شكلت ساحة التحرير مركزا للتظاهرات التي انطلقت العام الماضي
شكلت ساحة التحرير مركزا للتظاهرات التي انطلقت العام الماضي

سيطر جو من الإحباط على الناشطين العراقين على وسائل التواصل الاجتماعي، بعد فتح ساحة التحرير في وسط بغداد، التي تحولت إلى موقع رمزي لانتفاضة تشرين (أكتوبر)، وسط تساؤلات عن مصيرها بعد عام كامل على انطلاقتها.

بعد أكثر من عام على إغلاقها أمام حركة السير، خلت ساحة التحرير من خيامها، وأزيلت صور ضحايا الحركة الاحتجاجية، وعاد المتظاهرون إلى بيوتهم.

وقال الناشط في الحركة الاحتجاجية عمار الحلفي إن رئيس الوزراء مصطفى "الكاظمي هو من فض اعتصام التحرير بالقوة، وأكبر دليل على ذلك التحرك ضد اعتصام البصرة (مساء السبت) والاعتصامات الباقية" بينما يظل اعتصام مدينة الناصرية في محافظة ذي قار باقيا حتى اللحظة. 

وفي تغريدة، علق الكاظمي على عملية فتح الساحة، قائلا: "شبابنا في ساحة التحرير ضربوا أروع الأمثلة الوطنية طوال عام كامل، اليوم يؤكدون شموخهم الوطني بإبداء أقصى درجات التعاون، لفتح الساحة أمام حركة السير وإعادة الحياة الطبيعية".

وفي مايو الماضي، وبعد أشهر من أزمة سياسية، تولى الكاظمي رئاسة الحكومة في العراق، وتعهد بأن تتضمن خطط حكومته مطالب المحتجين، وإجراء انتخابات مبكرة، وإخراج البلاد من الأزمة السياسية والاقتصادية. 

لكن رغم تأكيده العمل على إعادة الحياة إلى مسارها الطبيعي، لم يطلق بعد الإصلاحات التي طالب بها المتظاهرون.

وبعد تغريدته، انهالت الانتقادات على الكاظمي، وعلق أحد المغردين، تحت اسم العراقي اليعربي، قائلا: "فعلت ما لم يفعله حتى عادل عبد المهدي" (رئيس الوزراء السابق الذي أطاحت به احتجاجات العام الماضي).

بينما قال عمر الجنابي: "أنت انتحرت اليوم يا شقيق المالكي (نوري المالكي رئيس ائتلاف دولة القانون)، وعبد المهدي، والجعفري (إبراهيم الجعفري وزير الخارجية السابق)".

ونشر الناطق الإعلامي للقائد العام للقوات المسلحة، يحيي رسول، السبت، صورا يظهر فيها رفع الجرافات للكتل الخرسانية الهائلة من ساحة التحرير وجسر الجمهورية، قائلا إن ذلك تم "بالتنسيق مع أبنائنا المتظاهرين السلميين".

وردا على ذلك، كتب الصحفي العراقي، زيد الأعظمي، على تويتر: "ما ترفعه الجرافة ليست أنقاضا... بل تاريخ شعب وقصص ضحايا كُتبت قبل عام في #تشرين ... وما زالت تكتب". ولاقت تغريدة الأعظمي رواجا واسعا.

ويعد جسر الجمهورية وساحة التحرير مركزا للتظاهرات التي انطلقت، العام الماضي، ضد الفساد، وللمطالبة بتوفير فرص عمل للشباب، وتأمين خدمات عامة، وضمان إجراء انتخابات شفافة.

ويربط جسر الجمهورية ساحة التحرير بالمنطقة الخضراء، حيث مقر الحكومة والبرلمان والسفارة الأميركية. وكان الجسر شاهدا على العنف الذي أدى إلى مقتل نحو 600 متظاهر وإصابة 30 ألفا بجروح في كل أنحاء العراق، في احتجاجات العام الماضي.

وسادت بين المستخدمين العراقيين لمواقع التواصل حالة من الحزن والصدمة بعد إعادة فتح هاتين المنطقتين، ويقول البعض إنها مؤشر إلى أن مصير "ثورة أكتوبر" أصبح مجهولا.

غربلة الساحة

والأسبوع الماضي، أزال متظاهرون خيامهم من ساحة التحرير وانسحبوا، بعد وقوع صدامات بين من وُصفوا بـ"مثيري الشغب" وقوات الأمن.

وأوضح الناشط في الحركة الاحتجاجية محمد الكندي أن "النشطاء أزالوا بعض الخيم لغربلة الساحة، وتمييز المندسين".

وقال لموقع الحرة: "كان ذلك حركة مؤقتة بالاتفاق مع القوات الأمنية، مع إبقاء رموز الشهداء وصورهم، وبعض الخيام الخدمية (الطبية، وخيم إعداد الطعام) وأخرى اعتصامية".

وتابع "لكن الحكومة نقضت الاتفاق، وأزالت كل ما يخص الثورة والشهداء عُنوة، وفتحت الشارع للمارة، وهذه محاولة واضحة لإنهاء الثورة بشكل تعسفي وبالإكراه".

وفي السياق ذاته، قال الحلفي في حديث لموقع الحرة إن هذا الانسحاب جاء بعد "نجاح التظاهرات التي خرجت يوم 25 أكتوبر الماضي، وشارك فيها آلاف الطلبة والمتظاهرين في جميع المحافظات، مما شكل صدمة للأحزاب والتيار الصدري الذين أرسلوا مندسين إلى ساحة التحرير، وألقوا زجاجات حارقة على القوات الأمنية".

"فكرة وليست خيمة"

ويرى الحلفي، أن "إزالة الخيم وفض الاعتصام بالقوة لا يجعلنا نتراجع، بالعكس يزيدنا إصرارا، ويجعلنا نحشد لتظاهرة كبرى في بغداد وجميع المحافظات". 

وفي هذا الإطار، قال الكندي: "إخلاء الساحات لا يعني انتهاء الانتفاضة، لكن رفع الخيام وفتح الساحات بشكل كامل محاولة يائسة من الحكومة وأحزابها لإنهاء ثورتنا المباركة".

وأضاف "ثروتنا فكرة وليست خيمة، والفكرة لا تموت، والقائد الحقيقي للثورة ومن يديرها من الوطنيين هو الوعي، لذا ثورتنا باقية ومستمرة وسلمية حتى تحقيق النصر". 

وكان قائد عمليات بغداد قيس المحمداوي قال إن إعادة الحياة لساحة التحرير جاء بطلب من المتظاهرين السلميين. 

وبحسب تفسير الناشط الحقوقي، علي المقدام، فإن المحمداوي يشير إلى أولئك الذين "تاجروا وساوموا بتشرين، والتقوا بالكاظمي ومستشاريه".

وهنا يقول الحلفي إن "قلة قليلة من المتظاهرين تابعة للمستشارين عقدت صفقات مع الحكومة"، لكنه لا يعول على تأثيرها  في ساحات الاحتجاج الرئيسية.

وأكد أنه "لا يوجد أي اتفاق أو تواصل بين الناشطين الوطنيين من جانب والكاظمي أو مستشاريه أو الكتل السياسية من جانب آخر".

وكان الكاظمي تعهد بإجراء انتخابات مبكرة، في يونيو المقبل، لكن العديد من السياسيين يرون أن تحقيق ذلك في هذه المهلة أمر شديد الصعوبة، لا سيما بسبب عراقيل تقنية.

وفيما يتعلق بمشاركة الناشطين في الانتخابات، قال الحلفي: "أي كتلة سياسية تدعي انتمائها لثوار لتشرين نرفضها"، مشيرا إلى "عوائق كثيرة" تقف أمام النشطاء للمشاركة في الانتخابات.

ومن بين هذه العوائق، تحدث الحلفي عن مفوضية الانتخابات غير المستقلة، وخوض انتخابات أمام أحزاب التي تمتلك المال والسلاح المتفلت الذي تملكه الميليشيات.

إنبوب النفط العراقي

رغم حالة الغموض التي تكتنف مسار العلاقات بين العراق وسوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر الماضي، يبرز بين حين وآخر حديث عن محاولات لفتح صفحة جديدة من التعاون بين البلدين.

إحدى أهم الخطوات في هذا المجال المساعي لإحياء خط أنابيب النفط العراقي المار عبر سوريا.

وبدأت الحكومة العراقية رسميا، في أبريل الماضي، محادثات مع الجانب السوري لاستئناف تصدير النفط عبر ميناء بانياس السوري المطل على البحر المتوسط. وقد زار وفد عراقي رفيع المستوى دمشق لمناقشة خطط إعادة تأهيل الخط الذي ظل معطلا لعقود بسبب الحروب والإهمال.

وفي 25 أبريل، أعلن المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي أن وفدا حكوميا برئاسة حميد الشطري، رئيس جهاز المخابرات، وصل إلى دمشق بتوجيه من رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، والتقى بالرئيس السوري أحمد الشرع وعدد من المسؤولين السوريين.

وذكر البيان أن المباحثات شملت قضايا متعددة من بينها مكافحة الإرهاب، تعزيز أمن الحدود، والأهم من ذلك، بحث إمكانية إعادة تشغيل خط أنابيب النفط الواصل بين كركوك وبانياس.

مصالح استراتيجية مشتركة

يقول مظهر محمد صالح، مستشار رئيس الوزراء العراقي للشؤون الاقتصادية، لقناة "الحرة" إن بغداد ودمشق تتشاركان الرغبة في استئناف تشغيل الخط، الأمر الذي سيعود بالنفع على البلدين وعلى لبنان أيضا.

"المناقشات بين الحكومتين مستمرة منذ فترة، وقد شهدت مؤخرا تقدما ملموسا على مستوى اللجان الفنية".

ويضيف صالح أن التركيز الحالي منصب على الجوانب اللوجستية والفنية والقانونية، لا سيما إعادة تأهيل البنية التحتية وضمانات الأمان اللازمة لتشغيل الخط بشكل مستدام.

ويؤكد أن إعادة تشغيل الخط ستسهم في تسريع خطة العراق لتنويع مسارات تصدير النفط، خصوصا نحو الأسواق الأوروبية:

"خط كركوك–بانياس يمنح العراق مرونة استراتيجية وتكلفة أقل، خاصة في ظل التحول الإقليمي نحو الاستقرار والتنمية المستدامة".

ويشير صالح إلى أن هذا المشروع يمكن أن يعزز الاستثمار في قطاع النفط العراقي ويساعد البلاد على الوصول إلى هدف إنتاج 6 ملايين برميل يوميا، تماشيا مع الطلب العالمي المتزايد في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية.

خلفية تاريخية

أُنشأ خط أنابيب العراق–سوريا عام 1934، بطول نحو 900 كيلومتر، ويمتد من حقول كركوك شمالي العراق مرورا بالأراضي السورية. وكان ينقسم إلى فرعين: أحدهما ينتهي في بانياس، والآخر في ميناء طرابلس في لبنان.

وقد شكل هذا الخط مسارا حيويا لتصدير النفط خلال القرن العشرين، حتى أوقفه النظام السوري عام 1982 أثناء الحرب العراقية–الإيرانية. ومنذ ذلك الحين، اعتمد العراق على مسارات أخرى مثل خط العراق–تركيا (ITP).

لكن أجزاء كبيرة من خط كركوك–بانياس تعرضت للدمار والسرقة، خاصة في المناطق السورية المتأثرة بالحرب، ولم يضخ العراق أي نفط عبر الأنبوب منذ أكثر من 40 عاما.

تحديات

يرى خبير الطاقة غوفيند شيرواني أن محاولات إحياء خط كركوك–بانياس مدفوعة حاليا باعتبارات سياسية أكثر من كونها اقتصادية أو تقنية.

وفي حديثه لـ"الحرة"، يحدد شيرواني ثلاثة عوائق رئيسية:

أولها الأمن، إذ يمر الخط عبر مناطق لا تزال خارج سيطرة الحكومة السورية، حيث تنشط خلايا داعش وجماعات مسلحة أخرى".

ويحذر شيرواني من أن ضمان الأمن الكامل على طول المسار شرط أساسي لأي تقدم.

العائق الثاني يتجسد في الحالة الفنية. ويشير خبير الطاقة إلى أن الخط الحالي "قديم، متآكل، وتعرض للتلف في عدة مناطق بشكل لا يمكن إصلاحه". هناك حاجة لإنشاء خط جديد كليا أو تعديل المسار بناء على الوضع الميداني.

وأخيرة العائق المالي، فبناء خط جديد بطول 800 كيلومتر سيستغرق من سنتين إلى ثلاث سنوات، وسيتطلب ميزانية تتراوح من 4 إلى 5 مليارات دولار، تشمل الأنابيب ومحطات الضخ ومراكز المراقبة والأمن.

خيارات بديلة

تزامنت عودة الاهتمام العراقي بالمسار السوري مع استمرار المفاوضات بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان والشركات الدولية لاستئناف صادرات النفط عبر تركيا، والتي توقفت منذ أكثر من عامين بقرار من محكمة التحكيم الدولية في باريس لصالح العراق في نزاعه مع تركيا بشأن صادرات نفط الإقليم.

وأوضح شيرواني أن مقارنة خطي بانياس وجيهان التركي أمر طبيعي، لكنه أضاف: "خط جيهان جاهز من الناحية الفنية، والعوائق أمامه محدودة تقنيا وماليا، أما خط بانياس فهو مشروع جديد تماما ويتطلب دراسة جدوى اقتصادية كاملة".

ومع ذلك، يرى شيرواني أن كلا المسارين مهمان ويتوافقان مع سياسة العراق الرامية إلى تنويع منافذ التصدير وتقليل الاعتماد على الممرات المهددة في منطقة الخليج، خاصة مع التوترات المستمرة بين إيران والولايات المتحدة وحلفائهما الإقليميين.

وبحسب خبراء اقتصاديين تحدثوا إلى "الحرة"، فإن إعادة تشغيل خط كركوك–بانياس قد تحقق عوائد مالية كبيرة لسوريا، من خلال خلق آلاف من فرص العمل، والمساهمة في إعادة إعمار ما دمرته الحرب، إضافة إلى دعم سوق الوقود المحلي عبر تكرير النفط العراقي بأسعار مخفضة في مصفاة بانياس.

العقبة الإيرانية

يؤكد المستشار الاقتصادي السوري، أسامة القاضي، أن المشروع اقتصادي في جوهره، لكنه معقد سياسيا وأمنيا، خاصة بسبب النفوذ الإيراني في العراق.

يقو القاضي إن المشكلة لا تتعلق بالبنية التحتية فقط، بل بوجود فصائل داخل العراق تعارض الحكومة السورية الجديدة، وتعتبرها دمشق أدوات إيرانية.

"طالما بقيت هذه الأطراف نشطة، لا أعتقد أن المشروع سيمضي قدما، حتى وإن تم توقيع الاتفاق".

ويرى القاضي أن على بغداد اتخاذ موقف واضح ضد التدخلات الخارجية. ويلفت إلى أن التوترات الطائفية ما زالت تعيق التعاون الإقليمي.

تفاؤل حذر

رغم أن إعادة إحياء خط كركوك–بانياس يمثل فرصة استراتيجية واقتصادية وجيوسياسية لكلا البلدين، لا تزال العقبات أمام تحقيقه كبيرة. ويعتمد التقدم في هذا المشروع على حلول هندسية واستثمارات مالية، إلى جانب تحسين الوضع الأمني وتسوية النزاعات السياسية العالقة.

في الوقت الراهن، يُعد المشروع اختبارا لإمكانية الاندماج الاقتصادي الإقليمي، وقدرة الدول الخارجة من النزاعات على التحول نحو تعاون مستدام.