رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض ومسؤول أمن الحشد أبو زينب اللامي
رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض ومسؤول أمن الحشد أبو زينب اللامي

حملة اعتقالات داخل صفوف الحشد الشعبي بالعراق، طالت أسماء بارزة في ميليشيات مسلحة، منهم، حامد الجزائري، القيادي السابق في ميليشيا سرايا الخراساني. ونحو 40 شخصا تمت مداهمة منازلهم واعتقالهم ايضا.

الاعتقالات، وكما تقول مصادر عراقية، نفذها جهاز أمني تابع للحشد، بهدف ملاحقة الفادين ومن يستغلون النفوذ لتحقيق مصالح شخصية، لكن آخرين آشاروا إلى أنها تصفية حسابات بين قوى تتصارع داخل الميليشيات الموالية لإيران.

ويقول الخبير في الشؤون الأمنيية العراقية، فاضل أبو رغيف، لـ"موقع الحرة" إن اعتقال الجزائري تم بسبب "خرق أمني"، و"مخالفته للأوامر".

في حين يرى المحلل السياسي العراقي، رعد هاشم، أن ما حدث ما هو إلا بمثابة "مسرحية وللتورية على جرائمه" في إشارة إلى الانتهاكات التي يرتكهبا الحشد الشعبي بحق العراقيين وخاصين الناشطين في التظاهرات الشعبية. 

هيئة الحشد الشعبي من جهتها لم تصدر بيانا يوضح طبيعة حدث، بينما ذكرت وسائل إعلام عراقية، أن اعتقال الجزائري جاء على خلفية تهم تتعلق بالفساد والتهريب واستغلال النفوذ. 

ويوضح أبو رغيف أن "حامد الجزائري، منذ مدة، توجد ضده مخالفات كثيرة، أمس الأول كانت هناك مخالفة تعبوية، حيث أخذ مجموعة من المقاتلين، وذهب إلى الأنبار، ولم يحصل على الإذن بحركته، وهذا يعد خرقا أمنيا واضحا لا يصح أن يقوم به، فضلا عن شبهات لم يتم التحقق والتدقيق فها حتى الآن، قد تتعلق بالفساد". 

ويقول المحلل في الشؤون الأمنية العراقية حسين علاوي لـ"موقع الحرة إن "هناك تنافسا في القيادة، وصراعا بين قيادات الحشد الشعبي، وعملية استبعاد تمت للجزائري قبل أشهر قليلة، لكن ثنايا هذا الموضوع الآن تحتاج إلى توضيح من الحشد الشعبي، وما هو السبب الذي دفع قيادة الحشد إلى اعتقال مقاتلين ضمن اللواء الثامن عشر".

وكان رئيس هيئة الحشد الشعبي، فالح الفياض، قد أصدر قرارا في يوليو الماضي يقضي بـ"إنهاء تكليف حامد هادي الجزائري من مهام آمر اللواء الثامن عشر". 

لكن هاشم يرى أن إبعاد الجزائري "كان بشكل ظاهري فقط للتورية عليه لأنه ورد اسمه ليس اسمه ليس مرتبطا بالفساد فقط، بل في جرائم متعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان وقمع التظاهرات، وكان متهما هو وأتباعه في سرايا الخراساني بفضيحة قنص المتظاهرين"، مضيفا أنه "رغم إبعاده رسميا كما يدعون، إلا أن أتباعه باقون في نفس اللواء، وبالتالي هو ليس مستعبدا بشكل عملي". 

ويشار إلى أن جميع عناصر اللواء 18 في الحشد الشعبي ينتمون لميليشيا سرايا الخراساني. 

ويتهم ناشطون عراقيون "سرايا الخراساني" بالمشاركة في عمليات قتل عشرات المتظاهرين العراقيين، منذ بدء الاحتجاجات في البلاد في أكتوبر من العام الماضي.

تظاهرات سابقة في بغداد شهدت اشتباكات أدت إلى سقوط جرحى

وكان مصدر من داخل هيئة الحشد الشهبي قد أكد لـ"موقع الحرة" أن " الفياض أقدم على استبعاد الجزائري في محاولة منه لامتصاص غضب الأميركيين والتقرب منهم".

وأضاف أن "إقالة الجزائري تمت بالتنسيق مع قادة الميليشيات داخل هيئة الحشد وبإيعاز من طهران، من أجل تغيير الوجوه المستفزة في الهيئة وتعيين بدلاء عنهم لكن من نفس الانتماء".

في المقابل يقول أبو رغيف إن مديرية الأمن في الحشد الشعبي سبق لها أن اعتقلت أشخاصا خالفوا اللوائح الانضباطية، ومنهم من صدر بحقه حكم بالإعدام، فهي ليست تصفية حسابات بقدر ما هي عملية غربلة للمفسدين في المراحل السابقة". 

لكن هاشم يعتقد أن "هذه العملية عندما يقوم بها أمن الحشد منفردا بدون مشاركة الأجهزة الأمنية الأخرى، فإنها تثير الكثير من التساؤلات خاصة أن مسؤول أمن الحشد الشعبي أبو زينب اللامي هو قريب من الجزائري، وكان برفقته عندما شن الهجوم على المتظاهرين". 

ويوضح أن "الجزائري واللامي مشتركان في نفس الجريمة، وعندما يقبض أحدهما على الآخر، فهذه تورية أو مداراة لجريمة أكبر خشية أن تكتشف، أو أن نظام الملالي هو من يقف وراء هذا من خلال تقديم كبش فداء في ظل المطالبات بمقاضاة ومحاكمة من تسبب في قتل المتظاهرين".

ومعروف أن الحشد الشعبي موال لإيران وينفذ أجندة طهران في العراق بدعم من الحرس الثوري، حيث نفذ هجمات ضد المتظاهرين المدنيين لمجرد أنهم هتفوا بخروج إيران من بلدهم ومنعها من التدخل في الشأن العراقي. كما ان وجود الحشد الشعبي يثير قلق قوى دولية وإقليمية حيث تعاني الحكومة العراقية وأجهزة الدولة الأمنية من عقبات يضعها الحشد أمامها للسيطرة على الوضع الأمني في البلاد.

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.