كانت "مجزرة الفرحاتية" أحدث ما شهدته المناطق السنية من أعمال عنف
كانت "مجزرة الفرحاتية" أحدث ما شهدته المناطق السنية من أعمال عنف

"يتفقون ويتحاصصون والموت للشعب".. هكذا علقت من تسمي نفسها "بغدادية حرة" على ظهور مفاجئ لكتلة برلمانية سنية قيل إنها تسعى لإقالة النائب السني محمد الحلبوسي، وهو أصغر رئيس للبرلمان في تاريخ العراق.

ويأتي هذا التحالف السني الجديد "القائمة العراقية"، بزعامة رئيس البرلمان العراقي الأسبق أسامة النجيفي، بينما يستعد العراق لانتخابات مبكرة في السادس من يونيو المقبل.

لكن رئيس مؤسسة النهرين لدعم الشفافية والنزاهة محمد رحيم يرجح "ضعف" مشاركة المكون السنّي في العملية الانتخابية المقبلة بسبب نزوحهم، وسيطرة "جهات حزبية" على مناطقهم.

البرلمان العراقي
تحالفات القوى العراقية.. كتلة النجيفي تغير خارطة السباق الانتخابي المقبل
أثار إطلاق التحالف السني الجديد "القائمة العراقية" بزعامة رئيس البرلمان العراقي الأسبق، أسامة النجيفي، جدلا داخل صفوف القوى السياسية العراقية، التي تستعد لانتخابات مبكرة في ظروف غير مسبوقة يعيشها العراق.

وبحسب تقرير للأمم المتحدة، في فبراير الماضي، لا يزال حوالي 1.5 مليون نازح يعيشون بعيدا عن بيوتهم، بينما يقبع آخرون في السجون أو دون عمل في مدن شبه مدمرة.

ويقول أستاذ العلاقات الدولية العراقية، رائد الغراوي، لموقع "الحرة"، إن العراقيين السنّة يعانون وضعا مترديا بسبب "التشرذم"، مشيرا إلى عمليات خطف وقتل وتغييب قسري في المدن السنية التي تسيطر عليها ميليشيات الحشد الشعبي، الموالية لإيران، منذ تحريرها من تنظيم داعش.

وكانت "مجزرة الفرحاتية" أحدث ما شهدته هذه المناطق من أعمال عنف، حين عثرت الشرطة على ثمانية جثث لأشخاص اتضح "إعدامهم ميدانيا" بعد ساعة من اختطافهم من قبل جهة مجهولة، في وقت سابق من هذا الشهر.

تتقاسم عصائب أهل الحق السيطرة على قضاء بلد مع قوات المغاوير. أرشيف
مجزرة صلاح الدين واللواء 42.. مؤشرات عن المشتبه به ومخاوف من التجييش الطائفي
انتاب الرعب سكان محافظة صلاح الدين العراقية (شمال بغداد)، السبت، بعد استيقاظهم على خبر يفيد باختطاف جهة مسلحة  12  شخصا من ناحية الفرحاتية التابعة لقضاء بلد، وما هي إلا ساعة حتى عثرت الشرطة على جثث ثمانية منهم اتضح "إعدامهم ميدانيا".

ويشعر كثيرون بأن الساسة السنة المشاركين في العملية السياسية منذ سقوط صدام حسين في 2003 يتعاونون مع النظام، ويسعون لـ"تحقيق مكسب شخصي".

ويرى رحيم في حديث لموقع "الحرة" أن الساسة السنة "لم يحاولوا أبدا تحسين الوضع، بل تغذوا على جراحات مجتمعهم، وتقاسموا ثروات المحافظات".

وكانت انتخابات 2018 أول انتخابات يصوت فيها السنة بعد هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية الذي سيطر على مناطق واسعة. 

"لا صوت للعرب"

ورغم أن الانتخابات المبكرة في يونيو المقبل تأتي في ظروف لم يشهدها العراق، بسبب "ثورة أكتوبر (تشرين)" التي خرج فيها الملايين تحديا لسلطات بلادهم التي يعتبرونها عاجزة عن معالجة البطالة، وتحسين الخدمات الأساسية، والحد من تزايد نفوذ الفصائل المسلحة الموالية لإيران، لا يبدو أن السنة متحمسون لها.

ويقول الأستاذ في العلاقات الدولية العراقية، رائد العزاوي، إنه لا يسمح للكثير من السنة بالمشاركة في العملية السياسية إذا لم تتفق توجهاتهم مع "الرؤية الأقرب لإيران".

وأضاف لموقع "الحرة": "رغم وجود بعض الأصوات الرافضة لإيران، يقول الواقع إنه لا يمكن لأي سني في العراق أن يحصل على منصب أو موقع مرموق إن لم يكن على الأقل غير معارض للدور الإيراني في العراق"، وتابع: "قليل من القيادات السنية ترفض التدخل الإيراني، وتتحدث عن خطورته".

بينما يرى محمد رحيم أن "الوضع السياسي للسنة في العراق هو ذاته لبقية المكونات السياسية، فجميع الكتل السياسية تعمل تحت الأجندة الإيرانية، ولا يهمها مصلحة البلد والشعب".

وأضاف: "العرب في العراق، من أي طائفة، لا صوت لهم، الصوت الوحيد هو صوت الأجندات الخارجية التي تتمثل في الكتل والاحزاب السياسية".

صراع نفوذ

وفيما يتعلق بكتلة النجيفي التي هبطت على الساحة مؤخرا، قال الغراوي: "هذه التحالفات السياسية تبحث عن مصالحها الضيقة، وهي ضد توجه الحلبوسي، القريب إلى فكر الشارع الشيعي، الموالي لإيران".

ووفقا للغراوي، فإن الكتلة الجديدة ترى أن الحلبوسي، الذي كان محافظا للأنبار، قام بالعمل "لصالح تقوية محافظته، وإعادة إعمارها بينما بقيت المدن الأخرى كما هي مثل الموصل وصلاح الدين وأجزاء من كركوك".

وتابع "هذه التحالفات ما هي إلا صراع بين كل الكتل (..) المشهد السني مشابه للمشهد الشيعي والكردي نوعا ما، وهو صراع على النفوذ والبقاء في الانتخابات المقبلة".

ومنذ أن سيطر تنظيم الدولة الإسلامية على مدن سنية عام 2014، تشكو الطائفة من الشبهات التي تدور حولهم بشأن صلاتهم بالتنظيم المتشدد.

ويعلق الغراوي على ذلك قائلا: "علينا أن نتذكر أن السياسات الخاطئة لحكومة نوري المالكي هي من أدخلت تنظيم الدولة الإسلامية للعراق، مما تسبب في شرخ في المجتمع بين المكون السني والحكومة".

لكن ذلك لم يمنع أن يكون تنظيم الدولة الإسلامية ومن قبله القاعدة سببا في الوضع السيء للسنة في العراق.

"أهون الشرّين"

وربما يعتبر العرب السنّة داعش أهون الشرّين إذا ما اصطدموا بحكومة طائفية إلى حد كبير، كحكومة نوري المالكي السابقة، تضغط عليها إيران، لاستبعادهم وحرمانهم من أي صوت سياسي في العراق، بحسب ما نشره منتدى فكرة، وهو مبادرة تابعة لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، في مايو الماضي.

ويقول المنتدى إن هذا التهميش حدث عقب الانسحاب الأميركي في 2011 "وما من أسباب كثيرة تدعو إلى الاعتقاد بأن هذا المنحى لن يتكرر. إنه سيناريو يصعب على الولايات المتحدة تجاهله وسيتطلب التزاما عسكريا أميركيا لاحتوائه".

وفي يناير الماضي، لم يشارك معظم النواب السنّة في جلسة عقدها البرلمان للتصويت على وجوب إنهاء وجود القوات الأميركية في البلاد، وإن لم يتمّ تحديد عملية أو جدول زمني واضحين.

ويقول الغراوي: "النواب السنة متفقون على بقاء القوات الأميركية، والسنة بشكل عام يرون أن خروج القوات الأميركية يعني زيادة النفوذ الإيراني في المنطقة، وهو أمر لن يقبلوه".

وفي هذا الإطار، قال رحيم: "هناك جهات سياسية سنية طالبت ببقاء القوات الأميركية لأنها تعتبرها مصدر الأمان حال تواجدت في مناطقهم، مما يحد من نفوذ القوات الأمنية والفصائل المسلحة".

وتستضيف محافظة الأنبار، بغرب العراق، قوات أميركية في قاعدة عين الأسد الجوية.

الرعاة الإقليميين

وبينما يتعدد الرعاة الإقليميين الذين يقدمون الدعم المالي والسياسي للساسة السنة في العراق، إلا أن ذلك لم يفلح أيضا في تحسين وضعهم.

يقول الغراوي: "الدول العربية السنية ساعدت في وقت سابق بعض الساسة السنة، لكنها اكتشفت أن هذه القيادات التي دعمتها، لم تكن بالمستوى المطلوب، ولا تملك دورا مهما، وانحازت سرا للرؤية الإيرانية".

وأضاف: "الدول السنية في المنطقة أصبحت تتحفظ على هؤلاء الساسة الذين يتماهون مع الرؤية الإيرانية بمجرد وصولهم إلى البرلمان أو أي منصب آخر".

العراق وسوريا

على الرغم من ترحيب بغداد بإعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قبل يومين، رفع العقوبات عن سوريا، راقب صناع القرار في العراق الحدث بتفاؤل حذر.

هم على يقين الآن أن موازين القوى في المنطقة تتغير. ربما لم يدركوا ذلك عند سقوط نظام بشار الأسد في سوريا نهاية العام الماضي، لكن لقاء ترامب بالرئيس السوري، أحمد الشرع، في الرياض الأربعاء، لم يترك لهم ـ أو لغيرهم ـ مجالا للشك.

في تصريحات لـ"الحرة،" يصف مستشار رئيس الوزراء العراقي للعلاقات الخارجية، فرهاد علاء الدين اللقاء بين الرئيسين ترامب والشرع بأنه "تطور إيجابي، طالما يسهم في خفض التصعيد، ويفتح باب الحلول السياسية، ويضمن وحدة سوريا، وحماية مكوناتها، واستقرار جوارها". 

ويرجح علاء الدين أن ينعكس التقارب السوري الأميركي إذا تعزز، بشكل إيجابي على العراق سياسيا وأمنيا، ويوفر مناخا ملائما للتعاون الاقتصادي في ملفات الطاقة والتجارة وإعادة الإعمار، ويفتح آفاقا جديدة للشراكة الإقليمية من موقع العراق الجغرافي والاقتصادي.

"العراق يتابع التغيرات في الخارطة السياسية للشرق الأوسط بواقعية واهتمام، ويرى فيها فرصة لإعادة صياغة التوازنات الإقليمية على أسس الحوار والمصالح المشتركة،" يقول  علاء الدين.

و سارعت وزارة الخارجية العراقية إلى الترحيب بقرار ترامب رفع العقوبات عن سوريا، وأبدت أملها في أن يُسهم "في دعم مسار الاستقرار الذي ينشده الشعب السوري وإنهاء معاناته الممتدة بسبب الأزمات الإنسانية والاقتصادية".

مع ذلك، لا تزال العلاقات بين العراق وسوريا، منذ سقوط الأسد، غير واضحة المعالم.

حدود وتحديات

ينطوي التحول، في نظرة الولايات المتحدة لسوريا، على أهمية خاصة بالنسبة للعراق. فمنذ سقوط نظام بشار الأسد الذي كان يحظى بدعم بغداد، وصعود الرئيس أحمد الشرع، السجين السابق في العراق، حاولت بغداد التكيف مع المتغيرات في سوريا. 

الأنظمة تتغير، لكن ما يبقى عصيا على التغيير هو الحدود المشتركة الممتدة لأكثر من 600 كيلومتر، والتي تمثل محورا للتعاون والتهديد في آن واحد.

أكثر ما يقلق العراقيين انفلات الحدود وعودة تنظيم داعش ـ أو أي تنظيم إرهابي آخر ـ إلى العراق. في حين تخشى دمشق تدخل الفصائل العراقية المسلحة، التي طالما دعمت الأسد، في الشأن السوري.

هذه المخاوف المتبادلة دفعت  الجانبين إلى محاولة التنسيق، أمنيا أول الأمر، من أجل تطبيع العلاقات لاحقا وتوطيدها في ضوء المستجدات في المنطقة.

"يتأثر إجمالا بأي مشكلة تقع داخل سوريا، فهدوء واستقرار سوريا ينعكس بالتالي على استقرار العراق،" يرى الباحث في الشأن السياسي العراقي، رافد العطواني.

ويشير العطواني، المقرب من التيار الوطني الشيعي بزعامة مقتدى الصدر، إلى أن رفع العقوبات عن الشعب السوري "سينعكس على الحالة المعيشة للمواطن السوري الذي تأذى كثيرا، وتحتاج البنية التحتية في سوريا إلى كثير من العمل لتنهض مرة أخرى".

دروس الماضي

يعرف العراق جيدا كلفة انهيار الأوضاع في بلد مجاور. ففي عام 2014، استغل تنظيم داعش الفراغ في بعض المناطق السوريةوشن هجوما كاسحا على العراق، استولى خلاله على ثلث الأراضي العراقية. ولم تنجح الجهود الدولية في دحر التنظيم إلا عبر تنسيق واسع النطاق بين بغداد ودمشق.

يلفت أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية ببغداد، عصام الفيلي، الى أن التقارب بين الولايات المتحدة  وسوريا سيؤسس لمرحلة جديدة في العلاقة بين سوريا وكل دول المنطقة.

ويعتبر الفيلي تطبيع العلاقات بين واشنطن ودمشق بمثابة ضوء أخضر لدول العالم للتعامل بإيجابية مع طبيعة النظام السوري القائم.

وفي ما يخص تأثير التقارب بين واشنطن ودمشق على العلاقات بين العراق وسوريا، يقول الفيلي، في حديث مع "الحرة" إن العراق بدأ سعيه قبل الجميع إلى خلق مقاربات بينه وبين النظام السياسي في سوريا وبادر بتقديم الدعم له.

ويرى الفيلي أن "الأمن القومي العراقي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي السوري، لذلك "يريد العراق بناء علاقة استراتيجية مع سوريا بطريقة التكامل والحفاظ على الأمن الإقليمي ما بين الدولتين".

ويلفت الفيلي إلى أن سوريا تمثل واحدة من أهم مصادر الغذاء في المنطقة، وبالتالي تعافيها واستقرار أوضاعها من شأنه أن يخلق سوقا مشتركة مع العراق.

ويعتبر الفيلي أن التحولات التي تشهدها المنطقة ستعزز الاستقرار بما يسهم، بصورة أو بأخرى، في خلق حالة من الاستقرار في المنطقة أجمع، مشيرا إلى أن نتائج هذا التقارب ستعزز الدور العراقي ليعود مرة أخرى جزءا فاعلا في المشهد السياسي العربي.

وتحاول فصائل وأحزاب عراقية موالية لإيران عرقلة التقارب بين دمشق وبغداد. ووجهت انتقادات لرئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، إثر دعوته الرئيس السوري للمشاركة في أعمال القمة العربية المقرر عقدها في بغداد في 17 مايو الجاري.

لكن المكتب الإعلامي للرئاسة السورية أعلن في، 12 مايو، أن الشرع لن يشارك في القمة العربية، وأكد في بيان أن وزير الخارجية أسعد الشيباني، سيترأس الوفد السوري إلى القمة، وسيمثل سوريا في المناقشات والمباحثات التي ستجري خلال الاجتماع.

وخلال كلمته في اجتماع وزراء الخارجية التحضيري لمجلس جامعة الدول العربية المنعقد في بغداد، قال وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، الخميس، إن "العراق يدعم جهود تحقيق الاستقرار في سوريا، ويدعو إلى رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها".