأنها ستكون خاضعة "لإرادة الأطراف التي دعمتها للوصول إلى المنصب".
واتهم وزير الدفاع الأسبق، خالد العبيدي، بتهم تتعلق بقضايا فساد وإهمال حينما كان على رأس الوزارة، كما أنه كان وزيرا للدفاع حينما بدأت العمليات ضد تنظيم داعش، واتهم بالإهمال الذي أدى إلى "خسائر كبيرة" في صفوف القوات العراقية.
وجاءت التعيينات الجديدة بعد أقل من 24 ساعة على بيان مرجعية النجف التي حضت الكاظمي على اتخاذ خطوات جادة لمكافحة الفساد، وهو ما يراه الصحفي أحمد السهيل "لافتا".
ويقول السهيل أن الإعلان عن التعيينات يعطي " انطباعا واضحا أن الكاظمي ماض بتدعيم التسوية – التي تسربت بعض تفاصيلها في الفترة الماضية- بينه وبين أطراف البيت الشيعي".