جهاز مكافحة الإرهاب بدأ عملية لتحرير ناشط عراقي لكنها لم تصل إلى هدفها بعد
جهاز مكافحة الإرهاب بدأ عملية لتحرير ناشط عراقي لكنها لم تصل إلى هدفها بعد

بطلعات جوية وبرية، ومستعينا بقوات للرد السريع ولواء العمليات الخاصة، توجه جهاز مكافحة الإرهاب في العراق، الاثنين الماضي، إلى محافظة ذي قار الجنوبية، لتحرير الناشط المختطف سجاد العراقي، وتقديم المختطفين للمحاكمة، لكنه لم ينجح بإعادة الضحية، بل عاد بتحد جديد يواجه حكومة مصطفى الكاظمي. مواجهة العشائر المسلحة.

غموض شاب العملية الأمنية التي لم تحقق مرادها حتى الآن، وتمثل في اقتحام جهاز مكافحة الإرهاب منزل شيخ عشيرة "العساكرة" كاظم آل شبرم في مدينة الناصرية (عاصمة ذي قار)، دون توضيح أسباب الاقتحام وما إذا كان شيخ العشيرة متهما بخطف سجاد.

يقول الصحفي مصطفى سعدون لموقع الحرة: "تفاصيل الأزمة مبهمة، الحكومة لم توضح لماذا داهمت منزل شيخ العشيرة، وهل هو متهم بخطف سجاد أم لا".

وبعد يومين من الواقعة، ظهر نجل شيخ العشيرة يروي ما حدث، مستنكرا طريقة مداهمة المنزل. لكن الأمر لم يتوقف عند ذلك، بل تحولت عملية المداهمة إلى "صراع" بين الدولة والعشيرة، الأمر الذي يقول مراقبون إنه يمهد لتعزيز سيطرة العشائر المسلحة إلى جانب الميليشيات على محافظات الجنوب العراقي.

ويقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكوفة العراقية، إياد العنبر، لموقع "الحرة" إنه رغم التسليم بسيطرة الميليشيات على الجنوب  "لكن المشكلة الآن أصبحت تتمثل في التحدي الواضح والصريح للدولة وإجراءاتها الأمنية".

وأضاف العنبر: "يبدو أن هذه الأزمة تؤكد على أن السلاح المنفلت موجود بيد جماعات لا تؤمن بالدولة، وتريد تحديها في أي مناسبة".

لكن الأكاديمي والباحث العراقي في العلاقات الدولية، رائد العزاوي، يقول لموقع "الحرة" إن الخلاف بين "العساكرة" وجهاز مكافحة الإرهاب مفتعل، مضيفا أن "بعض الأحزاب السياسية ومن يواليها استغلت ما حدث في الناصرية".

واتهم الغزاوي ميليشيات منظمة بدر، المؤيدة لإيران، قائلا إنها "دفعت العشائر للصدام مع قوات مكافحة الإرهاب التي تريد بسط النظام والبحث عن أحد الشباب الناشطين في الحراك الذي قيل إنه متواجد في هذه المنطقة".

وفي هذا الإطار، قال سعدون إن عشائر الناصرية لم تعترض على تدخل جهاز مكافحة الإرهاب، لكن سياسيين أججوا الوضع، فيما حاول شيوخ العشائر المقربين من سياسيين تصعيد الأزمة.

"تحد خطير"

ويقول العنبر إن ما حدث في الناصرية يمثل "تحديا خطيرا جدا يضاف إلى التحديات التي تواجه الدولة، وهذه المرة من بعض عشائر الجنوب".

وأضاف "هناك جهات سياسية لها مصلحة في خلط الأوراق وتصوير أن جهاز مكافحة الإرهاب يواجه العشائر في الجنوب، حتى يتم الترويج للأزمة على أنها استهداف للعشائر".

وفي حديثه لموقع "الحرة"، سلط الغزاوي الضوء على النظام العشائري في العراق، بقوله: "العشائر لا توافق على الدخول إلى مناطقها بدون استئذان، وهذه العقلية القديمة جدا كانت أحد أسباب ثورة العشرين ضد الإنجليز في العراق ... العشيرة لا تسمح بالدخول لمناطق حدودها الوهمية غير الحقيقية للبحث عن نشطاء أو خارجين عن القانون".

وتابع "العشائر جزء من الدولة العراقية ومقدراتها، لكن إيران وحلفاءها دعموا عددا كبيرا منها، فأصبح سلاحها موازيا لسلاح الدولة، وبعضها يملك أسلحة متوسطة وثقيلة في مدن مثل البصرة والناصرية والعمارة والسماوة والكوت ... قوة عسكرية كبيرة جدا، تهدف لتقويض دور الدولة العراقية، إلى جانب ميليشيات الحشد الشعبي".

وأشار الغزاوي إلى لقاء وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، في يناير 2019، عددا من شيوخ العشائر، مما أثار موجة انتقادات شديدة في الأوساط العراقية.

وفي نفس السياق، أشارت مصادر لموقع "الحرة" إلى أن محاولات من شخصيات ووسائل إعلام تابعة لإيران ساهمت في تأجيج عشائر ذي قار، بدفع وتواصل من رجل إيران المفضل، زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، والذي كان في زيارة مؤخرا إلى طهران.

استهداف الساعدي

ويتولى جهاز مكافحة الإرهاب، الفريق عبد الوهاب الساعدي، الذي أثار جدلا في العراق بعدما نقله رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي، في أكتوبر الماضي، من قيادة قوات مكافحة الإرهاب لوزارة الدفاع، في قرار مفاجئ.

وبزغ نجم الساعدي (57 عاما) بعدما تمكن من استعادة عدة مناطق من قبضة تنظيم الدولة الإسلامية، خلال فترة وجيزة. وخلال الاحتجاجات الضخمة التي شهدها العراق، العام الماضي، رفع المتظاهرون شعارات مكتوب عليها "ربح الساعدي حب الناس وكراهية السياسيين".

بزغ نجم الساعدي بعدما تمكن من استعادة عدة مناطق من قبضة داعش خلال فترة وجيزة.

يقول الغزاوي إن "هؤلاء السياسيين، الموالين منهم لإيران، يسعون لإضعاف إمكانيات القوة التي يمتلكها رئيس الوزراء الحالي مصطفى الكاظمي" الذي أعاد الساعدي لمنصب قيادة جهاز مكافحة الإرهاب.

وعما إذا كانت الأزمة الأخيرة في الناصرية تستهدف الساعدي تحديدا وجهازه، قال الغزاوي: "الساعدي شخصية وطنية كفؤة وعسكري من طراز رفيع، لم يسرق أموال الشعب ولم تلطخ يده بالدماء، وبالتالي لا تريد الدولة العميقة مثل هذه الشخصيات التي يمكن أن تساهم في وقف التدخل الإيراني بالعراق".

وفي المقابل، استبعد سعدون أن تستهدف أزمة الناصرية الأخيرة الساعدي، لكنه عاد ليقول إن أطرافا سياسية ومسلحة تستهدف جهاز مكافحة الإرهاب لأنه "الجهاز الأكثر استقلالية وقربا للشعب، مقارنة ببقية الأجهزة الأمنية في الشارع العراقي".

"خطأ تكتيكي"

ويتفق العنبر مع سعدون، مستبعدا أن يكون الساعدي هو المستهدف من أزمة الناصرية الأخيرة، "لكن خطأ تكتيكيا تتحمله حكومة الكاظمي؛ لأنها لم تعمل على إدارة أزمة البحث عن الناشط سجاد بطريقة مباغته وسرية، وإنما حشدت لها باستعراضات إعلامية". 

بتوجيه من القائد العام للقوات المُسلحة رئيس مجلس الوزراء مُصطفى الكاظمي قوات من جهاز مُكافحة الإرهاب تتوجه إلى مُحافظة...

Posted by ‎جهاز مكافحة الإرهاب العراقي Icts‎ on Monday, September 21, 2020

وقبيل تحرك الاثنين الماضي، نشر جهاز مكافحة الإرهاب العراقي منشورا على فيسبوك، قال فيه: "بتوجيه من القائد العام للقوات المسلحة رئيس مجلس الوزراء مصطفى الكاظمي، قوات من جهاز مكافحة الإرهاب تتوجه إلى محافظة (ذي قار) لتحرير الناشط المختطف وإنفاذ القانون بالخاطفين وتقديمهم إلى العدالة".

وقوبل منشور جهاز مكافحة الإرهاب الذي كشف مكان توجهه وتحركاته العسكرية المكثفة من أجل تحرير سجاد بسخرية وانتقاد مغردين عراقيين.

ويعلق العنبر، قائلا: "هناك سوء تقدير وخطأ في معالجة الموقف منذ البداية، فمن المفترض أن تكون خطوات وإجراءات حكومة يرأسها رئيس جهاز المخابرات السابق (الكاظمي) مدروسة ومحددة وحاسمة".

وألقى العنبر بفشل عملية الناصرية على عاتق الحكومة، قائلا: "هذا الخطأ تتحمله الحكومة. لاسيما وأنها تدرك جيدا أن عمليات خطف الناشطين رسالة موجهة لها ولإحراجها أمام الرأي العام".

بينما كان للعزاوي رأي آخر، بقوله: "الأجهزة الأمنية لديها معلومات أمنية ملموسة على الأرض بأن هناك من قام بعمليات خطف وقتل، لكن هناك توازن بين العمليات العسكرية وبين محاولات إقناع العشائر بإطلاق سراح المختطفين".

حزب العمال

لن يضع قرار حزب العمال الكردستاني التركي (PKK) حل نفسه نهاية لحرب دامت أكثر من 4 عقود، فحسب، بل نهاية لحقبة شكلت الديناميكيات الأمنية والسياسية في إقليم كردستان ـ العراق، أيضا.

وأعلن حزب العمال الكردستاني في 12 مايو الحالي، عن حل بنيته التنظيمية وإنهاء الكفاح المسلح، والأنشطة التي كانت تجري تحت لواء "PKK"، استجابة لنداء أطلقه زعيم الحزب ومؤسسه المعتقل في تركيا عبدالله أوجلان نهاية فبراير الماضي.

وطالب العمال الكردستاني، في بيان، تركيا بمنح زعيمه أوجلان حق إدارة المرحلة المقبلة، والاعتراف بحقه في العمل السياسي، وتوفير ضمانات قانونية شاملة في هذا الشأن.

وأشار البيان إلى أن الحزب نظم مؤتمره الثاني عشر في ظروف صعبة، مع استمرار الاشتباكات، وتواصل الهجمات البرية والجوية للجيش التركي.

وأضاف أن "المؤتمر أُنجز بنجاح وبشكل آمن، حيث أُجري في منطقتين مختلفتين بشكل متزامن لأسباب أمنية. وشارك فيه ما مجموعه 232 مندوبا. واتخذ خلاله قرارات تاريخية تعبر عن الدخول في مرحلة جديدة لحركتنا من أجل الحرية".

ويشير خبير العلاقات الدولية، حسن أحمد مصطفى، إلى أن قرار حزب العمال الكردستاني بحل نفسه يمكن أن يؤدي إلى انخفاض كبير في الاشتباكات المسلحة في إقليم كردستان، خاصة في منطقة بهدينان ومحافظة أربيل، ويقلل من الغارات الجوية في مناطق قنديل وشاربازير والسليمانية، التي يتمتع فيها العمال الكردستاني بحضور قوي.

ويضيف مصطفى لـ"الحرة" قوله: "أنشأت تركيا بعد عام 2019، قواعد عسكرية دائمة في كردستان العراق، في مناطق من محافظة دهوك وبالقرب من جبل قنديل، لذلك حل حزب العمال الكردستاني قد يخفض من مبررات العمليات العسكرية التركية عبر الحدود".

وبين أن أنقرة أشارت إلى أنها ستراقب امتثال العمال الكردستاني لقرار الحل وإلقاء السلاح عن كثب قبل سحب قواتها من كردستان العراق.

ويلفت مصطفى إلى أن الصراع المسلح بين العمال الكردستاني وتركيا تسبب خلال السنوات الماضية بنزوح آلاف من مواطني كردستان العراق من قراهم وبلداتهم وأصبحت نحو 700 قرية في إقليم كردستان إما خالية تماما من سكانها أو معرضة للخطر.

وعلى الرغم من تأكيده على أن السلام الدائم سيسهل عودة النازحين إلى قراهم ومناطقهم، يلفت مصطفى إلى أن استمرار الوجود العسكري التركي قد يُؤخّر إعادة التوطين الكاملة.

ولعل من تداعيات حل العمال الكردستاني التي يتوقعها مصطفى، هي أن تدعو إيران إلى إنهاء المعارضة المسلحة الكردية الإيرانية بشكل كامل.

وتسعى طهران منذ نحو عامين عبر الاتفاق الأمني الذي ابرمته مع الحكومة العراقية إلى إنهاء المعارضة الكردية الإيرانية الموجودة في إقليم كردستان منذ أكثر من 4 عقود، وقد بدأت السلطات العراقية حسب الاتفاق بإبعاد الأحزاب الكردية المعارضة عن الحدود الإيرانية، ونزعت أسلحتهم.

وأصدرت مستشارية الأمن القومي العراقية، التابعة لمجلس الوزراء، في 24 أبريل الماضي، قرارا يحظر جميع أنشطة الأحزاب والجماعات الإيرانية المعارضة الموجودة على الأراضي العراقية.

ورغم إعلان حل الحزب والتخلي عن السلاح، لم تحدد آلية تنفيذ القرارين بعد، خاصة لجهة كيفية إلقاء السلاح والجهة تتسلمه من مقاتلي حزب العمال.

وأوضح وزير الداخلية في حكومة إقليم كردستان، ريبر أحمد، في مؤتمر صحفي عقده في أربيل مطلع الأسبوع، أنه "مازال من المبكر الحديث عن كيفية إلقاء السلاح وأين سيسلم هذا السلاح ولمن؟ جميعنا نراقب هذه العملية، المهم أن تنتهي العمليات العسكرية والاشتباكات المسلحة في مناطق كردستان، ويتمكن مواطنونا من العودة الى مناطقهم ويحل السلام والاستقرار".

ولا يقتصر وجود العمال الكردستاني في جبل قنديل والسلاسل الجبلية والمناطق الحدودية بين إقليم كردستان وتركيا، بل تتمركز وحدات مقاومة سنجار "اليبشة" التابعة لـ(PKK) في قضاء سنجار غربي الموصل أيضا.

واعتبر سياسيون في إقليم كردستان العراق خلال تصريحات سابقة لـ"الحرة"، هذه الوحدات وفصائل الحشد الشعبي سببا في عدم استقرار الأوضاع في سنجار، وأبرز عائق أمام تنفيذ اتفاقية سنجار التي وقعتها بغداد وأربيل عام 2020 برعاية دولية لتطبيع الأوضاع في تلك المنطقة وإعادة النازحين إليها.

لذلك من المتوقع أن يساهم قرار الحزب بإلقاء السلاح في تطبيق اتفاقية سنجار وعودة الاستقرار إلى المدينة، التي شهدت خلال السنوات الماضية العديد من الغارات الجوية التركية التي استهدفتها بسبب وجود مواقع للعمال الكردستاني فيها. 

ويرى رئيس منظمة كردستان لمراقبة حقوق الإنسان، هوشيار مالو، أن قرار حل حزب العمال الكردستاني بإلقائه السلاح سينهي مبررات الدولة التركية في التدخل في دول المنطقة ومنها العراق وسوريا بحجة وجود مقاتلي وأعضاء العمال الكردستاني.

ويوضح مالو لـ"الحرة"، "بعد قرار الحل، ستنهي تركيا وجودها العسكري في العراق، أو على الأقل ستبدأ مرحلة جديدة من العلاقات مع بغداد وإقليم كردستان، لذلك على السياسيين العراقيين بالدرجة الأساس التهيئة للتفاوض والتفاهم من أجل انسحاب القوات التركية من الأراضي العراقية".

ويعتقد مالو أن جزءا من مقاتلي العمال الكردستاني أو مجاميع أخرى تابعة له قد ينشقون عن الحزب ويرفضون إلقاء السلاح، لكنه يرى أنهم لن يؤثروا على عملية السلام، لأن المرجع الفكري للحزب والمجموعات المرتبطة به قرروا تغيير مصيره.

ولفت إلى أن "قرار الحزب بإلقاء السلاح سيلقي بظلال إيجابية على المنطقة بأسرها".

وبحسب إحصائيات شبه رسمية، أنشأت تركيا خلال السنوات الماضية أكثر من 87 قاعدة عسكرية داخل الأراضي العراقية على طول 200 كيلومتر من الحدود بين البلدين. منها 7 قواعد جديدة، أنشأتها خلال عملياتها العسكرية التي انطلقت في يونيو الماضي ضمن حدود منطقة برواري بالا في محافظة دهوك، بينما بلغ عمق توغلها 15 كيلومتراً، وهو أكثر بسبعة كيلومترات مقارنة بالعملية البرية السابقة التي كانت في عام 2021.

وكشفت إحصائية صادرة عن منظمة فرق صناع السلم المجتمعي (CPT) الأميركية في إقليم كردستان العراق، حصل موقع "الحرة" عليها في مارس الماضي، عن مقتل وإصابة 721 مدنيا في إقليم كردستان منذ يناير 1991، إثر القصف والعمليات العسكرية التركية ضد مقاتلي PKK.

وأشارت المنظمة في بيان، مساء الخميس، إلى أن الجيش التركي ما زال يواصل هجماته داخل أراضي كردستان العراق، رغم إعلان العمال الكردستاني حل نفسه.

وأضافت المنظمة أن "القوات التركية نفذت منذ 12 مايو وحتى الآن، 31 هجوما وقصفا على إقليم كردستان"، وبلغت الهجمات المسلحة ذروتها الخميس، بحسب البيان.