وزير الدفاع التركي خلوصي آكار خلال لقاء مع رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي
وزير الدفاع التركي خلوصي آكار خلال لقاء مع رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي

زيارة مفاجئة وللتوقيت الذي جاءت فيه دلالات عدة، فمن بغداد إلى أربيل يجري مسؤولون أتراك على رأسهم وزير الدفاع، خلوصي آكار، ورئيس الأركان، يشار غولر، لقاءات واجتماعات عنوانها العام "تعزيز التعاون العسكري والأمني"، بينما تخفي في طياتها حسب مراقبين تفاصيل قد تتضح معالمها في المرحلة المقبلة، وقد تؤسس لمشهد أمني جديد على الحدود المشتركة التي ترى منها أنقرة تهديدا كبيرا لأمنها القومي. 

ومنذ الاثنين حظيت الزيارة التي لم يعلن عنها في وقت مسبق تغطية واسعة من جانب وسائل الإعلام التركية، بينها صحفٌ عنونت صفحاتها الأولى بأن "ملف سنجار موجود على الطاولة بين أنقرة وبغداد"، في حين ذهب صحفيون أتراك للحديث عن خطة من ثلاث مراحل يدرسها الطرفان في إطار الزيارة، والتي تصب آخر محطاتها في أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق. 

وكان آكار برفقة غولر قد التقيا بالرئيس العراقي، برهم صالح، ورئيس وزرائه، مصطفى الكاظمي، وذكر بيان للمكتب الإعلامي لرئاسة الجمهورية العراقية رفض بغداد أن تكون منطلقا للاعتداء على أي أحد، مع ضرورة خفض التوترات في المنطقة، والركون إلى الحوار البناء في حسم المسائل العالقة، والتعاون والتنسيق الإقليمي لمواصلة الحرب على "الإرهاب"، بحسب البيان.

وأكد الكاظمي رفض بلاده أي تهديد يستهدف الجارة تركيا، من الأراضي العراقية، كما لفت لضرورة تفعيل الاتفاقيات التي جرى أُقرت خلال زيارته الماضية إلى أنقرة، بالإضافة إلى أهمية التزام أنقرة بتنفيذ تعهداتها الاستثمارية التي قطعتها في مؤتمر الكويت لدعم العراق، عام 2018، بحسب البيان.

منذ اطلاق تركيا عملية "مخلب النمر" في منتصف يونيو، قتل خمسة مدنيين على الأقل في شمال العراق

أما في أربيل فالتقى المسؤولون العسكريون الأتراك الثلاثاء مع رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني والرئيس مسعود بارزاني ووزير البشمركة في الإقليم، شورش إسماعيل، وسلطت اللقاءات الضوء على الوضع السياسي والتحديات والمستجدات في العراق والمنطقة، إلى جانب تأكيد الطرفين على أهمية "تطبيق اتفاقية سنجار". 


"خطة ثلاثية".. البداية من سنجار

أهمية الزيارة تأتي أولا، حسب محليين، من أنها لشخصيات أمنية وعسكرية خالصة، وخاصة مع وجود رئيس الأركان يشار غولر، وترتبط الأهمية بها أيضا كونها جاءت بعد أقل من شهر على زيارتين للجانب العراقي إلى أنقرة، إذ وصل رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، إلى تركيا، في 17 من ديسمبر 2020، في زيارة هي الأولى له منذ توليه منصبه في مايو الماضي.

والتقى الكاظمي خلال زيارته السابقة بالرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، وحصل العراق على منحة تركية بقيمة 5 مليون دولار، وعقب ذلك زار وزير الدفاع العراقي، جمعة عناد، أنقرة في 27 من ديسمبر 2020، بناء على دعوة تلقاها من نظيره التركي، ولم تتكشف تفاصيلها في ذلك الوقت. 

كانت طائرة تركية مسيرة قد استهدفت اجتماعا لضباط من حرس الحدود العراقي وعناصر من حزب العمال الكردستاني

الكاتب والصحفي في موقع "خبر تورك"، جيتين جيتن، تحدث في مقالة له الثلاثاء عن خطة من ثلاث مراحل تدرسها أنقرة لتحجيم نفوذ "حزب العمال" في سنجار، ليتم الانتقال فيما بعد إلى نشاطاته العسكرية في سوريا.

المرحلة الأولى حسب الكاتب التركي، هي التوجه إلى إنهاء وتقييد أنشطة "حزب العمال الكردستاني" (pkk) في منطقة سنجار المحاذية لسوريا، مشيرا "بهذه الطريقة، فإن الرأي السائد هو أن علاقة التنظيم بسوريا ستنقطع بطريقة مشابهة لجبال قنديل في غضون عامين".

أما المرحلة الثانية ستتجه أنقرة فيها إلى قتال "الفرع السوري لحزب العمال" في الداخل السوري، لكن هذا الأمر سيصطدم بموقف الولايات المتحدة الأميركية، والذي لايزال غير واضحا حتى الآن.

ويتابع الكاتب التركي: "المرحلة الثالثة تتضمن عملية الترميم والعودة إلى الوضع الطبيعي، وضمنها سيتم تعزيز خط التواصل بين أنقرة وموسكو بشأن المحادثات السورية".

ويشير جيتين إلى أنه "تم تقديم توقعين مهمين خلال زيارة الوزير آكار إلى بغداد، حيث اقترحت أنقرة عملية مشتركة بدعم من إدارتي بغداد وأربيل، على أن يتم التحرك فيها في النصف الثاني من مارس المقبل، وانطلاقا من 9 نقاط مختلفة. 

أنقرة تواصل شن عمليات عسكرية ضد حزب العمال الكردستاني شمال العراق

وإلى جانب ما ذكره الكاتب التركي في "خبر تورك" نشرت صحيفة "أيدنليك" التركية على غلاف عددها الصادر الثلاثاء خريطة لمنطقة سنجار والمناطق التي تسيطر عليها "وحدات حماية الشعب" المتهمة بتبعيتها لـ"العمال الكردستاني" في سوريا، وقالت إن "سنجار على طاولة المحادثات" بين آكار وغولر والمسؤولين العراقيين.

وأضافت الصحيفة نقلا عن مصادر لم تسمها أن تركيا تولي أهمية كبيرة لمنطقة سنجار، كونها صلة الوصل التي يستخدمها مقاتلو "حزب العمال" لدعم النفوذ في مناطق شرق سوريا. 

زيارة عسكرية بحتة

الكاتب والصحفي التركي، حمزة تكين، يرى أن وصول خلوصي آكار برفقة رئيس الأركان إلى العراق "أمرا طبيعيا، كون العراق دولة جارة لتركيا، وهناك تعاون عسكري بين الطرفين فيما يخص مكافحة الإرهاب، وتعاون في التدريبات التي تقدمها القوات العسكرية التركية للجيش العراقي".

ويقول تكين المقرب من الحزب الحاكم: "الزيارة تعتبر استكمالا للمواضيع بين الطرفين وتأكيدا على نقطة أساسية هي محاربة التنظيمات الإرهابية، وخاصة حزب العمال الكردستاني، والذي يهدد اليوم وحدة الأراضي العراقية والحدود التركية مع العراق".

ويضيف الصحفي التركي في تصريحات لموقع "الحرة": "المصلحة مشتركة بين أنقرة وبغداد لمحاربة التنظيم الإرهابي، وخلال الزيارة وفقا لما وصلنا كانت وجهات النظر العراقية والتركية متطابقة بنسبة 100 في المئة حول مواجهة العمال الكردستاني".

ويشير تكين إلى أن المرحلة المقبلة ستتجه أنقرة إلى توسيع عملياتها العسكرية شمال العراق، لكن "بالتعاون مع الحكومة العراقية في بغداد، وكذلك بالتعاون مع سلطات أربيل، والتي خرجت منها أجواء إيجابية اليوم"، لا سيما بعد فشل اتفاق سنجار والذي يقضي بانسحاب "حزب العمال" من المنطقة.

وكانت بغداد وأربيل أعلنتا في أكتوبر الماضي التوصل إلى اتفاق وصفتاه بـ "التاريخي" بشأن إدارة منطقة سنجار.

ومن أبرز بنود الاتفاق تشكيل إدارة مشتركة بالتعاون بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان وإلغاء الترتيبات التي وضعت بعد عام 2017. مع تكليف الشرطة الاتحادية بتولي مهام الأمن في المنطقة بالتعاون مع إقليم كردستان.

أما البند الثالث، فيشمل الخدمات، وتتم أيضا بالتعاون بين الطرفين لإعادة إعمار سنجار التي تضررت بمستوى ثمانين في المئة بسبب احتلالها من قبل داعش، كما نص الاتفاق على إخراج عناصر حزب "العمال الكردستاني" وفصائل "الحشد الشعبي" منها، لأجل إعادة النازحين.

خطوة استباقية من تركيا

من جانبه اعتبر المحلل السياسي العراقي، عمر عبد الستار أن زيارة المسؤولين الأتراك إلى بغداد وأربيل لا يمكن إخراجها من إطار "العسكرة"، نظرا للشخصيات العسكرية التي تصدرتها، مشيرا إلى أن اتفاق سنجار الذي لم ينفذ إلا شكليا حتى الآن كان أساس النقاشات. 

ويقول عبد الستار في تصريحات لموقع "الحرة" إن الإشكالية في الوقت الحالي لا تكمن في تركيا بل في العراق، حيث تعجز بغداد حتى الآن عن التعامل مع ملفي "الحشد الشعبي" و"العمال الكردستاني" في منطقة سنجار.

وبالتالي هناك صعوبات كبيرة تقف أمامها بغداد فيما يخص منطقة سنجار، كون الكلمة الأولى فيها لإيران، من خلال قوات "الحشد الشعبي" التي تدعمها والمنتشرة فيها، إلى جانب "العمال الكردستاني"، والذي يتلقى دعما منها أيضا بشكل أو بآخر.

ومن جانب آخر ربما تحاول تركيا من خلال هذه الزيارة، حسب المحلل العراقي بأن تتخذ خطوات استباقية قبل وصول الإدارة الأمريكية الجديدة إلى البيت الأبيض. 

ويوضح: "التحركات التركية في الوقت الحالي مهمة بالنسبة لأنقرة، في مواجهة مرحلة بايدن، لأن الأخير سيركّز على الشأن الإقليمي، وربما سينفتح بطريقة جديدة". 

الفصائل المسلحة الموالية لطهران في العراق تشكلت بدعم مالي وعسكري إيراني (رويترز)
الفصائل المسلحة الموالية لطهران في العراق تشكلت بدعم مالي وعسكري إيراني (رويترز)

قالت صحيفة "التايمز" البريطانية إن إيران نقلت صواريخ أرض أرض بعيدة المدى إلى وكلائها في العراق، يمكن أن يصل مداها لدول أوروبية.

ونقلت الصحيفة عن مصادر استخبارية إقليمية، لم تسمّها، القول إن الأسلحة نقلت إلى ميليشيالت موالية لإيران في العراق الأسبوع الماضي.، مضيفة أن هذه هي المرة الأولى التي تمتلك فيها ميليشيا متحالفة مع إيران صواريخ أرض-أرض بعيدة المدى في العراق.

وأشارت المصادر إلى أن عملية التسليم جرت عبر القوة الجوية التابعة للحرس الثوري الإيراني، مبينة أن الصواريخ يمكنها استهداف مناطق تمتد لغاية أوروبا.

وتابعت المصادر أن نوعين آخرين من الصواريخ، هما "قدس 351" المجنحة وصواريخ "جمال 69" الباليستية، جرى تهريبها إلى العراق الأسبوع الماضي، وكلاهما بمديات أقصر من صواريخ أرض-أرض.

وقال مصدر استخباراتي إقليمي للصحيفة إن "إيران نقلت مؤخرا صواريخ إلى الميليشيات الشيعية في العراق، بما في ذلك نماذج جديدة ذات مدى أطول، وهي صواريخ لم تُمنح لتلك الميليشيات في الماضي".

ووصف المصدر التحرك الإيراني بأنه "خطوة يائسة قد تعرض استقرار العراق للخطر".

ويتناقض هذا التطور مع التقارير التي وردت هذا الأسبوع من مسؤولين عراقيين وقادة كبار قالوا إن الميليشيات المدعومة من إيران في العراق "مستعدة لتسليم أسلحتها" لتجنب صراع محتمل مع الولايات المتحدة.

لكن مصدر دبلوماسي في المنطقة أبلغ صحيفة "التايمز" أن "الجهود التي لوحظت في آخر 48 ساعة لإنشاء صورة تُظهر أن الميليشيات تقوم بتسليم أسلحتها هي مجرد خدعة".

ولم يرد المتحدث باسم الحكومة العراقية على اتصالات موقع "الحرة" المتكررة وطلب مكتوب أرسل عبر الهاتف للتعليق على ما ورد في تقرير صحيفة "التايمز".

وتشكلت الفصائل المسلحة الموالية لطهران في العراق بدعم مالي وعسكري إيراني في فترة فوضى أعقبت الإطاحة بنظام صدام حسين في 2003.