لحظة استهداف صواريخ لقاعدة لقوات التحالف في أربيل
لحظة استهداف صواريخ لقاعدة لقوات التحالف في أربيل

خلال الساعات الماضية، استهدفت هجمات إرهابية قاعدة التحالف الدولي في أربيل، والتي تضم قوات أميركية، دون وقوع أي ضحايا، في هجمة هي الأولى من نوعها بهذه المنطقة.

واتهمت القوات الكردية بشكل مباشر الحشد الشعبي بالمسؤولية عن إطلاق الصواريخ، وحمل جهاز مكافحة الإرهاب في إقليم كردستان "الحشد" المسؤولية عن استهداف القوات الأميركية في مطار أربيل بصواريخ أخطأت هدفها وسقطت على موقع مجاور تابع لمعارضين أكراد إيرانيين، بالمقابل قالت خلية الإعلام الأمني العراقية إن المنفذين هم "مجموعة إرهابية".

وقال بيان لوزارة الداخلية الكردية إن "6 صواريخ أطلقت من أطراف قرية شيخ أمير التابعة لمحافظة نينوى من قبل الحشد الشعبي واستهدفت قاعدة التحالف في مطار أربيل الدولي" حيث يتمركز جنود أميركيون.

وكانت العاصمة العراقية بغداد شهدت خلال الأسابيع الماضية، ارتفاع وتيرة الهجمات الإرهابية التي تنفذها الميلشيات الموالية لإيران على المنطقة الخضراء التي تضم السفارة الأميركية، مما دفع واشنطن إلى التفكير في سحب بعثتها الدبلوماسية من بغداد.

تحويل الدفة

أما عن سبب تحويل دفة الهجمات من المنطقة الخضراء إلى أربيل، فيرى كفاح سنجاري، مسؤول المكتب الإعلامي لرئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني، أن هذه الميلشيات تحاول إحداث شرخ أمني في المدينة الأكثر أمنا وسلامة في بلد يعم بالفوضى والإرهاب.

وأضاف سنجاري في تصريحات لموقع "الحرة" أن الهدف الأساسي من هذه العملية هو استهداف رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، وليس القوات الأميركية.

وقال : "إن هذه الأذرع التي تعمل لصالح دولة في المنطقة، يزعجها تقارب الكاظمي مع إقليم كردستان ومع الدول العربية، لذلك حاولت استهداف هذه العلاقات بعملياتها".

بينما ذكر السياسي الكردي عماد باجلان أن الرسالة من هذه الهجمات واضحة، وهي أن "القوات الأميركية في بغداد وفي كردستان وفي كل مكان في العراق ليس في مأمن من الخطر".

كما أكد باجلان في تصريحات لموقع قناة "الحرة" أن هذه الهجمات تحاول استهداف أمن أربيل أيضا.

أخطر ما في الهجمات

وأعلنت وزارة الداخلية الكردية أن 6 صواريخ انطلقت من سيارة بيك آب في حدود برطلة بين قرى شيخ أمير وترجلة، وهي مناطق تقع ضمن حدود اللواء 30 للحشد الشعبي.

ويشير باجلان إلى أن انطلاق الصواريخ من منطقة تابعة للحشد هو "أخطر ما في هذه الهجمات". أما عن سبب الهجوم، يعتقد أنه قد يكون خطة من "وعد القدو"، آمر اللواء 30 الذي تم إقالته من أسبوع، وصادرت وزارة الخزانة الأميركية ممتلكاته، كي يعود إلى منصبه، خاصة أن هذه العمليات لم تحدث في عهده.

وشدد على أن هذه الصواريخ لم تكن فردية بل تم إطلاقها من على شاحنة ومن إحداثيات معينة، وتساءل: "كيف يمكن أن تتحرك سيارة في هذه المنطقة التي تنتشر فيها قوات اللواء 30 دون أن يشعر بها أحد؟".

وبعد الهجوم، قال رئيس وزراء إقليم كردستان مسرور بارزاني، إن  الإقليم "سيقف بقوة" ضد أي محاولة لزعزعة استقراره"، وأضاف في تغريدة إنه اتصل هاتفيا برئيس وزراء الحكومة الاتحادية مصطفى الكاظمي لحثه على "محاسبة الفاعلين".

كما أدان نائب رئيس برلمان كردستان، هيمن هورامي، استهداف قاعدة أميركية في محافظة أربيل.

وقال هورامي في تغريدة على "تويتر": "ندين بشدة الهجوم الصاروخي على أربيل من منطقة برطلة الخاضعة لسيطرة اللواء 30 التابع للحشد الشعبي"، وأضاف "ندعو الكاظمي للقيام بخطوات عملية للسيطرة على تلك العناصر وندعم جهود حكومة كردستان لحفظ الأمن بالتنسيق مع الحكومة العراقية بهذا الخصوص".

تقارب

وأكد سنجاري أن الأذرع السياسية التي تعمل لها هذه الميليشيات شعرت بخروج الكاظمي من تحت عباءتها، وأنه بدأ يتقارب مع السنة والأكراد، لذلك بدأت تشن هذه العمليات الإرهابية.

وعن علاقة الهجمات الصاروخية بالحديث عن احتمال إغلاق السفارة الأميركية في بغداد، قال سنجاري إن واشنطن "لن تتخلى عن العراق وعن الكاظمي ولن تترك بغداد"، على حد قوله، مستبعدا أن تكون الهجمات الصاروخية لها علاقة بالأمر.

ويتفق معه باجلان بأنه من المستبعد إغلاق السفارة، ويقول أن الميليشيات تسعى من خلال هجماتها  الإرهابية إلى دفع واشنطن سحب بعثتها الدبلوماسية من بغداد.

كان الكاظمي قد أعلن أمس خلال جلسة مجلس الوزراء إن الهجمات المستمرة بالصواريخ التي أدى آخرها إلى مقتل 5 أشخاص دعت "المؤسسات والهيئات الدبلوماسية إلى التفكير بإغلاق سفاراتها، وأولها الولايات المتحدة الأميركية، وكذلك الاتحاد الأوروبي".

وأضاف الكاظمي أن "هذا الموقف ليس موجها للحكومة العراقية بل ضد ظروف البلد"، مؤكدا "إغلاق السفارات يعني عدم التعاون مع الدول في الجوانب الاقتصادية والثقافية والعسكرية، في ظل تحديات كبيرة يواجهها العراق".

كما أعربت وزارة الخارجية الأميركية، في بيان الثلاثاء، عن غضبها من الهجوم الصاروخي الذي أسفر عن مقتل مدنيين بينهم أم وأطفالها في العاصمة العراقية بغداد، في جريمة أثارت غضب عراقيين شاركوا في تشييع الضحايا.

أما عن احتمالية تكرار الهجوم، فأكد سنجاري أن هذه العمليات لن تتكرر، لأن الحكومة الكردية أعلنت أنها "سترد بحزم على هذه العملية، وخاصة أنها انطلقت من منطقة كانت تحت سيطرتها قبل أن يسيطر عليها الحشد الشعبي".

ويرى باجلان أنه لا يعتقد أن هذه الهجمات ستتكرر مرة ثانية، لأن الطائرات الأميركية لا تتوقف عن التحليق في هذه المنطقة، بالإضافة إلى دوريات القوات الكردية.

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.