تقترب الذكرى السنوية الأولى لاحتجاجات 2019 الحاشدة في العراق.
تقترب الذكرى السنوية الأولى لاحتجاجات 2019 الحاشدة في العراق.

يخشى عراقيون من أن يكونوا ضحية تصعيد الميليشيات الموالية لإيران، وأن يدفعوا ثمن تلك التصرفات المنفلته، بعد الأنباء عن احتمال إغلاق الولايات المتحدة سفارتها في بغداد، وسحب دبلوماسييها.

ويأتي هذا التخوف بعد الحديث عما سماه الكاتب الأميركي، ديفيد إغناطيوس، بـ"مفاجأة أكتوبر" في العراق، حيث "تغلق الولايات المتحدة سفارتها وتشن ضربات جوية ضد الميليشيات الموالية لإيران".

وقبل أسبوع، أفادت تقارير بأن وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، حذر في اتصال مع الرئيس العراقي، برهم صالح، من إغلاق السفارة، إذا لم تتحرك الحكومة لوقف هجمات الميليشيات على المصالح الأميركية.

وشدد متحدث باسم الخارجية الأميركية، الاثنين، على أن الولايات المتحدة لن تتسامح مع التهديدات "الموجهة لرجالنا ونسائنا الذين يخدمون في الخارج ولن نتردد في اتخاذ أي إجراء نراه ضروريا للحفاظ على سلامة أفرادنا".

ورفض المتحدث، مجددا، التعليق على التقارير، التي تحدثت عن عزم الولايات المتحدة إغلاق سفارتها في بغداد إذا لم تقدم الحكومة العسكرية على ضبط الميليشيات الموالية لإيران، التي تقوم بقصف السفارة الأميركية واستهداف القوات الدولية في العراق.

وقال المتحدث للحرة "لا نعلق أبدا على المحادثات الدبلوماسية الخاصة لوزير الخارجية مع القادة الأجانب".

وأضاف المتحدث "لقد أوضحنا من قبل أن تصرفات الميليشيات الخارجة عن القانون والمدعومة من إيران تظل أكبر رادع للاستقرار في العراق. ومن غير المقبول أن تطلق هذه الجماعات صواريخ على سفارتنا وتهاجم الدبلوماسيين الأميركيين وغيرهم، وتهدد القانون والنظام في العراق".

قلق "جدي ومشروع"

ويصف رئيس المجموعة المستقلة للبحوث والدراسات في العراق، منقذ داغر، قلق النخب العراقية والناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي بـ"الجدي والمشروع"، قائلا: "هم يتخوفون من غلق السفارة، وتدهور العلاقات مع الولايات المتحدة والعواقب الاقتصادية لذلك. شبح التسعينيات بدأ يلوح بالأفق مرة ثانية".

وعانى العراقيون من عواقب الحصار الاقتصادي الذي فرضته الأمم المتحدة عقب غزو نظام صدام حسين الكويت عام 1990، مما أنهك البلاد وأفقر الشعب.

وكانت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب،  حذر  العراق، في وقت سابق من العام الجاري، من أن واشنطن ستفرض "عقوبات غير مسبوقة عليه"، بعد قرار البرلمان بطرد القوات الأميركية من أرض العراق.

واتخذ البرلمان العراقي القرار، بعد أن قتلت غارة أميركية قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، وقائد كتائب حزب الله العراقية، أبو مهدي المهندس، قرب مطار بغداد في يناير الماضي.

وجاءت الضربة الأميركية في إطار رد على استهداف قاعدة عسكرية للجيش الأميركي بقصف أدى إلى مقتل متعاقد أميركي.

ومؤخرا تزايدت الهجمات الصاروخية لتعبر نهر دجلة، وتتجه صوب المجمع الدبلوماسي الأميركي شديد التحصين الذي بُني لكي يكون أكبر سفارة أميركية في العالم، في وسط المنطقة الخضراء ببغداد.

وتقوم "كتائب حزب الله" و"عصائب أهل الحق" وميليشيات أخرى موالية لإيران بتصعيد حملة المضايقة ضد وجود التحالف، بقيادة الولايات المتحدة.

ويقول معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى إن هذه الميليشيات تستخدم مجموعة من التكتيكات، وهي (هجمات على مواكب لوجستية، هجمات بالصواريخ، تهديدات بالطائرات بدون طيار، التهديدات للأسلحة الجوية، أخذ الرهائن، تحدي سلطة الحكومة).

وفي هذا السياق، يقول رئيس مؤسسة النهرين لدعم الشفافية والنزاهة، محمد رحيم، لموقع "الحرة" إن الضجة الكبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي بشأن إغلاق السفارة يقابلها صمت يخيم على الميليشيات التي تتخوف من الاستهداف الأميركي.

والأسبوع الماضي، أصدر زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، بيانا دعا فيه إلى تحاشي التصعيد الذي قد يحول العراق إلى ساحة معركة.

"خارجة عن السيطرة"

ورغم ذلك، أطلقت فصائل عراقية، الاثنين، صاروخين كاتيوشا على منزل في بغداد، مما أدى إلى مقتل امرأتين وثلاثة أطفال وجرح طفلين آخرين. وقالت مصادر بالشرطة إن مطار بغداد كان الهدف من الهجوم.

وعلى تويتر، استهجن مغردون عراقيون حادثة الإطلاق الأخيرة، وتداول مستخدمون صورا وفيديوهات للضحايا وذويهم.

والثلاثاء، أعلن وزير الداخلية العراقي، عثمان الغانمي، الوصول إلى الجناة الذين أطلقوا صاروخا استهدف مطار بغداد، الاثنين، وسقط على منزل سكني. 

ويعتقد داغر أن حكومة العراق غير قادرة في وضعها الراهن على التخلص من الميليشيات، قائلا: "أعتقد أن رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي يشعر أنه لا يمتلك الأدوات الكافية للسيطرة على هذه الميليشيات".

وأضاف في حديثه لموقع "الحرة" أن "هذه الميليشيات انتشرت بشكل كبير وواضح، وخرجت عن السيطرة، ولا أعتقد أن الحكومة العراقية قادرة على أن تفعل شيئا".

أضرار اقتصادية وضربات جوية

والأحد الماضي، أعلنت السفارة الأميركية ببغداد أنها ستُجري، خلال اليومين المقبلين، سلسلة من الاختبارات التي تشمل معدات وإجراءات الطوارئ. 

وأضافت في بيان على مواقع التواصل الاجتماعي: "سيصل صوت الإنذارات بالخطر وصفارات الإنذار وغيرها من أنواع الضوضاء إلى السكان المقيمين في المناطق المُحيطة بالسفارة عند إجراء هذه التدريبات. تتقدم السفارة باعتذارها عن أي إزعاج قد ينجم عن ذلك".

خلال اليومين القادمين، ستُجري السفارة الامريكية سلسلة من الاختبارات التي تشمل معدات وإجراءات الطوارئ خاصتنا. سيصل صوت...

Posted by U.S. Embassy Baghdad on Sunday, September 27, 2020

يقول داغر إنه في حالة عدم توقف الميليشيات عن استهداف المصالح الأميركية "سيكون العراق ساحة حرب مفتوحة، مما يزيد من تقويض عمل المؤسسات الحكومية"، مضيفا "الضربات الجوية ستستهدف مقرات الميليشيات والمحسوبين عليها".

ولا تتوقف مخاوف العراقيين عند الحرب، بل تمتد إلى رد واشنطن بتدابير اقتصادية، الأمر الذي يعلق عليه داغر بقوله: "العراق سيصبح مثل لبنان واليمن وسوريا، سيوضع رسميا في سلة واحدة مع إيران، في جميع تعاملاته الدولية".

وأضاف "سنكون ضمن هذه الدول المنبوذة دوليا، مما سيسبب أضرارا اقتصادية هائلة، تفوق أضرار حصار التسعينات. المصير سيصبح مجهولا في ظل وجود انتفاضة شعبية أيضا. الأوضاع ستكون سيئة جدا". 

وقبل عام، انطلقت احتجاجات حاشدة في العراق بسبب قضايا تتعلق بالبطالة والفساد وسوء الخدمات. وبينما فقدت الاحتجاجات زخمها أوائل عام 2020، لا يزال العديد من مطالب المحتجين قائمة حتى يومنا هذا.

ووفقا للبنك الدولي فإن زهاء ربع الشباب العراقي يعاني البطالة. وفاقمت الأزمة المزدوجة التي أثارتها جائحة كورونا وانخفاض أسعار النفط المشاكل الاقتصادية في البلاد.

حزب العمال

لن يضع قرار حزب العمال الكردستاني التركي (PKK) حل نفسه نهاية لحرب دامت أكثر من 4 عقود، فحسب، بل نهاية لحقبة شكلت الديناميكيات الأمنية والسياسية في إقليم كردستان ـ العراق، أيضا.

وأعلن حزب العمال الكردستاني في 12 مايو الحالي، عن حل بنيته التنظيمية وإنهاء الكفاح المسلح، والأنشطة التي كانت تجري تحت لواء "PKK"، استجابة لنداء أطلقه زعيم الحزب ومؤسسه المعتقل في تركيا عبدالله أوجلان نهاية فبراير الماضي.

وطالب العمال الكردستاني، في بيان، تركيا بمنح زعيمه أوجلان حق إدارة المرحلة المقبلة، والاعتراف بحقه في العمل السياسي، وتوفير ضمانات قانونية شاملة في هذا الشأن.

وأشار البيان إلى أن الحزب نظم مؤتمره الثاني عشر في ظروف صعبة، مع استمرار الاشتباكات، وتواصل الهجمات البرية والجوية للجيش التركي.

وأضاف أن "المؤتمر أُنجز بنجاح وبشكل آمن، حيث أُجري في منطقتين مختلفتين بشكل متزامن لأسباب أمنية. وشارك فيه ما مجموعه 232 مندوبا. واتخذ خلاله قرارات تاريخية تعبر عن الدخول في مرحلة جديدة لحركتنا من أجل الحرية".

ويشير خبير العلاقات الدولية، حسن أحمد مصطفى، إلى أن قرار حزب العمال الكردستاني بحل نفسه يمكن أن يؤدي إلى انخفاض كبير في الاشتباكات المسلحة في إقليم كردستان، خاصة في منطقة بهدينان ومحافظة أربيل، ويقلل من الغارات الجوية في مناطق قنديل وشاربازير والسليمانية، التي يتمتع فيها العمال الكردستاني بحضور قوي.

ويضيف مصطفى لـ"الحرة" قوله: "أنشأت تركيا بعد عام 2019، قواعد عسكرية دائمة في كردستان العراق، في مناطق من محافظة دهوك وبالقرب من جبل قنديل، لذلك حل حزب العمال الكردستاني قد يخفض من مبررات العمليات العسكرية التركية عبر الحدود".

وبين أن أنقرة أشارت إلى أنها ستراقب امتثال العمال الكردستاني لقرار الحل وإلقاء السلاح عن كثب قبل سحب قواتها من كردستان العراق.

ويلفت مصطفى إلى أن الصراع المسلح بين العمال الكردستاني وتركيا تسبب خلال السنوات الماضية بنزوح آلاف من مواطني كردستان العراق من قراهم وبلداتهم وأصبحت نحو 700 قرية في إقليم كردستان إما خالية تماما من سكانها أو معرضة للخطر.

وعلى الرغم من تأكيده على أن السلام الدائم سيسهل عودة النازحين إلى قراهم ومناطقهم، يلفت مصطفى إلى أن استمرار الوجود العسكري التركي قد يُؤخّر إعادة التوطين الكاملة.

ولعل من تداعيات حل العمال الكردستاني التي يتوقعها مصطفى، هي أن تدعو إيران إلى إنهاء المعارضة المسلحة الكردية الإيرانية بشكل كامل.

وتسعى طهران منذ نحو عامين عبر الاتفاق الأمني الذي ابرمته مع الحكومة العراقية إلى إنهاء المعارضة الكردية الإيرانية الموجودة في إقليم كردستان منذ أكثر من 4 عقود، وقد بدأت السلطات العراقية حسب الاتفاق بإبعاد الأحزاب الكردية المعارضة عن الحدود الإيرانية، ونزعت أسلحتهم.

وأصدرت مستشارية الأمن القومي العراقية، التابعة لمجلس الوزراء، في 24 أبريل الماضي، قرارا يحظر جميع أنشطة الأحزاب والجماعات الإيرانية المعارضة الموجودة على الأراضي العراقية.

ورغم إعلان حل الحزب والتخلي عن السلاح، لم تحدد آلية تنفيذ القرارين بعد، خاصة لجهة كيفية إلقاء السلاح والجهة تتسلمه من مقاتلي حزب العمال.

وأوضح وزير الداخلية في حكومة إقليم كردستان، ريبر أحمد، في مؤتمر صحفي عقده في أربيل مطلع الأسبوع، أنه "مازال من المبكر الحديث عن كيفية إلقاء السلاح وأين سيسلم هذا السلاح ولمن؟ جميعنا نراقب هذه العملية، المهم أن تنتهي العمليات العسكرية والاشتباكات المسلحة في مناطق كردستان، ويتمكن مواطنونا من العودة الى مناطقهم ويحل السلام والاستقرار".

ولا يقتصر وجود العمال الكردستاني في جبل قنديل والسلاسل الجبلية والمناطق الحدودية بين إقليم كردستان وتركيا، بل تتمركز وحدات مقاومة سنجار "اليبشة" التابعة لـ(PKK) في قضاء سنجار غربي الموصل أيضا.

واعتبر سياسيون في إقليم كردستان العراق خلال تصريحات سابقة لـ"الحرة"، هذه الوحدات وفصائل الحشد الشعبي سببا في عدم استقرار الأوضاع في سنجار، وأبرز عائق أمام تنفيذ اتفاقية سنجار التي وقعتها بغداد وأربيل عام 2020 برعاية دولية لتطبيع الأوضاع في تلك المنطقة وإعادة النازحين إليها.

لذلك من المتوقع أن يساهم قرار الحزب بإلقاء السلاح في تطبيق اتفاقية سنجار وعودة الاستقرار إلى المدينة، التي شهدت خلال السنوات الماضية العديد من الغارات الجوية التركية التي استهدفتها بسبب وجود مواقع للعمال الكردستاني فيها. 

ويرى رئيس منظمة كردستان لمراقبة حقوق الإنسان، هوشيار مالو، أن قرار حل حزب العمال الكردستاني بإلقائه السلاح سينهي مبررات الدولة التركية في التدخل في دول المنطقة ومنها العراق وسوريا بحجة وجود مقاتلي وأعضاء العمال الكردستاني.

ويوضح مالو لـ"الحرة"، "بعد قرار الحل، ستنهي تركيا وجودها العسكري في العراق، أو على الأقل ستبدأ مرحلة جديدة من العلاقات مع بغداد وإقليم كردستان، لذلك على السياسيين العراقيين بالدرجة الأساس التهيئة للتفاوض والتفاهم من أجل انسحاب القوات التركية من الأراضي العراقية".

ويعتقد مالو أن جزءا من مقاتلي العمال الكردستاني أو مجاميع أخرى تابعة له قد ينشقون عن الحزب ويرفضون إلقاء السلاح، لكنه يرى أنهم لن يؤثروا على عملية السلام، لأن المرجع الفكري للحزب والمجموعات المرتبطة به قرروا تغيير مصيره.

ولفت إلى أن "قرار الحزب بإلقاء السلاح سيلقي بظلال إيجابية على المنطقة بأسرها".

وبحسب إحصائيات شبه رسمية، أنشأت تركيا خلال السنوات الماضية أكثر من 87 قاعدة عسكرية داخل الأراضي العراقية على طول 200 كيلومتر من الحدود بين البلدين. منها 7 قواعد جديدة، أنشأتها خلال عملياتها العسكرية التي انطلقت في يونيو الماضي ضمن حدود منطقة برواري بالا في محافظة دهوك، بينما بلغ عمق توغلها 15 كيلومتراً، وهو أكثر بسبعة كيلومترات مقارنة بالعملية البرية السابقة التي كانت في عام 2021.

وكشفت إحصائية صادرة عن منظمة فرق صناع السلم المجتمعي (CPT) الأميركية في إقليم كردستان العراق، حصل موقع "الحرة" عليها في مارس الماضي، عن مقتل وإصابة 721 مدنيا في إقليم كردستان منذ يناير 1991، إثر القصف والعمليات العسكرية التركية ضد مقاتلي PKK.

وأشارت المنظمة في بيان، مساء الخميس، إلى أن الجيش التركي ما زال يواصل هجماته داخل أراضي كردستان العراق، رغم إعلان العمال الكردستاني حل نفسه.

وأضافت المنظمة أن "القوات التركية نفذت منذ 12 مايو وحتى الآن، 31 هجوما وقصفا على إقليم كردستان"، وبلغت الهجمات المسلحة ذروتها الخميس، بحسب البيان.