محل لبيع المشروبات الكحولية تعرض للتفجير في بغداد.. أرشيف
محل لبيع المشروبات الكحولية تعرض للتفجير في بغداد.. أرشيف

تصاعدت الهجمات ضد المحلات التجارية التي بيع المشروبات الكحولية في بغداد، بعد استهداف ثلاثة منها في أقل من 24 ساعة، في مناطق متفرقة من العاصمة، أدت العبوات الناسفة التي استخدمت في تفجير أحدها إلى إصابة شخصين.

وقال مصدر من شرطة العاصمة إن "بغداد شهدت ثلاث تفجيرات، استهدفت كلها محال بيع مشروبات كحولية في منطقة الأعظمية، وباب المعظم وشارع النضال في العاصمة"، مضيفا أن "تفجير شارع النضال كان مزدوجا، إذ استهدف محلا لبيع المشروبات الكحولية بعبوة ناسفة وأيضا سيارة صاحبه بعبوة لاصقة."

ونقل شخصان إثر الانفجار إلى المستشفى، أحدهما كان في السيارة المستهدفة وهو يعاني من جراح خطرة، وهناك أنباء عن وفاته متأثرا بجراحه.

"أهل المعروف"

وتبنت مجموعة تطلق على نفسها اسم "أهل المعروف" المسؤولية عن انفجار باب المعظم، وانفجار آخر مماثل في الأعظمية، بحسب بيانات نشرت على مجموعات تلغرام معروفة بمساندتها للميليشيات.

ولم تتبن المجموعة انفجار شارع النضال، لكن المصدر الأمني يقول إن من المرجح أن المجموعة نفسها مسؤولة عن التفجير.

ومنذ أكتوبر من العام الماضي، تزايد استهداف محال تفجير المشروبات الكحولية في العاصمة بشكل كبير.

وقال تاجر مشروبات كحولية من بغداد، طلب عدم الكشف عن اسمه إن "المحلات التي تعرضت للهجوم كانت تدفع مقابل الحماية لمجموعات مسلحة، لكن هذا لم يعد كافيا كما يبدو".

ويقول التاجر لموقع "الحرة"، إن "قطاع بيع الكحول مهم اقتصاديا، والحرمان من العمل فيه حتى مع امتلاك الباعة لرخص رسمية، يعني إن حظوظ البقاء في هذه البلاد تتناقص".

يدير معظم الشركات مسيحيون أو إيزيديون، وهم أقليات مُنحوا لعقود التراخيص اللازمة لبيع الكحول في العراق.

"إتاوات"

وتسري معلومات في العراق أن مجموعات تابعة للميليشيات تفرض إتاوات على تلك المحلات مقابل الحماية. ولا تكتفي هذه المجموعات بفرض إتاوات، وإنما تفرض إغلاق محلات بيع المشروبات والنوادي الاجتماعية في مناسبات معينة، مثل المناسبات الدينية أو السياسية، وقد فرضت مؤخرا إغلاقا بمناسبة ذكرى مقتل أبو مهدي المهندس وقاسم سليماني، بحسب النائب العراقي السابق جوزيف صليوا.

وقال صليوا لموقع "الحرة" إن "المجموعات هذه أمرت بإغلاق المطاعم ومحال المشروبات بمناسبة مرور سنة على مقتل سليماني والمهندس، ثم احتجزوا بعض أصحاب المحال والمطاعم حتى بعد انتهاء المناسبة"، مضيفا "يأتي مسلحون ملثمون يحملون شعارات دينية، ويهددون أصحاب المحال بدفع جزء من أرباحهم أو بترك العمل".

وتابع صليوا "يخاف أصحاب المحال من أولئك الملثمين الذين يحملون أسلحة ويستقلون سيارات مدرعة أو لاتحمل أرقاما، فينصاعون لتهديداتهم".

وكشف صليوا إن بعض تلك المجاميع تستثمر في تجارة المشروبات الكحولية من خلال "السيطرة على نوادي اجتماعية مثل نادي المشرق التابع للمسيحيين الكلدان، وتشغيل عمال مسيحيين وإيزيديين فيه والسيطرة على كل الأرباح".

وقال الصحفي، سامان داود، لموقع "الحرة" إن "استهداف محلات المشروبات الكحولية يندرج تحت بند التعدي  على حقوق الإنسان بحجة دينية، وكذلك له بعد اقتصادي آخر وهو امتناع  بعض المحلات عن دفع الإتاوات لجهة إرهابية تأخذ مبالغ مالية مقابل الحصول على الحماية".

وبجسب داود، فإن "أغلب محلات المشروبات الكحولية تتبع جهة معينة وتدفع لهم إتاوات مالية، وأحيانا يكونوا شركاء في المحل والدخل"، مؤكدا أن "الهجمات الأخيرة الحاصلة في بغداد، هي هجمات تصنيفها إرهابي بحت، ومن قبل مليشيات معروفة ومسيطرة على بغداد بشكل مناطقي، والحكومة العراقية عاجزة على مواجهة هذه المليشيات، ولا تستطيع حماية العاملين في مجال بيع المشروبات الكحولية رغم أنها مرخصة من قبل الحكومة".

"أهل المعروف"

ورغم أن دولا إسلامية تراجعت عن فكرة تشغيل أجهزة شرطة دينية تراقب الناس، مثل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السعودية التي تقلص دورها مؤخرا، إلا أن بغداد تشهد تناميا لهذا الأمر، حيث ظهرت جماعة "أهل المعروف" قبل أشهر بالتزامن مع ظهور مجموعات مسلحة أخرى، ويبدو أن كل واحدة من هذه المجموعات لها هدف محدد وتتبع جهات محددة غير حكومية.

أهل الكهف، على سبيل المثال، هي المجموعة المتخصصة بإعلان المسؤولية عن الأعمال المسلحة ضد المصالح الأميركية، فيما تتخصص جبهة "أبو جداحة" وجماعة "ربع الله" بإحراق وسائل الإعلام التي ينتمي لها سياسيون معادون للميليشيات، أو التي تبث برامج تنتقد تصرفاتها.

أما "أهل المعروف" فهم متخصصون بالتضييق على الحريات الشخصية كما يبدو من بياناتهم، إذ هددوا المحتفلين في رأس السنة الميلادية، وهددوا باعة المشروبات الكحولية ومحال الموسيقى.

ونهاية العام الماضي، أعلنت إحدى هذه الجماعات وتدعى "ربع الله" مسؤوليتها عن مداهمة صالون للتدليك في قلب بغداد والاعتداء الجسدي على النساء في الداخل. كما أعلنت جماعة أخرى تطلق على نفسها اسم "أهل القرى" أنها قصفت ملهى ليلي تحت الأرض.

وبالرغم من أن هذه الجماعات تدعي أنه ليس لها صلة سياسية رسمية، إلا أن المهاجمين حملوا علم الحشد الشعبي، الموالية لإيران، أثناء عمليات التفجير.

ويعتقد الخبير العراقي في الشؤون الأمنية، عبد الرزاق المهنة، أن "كل هذه المجموعات هي مجموعة واحدة تعمل ضمن خطوط متوازية".

ويقول المهنة لموقع "الحرة" إن ظهور هذه المجاميع المتزامن لم يكن اعتباطيا، كما إن ترويج منصات الميليشيات الإعلامية لها، يعني أنها تابعة لنفس الجهة التي تدير هذه المنصات وهي الميليشيا.

واتهمت تقارير صحفية متعددة ميليشيا العصائب (أهل الحق) بالمسؤولية عن تلك الجماعات، لكن الميليشيا نفت.

مع هذا، يقول المهنة "يمكنك ملاحظة الشبه في الأسماء "أهل المعروف وأهل الكهف وأهل الحق"، وكذلك في طريقة العمل، هناك تشابه كبير، ويضيف "تستفيد هذه المجموعات من امتناع كثيرين عن الدفاع عن باعة تلك المحلات، حتى مع كونهم مرخصين، كما إن الشرطة تتجاهل التهديدات ضدهم".

وفي يونيو الماضي، أشاد المستشار الأمني لكتائب حزب الله العراقية الموالية لإيران بهذا التفجير، وكتب في تغريدة على موقع تلغرام: "مع صوت قرآن الفجر، أطرب أرواحنا قبل مسامعنا، صوت تخريب محلات الخمور في الكرادة. سلمت أياديكم الطاهرة، اعملوا لرفع الحٌرمة عن إخوانكم القاعدين"، بحسب وكالة فرانس برس.

وأضاف: "مواجهة المنكرات واجب لا يقل أجرا عن قتل عصابات داعش والاحتلال. أعيدوا لبلدكم ثقافة الأصالة والشرف ولا تهنوا ولا تحزنوا".

وعلى الرغم من أن الجماعة تبنت الهجمات أكثر من مرة، إلا أن الشرطة العراقية لا تزال تقيد الهجمات ضد "مجهول" كما يقول مصدر أمني في شرطة العاصمة.

وعلى مدار الشهرين الماضيين، تعرض ما لا يقل عن 14 متجرًا لبيع المشروبات الكحولية في جميع أنحاء المدينة للقصف بالقنابل الحارقة في منتصف الليل أو قبل الفجر بقليل، مع ثلاث هجمات متزامنة في مناطق مختلفة ليل الإثنين وحده.

الفصائل المسلحة الموالية لطهران في العراق تشكلت بدعم مالي وعسكري إيراني (رويترز)
الفصائل المسلحة الموالية لطهران في العراق تشكلت بدعم مالي وعسكري إيراني (رويترز)

قالت صحيفة "التايمز" البريطانية إن إيران نقلت صواريخ أرض أرض بعيدة المدى إلى وكلائها في العراق، يمكن أن يصل مداها لدول أوروبية.

ونقلت الصحيفة عن مصادر استخبارية إقليمية، لم تسمّها، القول إن الأسلحة نقلت إلى ميليشيالت موالية لإيران في العراق الأسبوع الماضي.، مضيفة أن هذه هي المرة الأولى التي تمتلك فيها ميليشيا متحالفة مع إيران صواريخ أرض-أرض بعيدة المدى في العراق.

وأشارت المصادر إلى أن عملية التسليم جرت عبر القوة الجوية التابعة للحرس الثوري الإيراني، مبينة أن الصواريخ يمكنها استهداف مناطق تمتد لغاية أوروبا.

وتابعت المصادر أن نوعين آخرين من الصواريخ، هما "قدس 351" المجنحة وصواريخ "جمال 69" الباليستية، جرى تهريبها إلى العراق الأسبوع الماضي، وكلاهما بمديات أقصر من صواريخ أرض-أرض.

وقال مصدر استخباراتي إقليمي للصحيفة إن "إيران نقلت مؤخرا صواريخ إلى الميليشيات الشيعية في العراق، بما في ذلك نماذج جديدة ذات مدى أطول، وهي صواريخ لم تُمنح لتلك الميليشيات في الماضي".

ووصف المصدر التحرك الإيراني بأنه "خطوة يائسة قد تعرض استقرار العراق للخطر".

ويتناقض هذا التطور مع التقارير التي وردت هذا الأسبوع من مسؤولين عراقيين وقادة كبار قالوا إن الميليشيات المدعومة من إيران في العراق "مستعدة لتسليم أسلحتها" لتجنب صراع محتمل مع الولايات المتحدة.

لكن مصدر دبلوماسي في المنطقة أبلغ صحيفة "التايمز" أن "الجهود التي لوحظت في آخر 48 ساعة لإنشاء صورة تُظهر أن الميليشيات تقوم بتسليم أسلحتها هي مجرد خدعة".

ولم يرد المتحدث باسم الحكومة العراقية على اتصالات موقع "الحرة" المتكررة وطلب مكتوب أرسل عبر الهاتف للتعليق على ما ورد في تقرير صحيفة "التايمز".

وتشكلت الفصائل المسلحة الموالية لطهران في العراق بدعم مالي وعسكري إيراني في فترة فوضى أعقبت الإطاحة بنظام صدام حسين في 2003.