الرئيس العراقي برهم صالح وولي عهد السعودية محمد بن سلمان في القمة الإسلامية بمكة. أرشيف
الرئيس العراقي برهم صالح وولي عهد السعودية محمد بن سلمان في القمة الإسلامية بمكة. أرشيف

يفوق الحجم الحالي للاستثمارات السعودية في العراق خمسة ملايين دولار أميركي، لكن طموحات الرياض تبدو أعلى من ذلك بكثير أمام حقيبة استثمارات عراقية تضم أكثر من ستة آلاف مشروع، بقيمة 100 مليار دولار.

كانت الأرقام السابقة محور حديث مجلس التنسيق السعودي-العراقي، خلال اجتماعه الأخير في أكتوبر الماضي، إلا أن اعتراضا حزبيا عراقيا على هذه المشاريع الاستثمارية ظهر حديثا قد يحبط طموح الرياض.

وكان وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح، الذي يترأس مجلس التنسيق السعودي-العراقي، توقع أن يصل حجم الاستثمارات السعودية إلى 2.6 مليار دولار تقريبا في قطاعات عراقية مختلفة، خاصة في مجال الطاقة والصناعة والثروة المعدنية والزراعة.

وشدد على أن بلاده جاهزة بتسريع تمويل المشاريع التنموية في العراق.

وأمام هذا الحماس السعودي، تزامن بيانان صادران من ميليشيا عصائب أهل الحق التي يتزعمها قيس الخزعلي، وائتلاف دولة القانون الذي يتزعمه رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي، في رفض استثمارات الرياض.

وزير التجارة السعودي ماجد القصبي بافتتاح القنصلية السعودية في بغداد في أبريل 2019.

وتقول المديرة التنفيذية ورئيسة الباحثين في منتدى صنع السياسات بلندن رنا خالد لموقع "الحرة": "العراق من أهم دول المنطقة، ويمتلك فرصا استثمارية ضخمة، ويمثل الفوز بهذه الاستثمارات مكسبا لأي دولة مثلما يمثل مكسبا للعراق، خاصة إذا كانت هذه الاستثمارات على أساس المنافع المتبادلة والاستثمار العادل الذي يضمن حقوق جميع الأطراف".

وأضافت "المشاريع السعودية تتنوع بين صناعية وزراعية، وسيشهدها عدد من المحافظات العراقية، من أبرزها الأنبار والبصرة والنجف والمثنى".

وقال زعيم تيار "مواطنيون" العراقي، غيث التميمي، لموقع "الحرة" إن المشروعات التي أشار إليها المالكي والخزعلي هي عبارة عن "استصلاح زراعي في محافظات المثنى والأنبار وذي قار". 

وأضاف "40 في المئة من الأراضي العرقية صحراء، مما سبب مشاكل بيئية وتغير مناخي يؤثر على العراق ودول المنطقة".

وفي هذا الإطار، قال المستشار في وزارة الخارجية السعودية سالم اليامي لموقع "الحرة" إن السعودية والعراق وقعتا، في الزيارات الأخيرة المتبادلة بين الطرفين، 13 اتفاقية، من بينها اتفاقيات تتعلق بالبنى التحتية للكهرباء والطاقة.

وأضاف اليامي: "شهد العراق، في السنوات الأخيرة، مشكلة كبيرة في الكهرباء التي تبيعها إيران بأسعار مرتفعة جدا وفي المقابل تقدم المملكة ودول الخليج هذه الخدمة كنوع من التعاون".

"العملاء يرفضون"

وعلق اليامي على بياني الخزعلي والمالكي بقوله: "عملاء إيران في العراق هم من يرفضون الاستثمارات السعودية من أجل استمرار مصالح إيران. هناك أطراف لا تريد للعلاقات العربية العراقية أن تتطور، وأن تنحصر علاقات بغداد مع طهران فقط".

ويرى اليامي أن العراق يحاول الآن التخلص من هذه السيطرة الإيرانية.

وفي هذا الإطار، تقول رنا خالد إن "العراق بجميع طوائفه وأطيافه متفق على ألا يخضع مستقبله وثرواته لأي إرادة خارجية، وأن من مصلحته أن يكون أرضا آمنة وجاذبة للاستثمار لأن هذه هي الوسيلة الوحيدة لإخراج البلاد من الفقر والبطالة".

لكن "الميليشيات وبعض الأحزاب السياسية العراقية تعبر عن وجهة النظر الإيرانية. والاستثمار في العراق يخضع لهيمنة القوى الموالية لإيران، بصرف النظر عن المصالح العراقية"، بحسب ما تقول.

وتابعت: "هذه القوى تردد خطابات تحريضية لتحريك الرأي العام في العراق، ولا تبالي بمصالح الناس، بل بتنفيذ الدور المطلوب منها وهو إعاقة الأطراف الإقليمية التي تتصارع مع إيران على الهيمنة والنفوذ في المنطقة".

ومضت تقول: "المشروعات السعودية لا تشكل تهديدا لتلك المليشيات، فهي ليست كيانات حرة، بل أدوات تستخدمها إيران".

وفي دلالة التوقيت المتزامن لبياني ائتلاف دولة القانون وعصائب أهل الحق، قالت رنا خالد إن "العراق واقع ضمن محيط السيطرة الإيرانية، وطهران تواصل رسائلها عن أن قرارات التنمية والاستثمار في العراق لا تختلف عن قرارات الأمن والسياسة، كلاهما يخضع لمصالحها وهيمنتها".

ويصف التميمي الخزعلي والمالكي بأنهما "أخطر الأدوات الإيرانية" في العراق، 

ما بعد النفط؟

وتقول رئيسة الباحثين في منتدى صنع السياسات بلندن إن الاستثمارات السعودية تأتي في إطار بحث العراق عن حلول لأزمته الاقتصادية التي وصفتها بـ"الخانقة".

وأضافت أن هذه الحلول لابد أن تكون "خارج معادلة النفط الذي لم يعد يقوى على سد احتياجات العراق الاقتصادية، وإسناد العجز الاقتصادي المتزايد.

إلا أن إيران لا تريد أن يخرج العراق عن إطار هيمنتها، بينما هي غير قادرة على تقديم تقدم فرص استثمارية قيمة بسبب أوضاعها الاقتصادية الصعبة، لذلك هي تحاول أن تعرقل الاستثمار في العراق عبر وكلائها وأتباعها".

ووصفت الباحثة في الشأن العراقي هذه الهيمنة الإيرانية بأنها "جزء من أزمة العراق الاقتصادية، مضاف إليها ضعف الدولة العراقية ومؤسساتها وعدم قدرتها على موازنة الضغوط الإقليمية ودورها في الاقتصاد والتنمية في العراق".

ويمثل انخفاض الإيرادات النفطية كارثة بالنسبة للعراق، كونه يعتمد على موارد النفط لتمويل أكثر من 90 في المئة من ميزانية البلاد.

وقد يواجه العراق، ثالث أكبر مصدر للنفط في العالم، انهيارا اقتصاديا بعد أن أدت جائحة كورونا إلى تراجع الطلب العالمي على الطاقة وبالتالي انخفضت الأسعار.

ويعتقد التميمي أن الدافع الأساسي وراء انضمام "عشرات الآلاف" من الشباب العراقي للأحزاب وميليشيات الحشد الشعبي هو قلة فرص العمل في العراق، مضيفا "المشاريع الجدية ستستقطبهم". 

ويقول التميمي إن الاستثمارات "العملاقة" للسعودية وغيرها من الدول العربية في العراق ستكشف "وهم" المشاريع الإيرانية، مشيرا إلى ما وصفها بسياسة "الهدم" التي تتبناها إيران من أجل السيطرة على العراق.

وعدد زعيم تيار مواطنيون "البديل الإيراني" الذي كان يظهر في كل أزمة يمر بها العراق، تكون إيران سببا فيها في الأصل، مثل إتلاف الأراضي الزراعية في محافظة البصرة ليكون استيراد المحاصيل الإيرانية هو البديل.

وأضاف "المملكة تريد إعادة إعمار المدن التي تضررت من احتلال تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وتساعد الوسط والجنوب الشيعي. السعودية يهمها استقرار العراق". 

وتابع: "المشاريع السعودية ستضع منظومة طهران على المحك. الدول العربية يمكن أن تكون شريكا حقيقيا للعراق".

هل نتعامل مع دولة؟

وينفي المستشار السعودي سالم اليامي أية عقبات تقف حائلا أمام مشاريع الرياض المقررة في العراق، قائلا: "الموضوع واضح ولدينا القدرة على تنفيذ هذه المشروعات".

لكنه شدد على ضرورة أن يثبت الجانب العراقي، للعرب خصوصا، أنهم يتعاملون مع دولة.

وأشار اليامي إلى حادثة مقتل مدير شركة كورية جنوبية التي شهدها العراق، في شهر أكتوبر الماضي.

وكان عامل عثر على جثة بارك شول، مدير مكتب شركة "دايو للهندسة والكهرباء" الكورية الجنوبية في العراق، معلقة في مجمع الشركة على بعد عدة كيلومترات من موقع ميناء الفاو الكبير الذي تشرف شركته على تنفيذ بناءه.

وبحسب اليامي، فإن "التحقيقات أوضحت أن قوة عشائرية وميليشاوية تقف وراء قتل الرئيس التنفيذي للشركة التي تنفذ بناء ميناء الفاو الكبير".

وتابع: "لم يستطع العراق حتى الآن أن يتصدى لهذه القوى، وهناك دولة داخل دولة". 

ما نعرفه في العلاقات الدولية أنه على الطرف المستقبِل أن يؤمن الحماية للقائمين على المشروعات الاستثمارية".

وفي حالة العراق، نحن نتحدث عن علاقات مع طرف ما فاعل دون الدولة، عبارة عن عصائب وتنظيمات ميليشياوية.

ويعتقد اليامي أن ما يشهده العراق حاليا يكشف "قدرة الدولة على فرض سيطرتها الحقيقة"، قائلا إن الأيام ستثبت ما سبق وأعلنه رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي بشأن رغبته في فرض سيطرة الدولة".

العراق يتعرض لضغوط من الولايات المتحدة لتقليل اعتماده على واردات الطاقة والغاز من إيران
العراق يتعرض لضغوط من الولايات المتحدة لتقليل اعتماده على واردات الطاقة والغاز من إيران | Source: social media

أعلنت السفارة الأميركية في العراق، الأربعاء، توقيع اتفاقيات استراتيجية بقيمة مليارات الدولارات بين شركتي "جي إي فيرنوفا" و"يو جي تي رينيوابلز" الأميركيتين والحكومة العراقية، ممثلةً برئيس الوزراء محمد شياع السوداني.

وأعربت السفارة في بيان مقتضب على منصة "إكس" عن فخرها بهذه الشراكة، مؤكدة أن "التميّز الذي تتمتع به الولايات المتحدة في قطاع الطاقة يساهم في دفع عجلة التقدم العالمي".

وأشارت إلى أن هذه الاتفاقيات تمثل خطوة مهمة في دعم جهود العراق لتلبية احتياجاته المتزايدة من الطاقة وتحقيق الاستقرار في هذا القطاع الحيوي.

بدوره قال المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي إن بغداد وقعت مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة بشأن مشروعات تشمل محطات كهرباء بقدرة 24 ألف ميغاواط.

وألغت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الشهر الماضي إعفاء من العقوبات سمح للعراق منذ 2018 بسداد ثمن الكهرباء لإيران، وذلك في وقت تواصل فيه واشنطن حملة "أقصى الضغوط" على طهران.

ويستخدم العراق، ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) بعد السعودية، واردات الطاقة الإيرانية لتوليد الكهرباء، ويتعرض لضغوط من الولايات المتحدة لتقليل اعتماده على واردات الطاقة والغاز من إيران.