في اجتماع هو الأول من نوعه، أكد رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي أن قرار الحرب والسلام بيد الدولة وحدها.. لكن يبدو أن اثنين من الحاضرين في الاجتماع كان لهما رأي آخر، وفق ما قال محللون لموقع الحرة.
كان هذا الاجتماع، الذى انعقد الثلاثاء الماضي، هو الأول للجنة التحقيق في الخروقات الأمنية التي تستهدف أمن العراق وهيبته، والتي عرفت إعلاميا بـ "لجنة هيبة العراق".
ومؤخرا، تزايدت الهجمات بصواريخ الكاتيوشا لتعبر نهر دجلة، وتتجه صوب المجمع الدبلوماسي الأميركي شديد التحصين الذي بُني لكي يكون أكبر سفارة أميركية في العالم، وسط المنطقة الخضراء ببغداد، الأمر الذى أعقبه تقاربر عن تهديد بإجلاء البدلوماسيين الأميركيين، وإغلاق السفارة.
وخلال الاجتماع، قال الكاظمي إن "الجهات التي قتلت وجرحت عراقيين أبرياء، بخلاف ما يروّج المبررون لهذه الاعتداءات، إنما تسيء إلى مستقبل العراق وعلاقاته".
وكان هجوم صاروخي وقع ببغداد، نهاية الشهر الماضي، وأدى إلى مقتل خمسة مدنيين (ثلاثة أطفال وامرأتان).
الغريب في الأمر أن فالح الفياض زعيم ميليشيات الحشد الشعبي، إحدى أبرز الجهات المتهمة بقتل وجرح وتهجير وتشريد "عراقيين أبرياء"، ووزير الداخلية السابق ومستشار الأمن الوطني قاسم الأعرجي، كانا من بين حضور الاجتماع بصفتهما عضوين باللجنة.
وبينما يفسر تصريح الكاظمي بأن الأمر "قد تجاوز حدوده في ظل الأزمات المركّبة التي يعيشها العراق"، فإن مراقبين اعتبروا أن حضور الفياض والأعرجي هذا الاجتماع وتشكيل اللجنة واختيار أعضائها لا يخلو من التناقض.
الخصم والحكم
وتقر المدير التنفيذي ورئيسة الباحثين في منتدى صنع السياسات بلندن، رنا خالد، بذلك، بقولها: "نعم هنالك تناقض، لكن المتتبع لسلوك السياسة العراقية يعرف جيدا أن التناقض والتخبط سمة أساسية لازمت القرارات الرسمية منذ سنوات".
كما أشار الأستاذ في العلاقات الدولية العراقي، رائد العزاوي، إلى ما وصفه بـ"التناقض الكبير" في أن تضم اللجنة في عضويتها "أحد المتهمين وهو فالح الفياض، باعتباره قائدا للحشد".
وقال لموقع الحرة: "المفترض أن يكون الفياض أكثر شخص على علم بالمعلومات التي تفيد باستخدام هذه الخلايا سيارات وبطاقات تعريف الحشد"، متسائلا: "كيف يكون الخصم والحكم في نفس الوقت؟".
لكن خالد عادت لتقول إن الكاظمي "يحاول أن يتدارك انهيار سيطرة الدولة على الملف الأمني، وخاصة النقطة الحساسة والأكثر مفصلية وهي أمن المنطقة الخضراء التي من المفترض أن تمثل المقر الآمن للسفارة الأميركية والبعثات والسفارات الأجنبية".
وتقوم "كتائب حزب الله" و"عصائب أهل الحق" وميليشيات أخرى ولائية منضوية تحت لواء الحشد الشعبي الموالي لإيران، بتصعيد حملة المضايقة ضد وجود التحالف الدولي بالعراق، بقيادة الولايات المتحدة.
"فوق قدرة الكاظمي"
وترى رنا خالد أن الكاظمي يحاول تقليل عدد الميليشيات الموجودة داخل المنطقة الخضراء "إلا أن الواقع يشير إلى أن أي عملية خفض هو أمر لا يزال خارج قدرة ونفوذ رئيس الوزراء".
وأضافت لموقع الحرة "هنالك ثلاث ألوية تابعة للحشد الشعبي موجودة في مناطق استراتيجية داخل حدود المنطقة الخضراء منذ 2016، وتعمق وجودها وازدادت أعدادها مطلع 2019.
وليس أمام رئيس الوزراء سوى أن يتصرف ضمن معطيات الواقع، ويقبل حجة قادة الحشد الشعبي الذين تبرأوا من ضربات الكاتيوشا، وتعهدوا بالتعاون مع الحكومة العراقية (باعتبارهم مؤسسة رسمية) على كشف المتسببين بهذه العمليات".
وفي المقابل، يرى العزاوي أن الكاظمي "يضيع فرصا كبيرة لإقرار السيطرة والأمن وفرض القانون في العراق".
وأضاف لموقع "الحرة": "هذه اللجنة محاولة لشراء الوقت وطمس الحقيقة، العراق ليس بحاجة للجنة لكشف من يقوم بهذه الهجمات".
وتابع "الأسماء والجهات معروفة وصور الأقمار الصناعية والفيديوهات تثبت بشكل واضح الهجمات التي شنتها هذه الخلايا على المنطقة الخضراء والسفارة الأميركية والمطار والمواقع العسكرية".
لجنة الصدر
ومؤخرا، عمد الكاظمي إلى إجراء تغيرات هيكلية شملت إعفاء شهاب ناصر من منصب قيادة الفرقة الخاصة بحماية المنطقة الخضراء وتكليف حامد الزهيري بقيادتها.
وفي إطار هذه الإجراءات، وافق الكاظمي ورئيس البرلمان العراقي محمد الحلبوسي على مقترح تقدم به زعيم "التيار الصدري" مقتدى الصدر، لتشكيل لجنة للتحقيق في الهجمات التي تتعرض لها المنطقة الخضراء .
وعن دافع رئيس كتلة "سائرون" البرلمانية وراء اقتراح هذه اللجنة، تقول رنا خالد لموقع "الحرة": "الصدر يمثل اليوم أهم القوى النافذة في معادلة السياسة والحكم في العراق، وهو يحاول أن يثبت نفسه بأنه بعيد عما يجري من تهديدات ضد السفارة الأميركية".
وأضافت "الصدر هو شريك في كل نسخ الحكومات السابق، ورغم ذلك يحاول أن يظهر بصورة المقاوم العتيد للفساد.. النظر إلى سياسات الصدر للحصول على موقف واضح وثابت هو أمر أشبه بالمستحيل".
وتابعت "هو يملك النفوذ في أهم مفاصل الدولة في العراق"، عبر استحواذ أتباعه على مناصب (نائب رئيس البرلمان، أمين عام مجلس الوزراء الذي يسير كل إدارات الدولة العراقية، رئاسة البنك المركزي العراقي، ست وزارات سيادية فضلا عن مئات الإدارات العامة والمناصب).
"ورغم ذلك يظهر بصورة الرجل المعارض للمحاصصة والسياسات الحكومية"، حسبما تقول الباحثة في الشأن العراقي.
بينما يرى العزاوي أن الصدر يريد، من وراء هذه اللجنة، أن يبعد الشكوك عن بعض الخلايا والجهات في الحشد التي لا تنتمي لـ"خلايا الكاتيوشا".
