تدريبات تقنية على يد خبراء من "حزب الله"
تدريبات تقنية على يد خبراء من "حزب الله"

"تم تهديدي بحرق منزل والدتي في الموصل وقتل شقيقي وتصفيتي"، بهذه العبارة يشكو أحد الناشطين البارزين في المدينة خطورة التهديدات التي يتعرض لها بعض الناشطين العراقيين عبر  الجيوش الإلكترونية، بعد حملة تشهير ممنهجة تسبق التهديدات.

والجيوش الإلكترونية هي مصطلح يطلق على مجموعات مدربة تعمل وفق أجندات خاصة وتهدف إلى التأثير على الخصوم، والترويج لوجهة نظر معينة، وإسكات وتشويه سمعة المناوئين، إلى جانب ترويج الإشاعات والأكاذيب وخلق البلبلة، عبر حسابات بأسماء وهمية تدار عن طريق روبوتات (Bots).

وأضاف الناشط، الذي رفض الكشف عن هويته لدواع أمنية في حديثه لموقع "الحرة"، أنّه "تم اتهامنا بالعمالة والتشهير بأسمائنا وذلك لإيجاد حجة قوية لتصفيتنا".

ومؤخرا، يواجه ناشطون وصحافيون في العراق حملة من الاتهامات والتهديدات عبر مواقع التواصل الاجتماعي من حسابات وهمية ومجهولة الهوية، تحمل صور شخصيات معروفة أو ميليشيات وفصائل منطوية تحت "الحشد الشعبي".

 يقول "الناشط الموصلي": "غالبية الرسائل تصل من حسابات تحمل صورة القائد السابق لفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، أو لعلم كتائب حزب الله، فضلاً عن اتصالات نتلقاها لتبشيرنا بالقتل على حد قول المتصل".

وتستفيد الفصائل المسلحة والأحزاب السياسية في العراق من "الجيوش الإلكترونية" أو كما يسميه البعض "الذباب الإلكتروني"، من أجل الدعاية والتسويق، وأيضاً توجيه الانتقادات وشنّ حملات ترهيب وتهديد لكم أفواه المعارضين.  فما هي طبيعة هذه الجيوش؟ متى تم تأسيسها في العراق؟ وكيف تدير عملياتها؟

يواجه ناشطون وصحافيون في العراق حملة من الاتهامات والتهديدات

ظهور الجيش الإلكتروني في العراق

ذكر الصحفي الاستقصائي، رياض الحمداني، في حديث لموقع "الحرة"، أنّ "أول ظهور لفكرة الجيش الإلكتروني كان عام 2010 عبر موقع فايسبوك كونه الأكثر انتشاراً واستخداماً في العراق، وكانت نشأتها على يد الحزب الإسلامي وحزب الدعوة الذي كان يدير البلاد منذ عام 2003، وذلك بهدف تهديد الصحفيين  بالتصفية أو القتل".

أما الباحث بالشأن السياسي العراقي، غانم العابد، فاعتبر أنّه "قد يتصور البعض بأن موضوع الجيوش الإلكترونية في العراق تزامن مع تفجر الاحتجاجات الشعبية في البلاد، مطلع أكتوبر عام 2019، أو أنها مرتبطة بمليشيا واحدة، ولكنها للحقيقة تعمل وفق إدارة وإشراف مباشر من قبل الحرس الثوري الايراني ويعود زمن تأسيسها إلى عام 2014 وتحديداً بعد سيطرة داعش على المحافظات الغربية والشمالية من العراق".

وأضاف أنّه "في إطار الحرب مع داعش، قامت طهران بتأسيس منظومة جيوش إلكترونية تحت إشراف الحرس الثوري الإيراني بشكل مباشر على كل مواقع التواصل الاجتماعي والهدف هو دعشنة كل معارض لسياسة إيران واظهاره بصورة الإرهابي أو المتعاطف مع التطرف والإرهاب".

ولفت إلى أنّ "هذه الطريقة التي اعتمدتها إيران وميليشياتها في العراق على المنصات وأصبحت تعمل وفقاً لهذه الخطة، كما اعتمدت في تلك الفترة الجيوش الإلكترونية التي تديرها لتكذيب وطمس الجرائم والمجازر التي قامت بها المليشيات ضد المدنيين والأبرياء".

100 تغريدة للشخص الواحد

وبحسب خبير تقني عراقي، فإن كبرى الحسابات المؤثرة والموالية لإيران وميليشياتها في البلاد تدار عبر الجيوش الإلكترونية، وأوضح أن ما يحصل هو "توجيه الهاشتاغ (وسم) الأساسي من القناة المؤثرة نفسها، بعد ذلك يأتي عمل مجموعات تحتوي على الآلاف من الأعضاء الافتراضيين (حسابات وهمية)، ويتم التداول بهذا الهاشتاغ عبر هذه الحسابات بكثرة، حيث لكل شخص فعلي 10 حسابات وهمية على الأقل ويقوم بنشر 10 تغريدات على الاقل بالساعة، وهكذا تكون هناك 100 تغريدة من قبل شخص واحد فقط خلال ساعة".

وهنا يؤكد العابد أن "هذه الجيوش تدار بشكل مؤسسي ومنظم، ويتجاوز عد حساباتها الـ 20 ألفا تنشر أفكار وتوجيهات المليشيات".

وشدد الناشط والمدون العراقي، سيف الدين علي، في حديث لموقع "الحرة"، على أنّ "جميع المسؤولين في القنوات والحسابات يتقاضون رواتب عالية جداً، علماً أنّ اجتماعات الجيوش الإلكترونية المهمة تتم في مقرات قنوات فضائية تابعة ومدارة من قبل الميليشيات".

أدت الاشتباكات مع قوات الأمن وقوات الحشد الشعبي إلى مقتل حوالى 560 متظاهراً وعنصراً أمنياً
في العراق ولبنان ودول الخليج.. حملات قمع بالجملة يوثقها تقرير هيومن رايتس السنوي
رصدت منظمة "هيومن رايتس ووتش"، في تحقيق سنوي لها بعنوان "التقرير العالمي 2021"، الواقع الحقوقي لمئة دولة، برزت فيه ملفات القمع والاحتجاز التعسفي لاسيما في بعض الدول العربية، التي قامت فيها الحكومات والأنظمة بانتهاكات جسمية مرتبطة بحقوق الإنسان والحريات.

بنات بـ"أسماء ميليشياوية"

ولفت علي إلى أنّ "غالبية الحسابات التي تحرض على القتل والطائفية تحمل صورة محمد محمد صادق الصدر أو صورة أبو مهدي المهندس وتحمل شعارات 313 أو تحمل اسم الحشد الشعبي، والعديد منها بأسماء تزعم أن سيدة وراء الحساب على سبيل المثال: بنات الحشد، بنات المقاومة، بنات الشايب.

وأضاف أنّ "بعض الحسابات التي تحرض على قتل ناشطين وتفجير منازلهم تتخذ أسماء مرتبطة بمقتدى الصدر، وأبرزها صفحات درع آل الصدر الإلكتروني، كروب ولد محمد الصدر، منظومة الدفاع عن آل الصدر".

يذكر أنّ زعيم التيار الصدري، كان أول من دعا بشكل علني إلى تشكيل مجموعة من المدونين للعمل ضمن "المشروع الإصلاحي" عبر التدوين في موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك،  وذلك في سبتمبر 2019.

وانتشرت حينها، صورة لكتاب رسمي صادر عن المكتب الخاص بالصدر، ليكن أول "جيش إلكتروني إصلاحي" يتم تبنيه رسمياً من قبل شخصية دينية او سياسية في البلاد.

 

كتاب رسمي صادر عن المكتب الخاص بالصدر

تدريبات لحزب الله في بغداد وإيران

وعن تدريب عناصر الجيوش الإلكترونية، كشف الحمداني  أنّ "الفصائل الموالية لإيران تعتمد على جيش منظم يضم مجموعة من الخبراء المدربين في لبنان، على يد حزب الله، لإنشاء محتوى وحملات منظمة هدفها فرض المزيد من السيطرة والحدّ من الأصوات المعارضة من خلال ترهيب وتهديد الناشطين".

وأوضحت مصادر لموقع "الحرة"، أنّ "المدعو ك.ه" (خبير تقني من حزب الله)، قام بتدريب حوالى ألف شخص لمدة 8 شهور بين عامي 2017 و2018، في أحد القواعد العسكرية في بغداد، على إدارة الجيوش الإلكترونية وأطلق حينها على هذه المجموعة اسم جيش المقاومة الإلكتروني".

وأضافت المصادر أنّه "تم تنظيم امتحان للمتدربين لاختيار أكثرهم مهارة، والذين أرسلوا فيما بعد إلى إيران لتدريبهم على خبرات تقنية أخرى أبرزها قرصنة الحسابات، وإيقاف حسابات وصفحات المدونين والناشطين"، مشيرةً إلى أنّ "خبير حزب الله سبق ونظّم تدريبات في جمعية مقرّها المغرب، تزعم أنها تكافح الجريمة الإلكترونية وترشد حول عدم الوقوع كضحايا للمجرمين الإلكترونيين".

وكان تحقيق أجرته صحيفة تلغراف البريطانية، في أغسطس 2020، قد كشف عن قيام حزب الله اللبناني بتدريب الآلاف من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي المدعومين من إيران، لإنشاء ما يسمى "الجيوش الإلكترونية" في جميع أنحاء المنطقة.

وأفادت الصحيفة أنه منذ عام 2012، يقوم حزب الله بتنظيم دورات لتعليم المشاركين كيفية التعامل مع الصور رقميًا، وادارة أعداد كبيرة من حسابات وسائل التواصل الاجتماعي المزيفة، وإنشاء مقاطع فيديو.

ونقلت الصحيفة عن "محمد"، وهو شاب عراقي شارك في التدريبات، أن مبنى التدريب من الخارج يبدو متهالكاً لكنه من الداخل مليء بأدوات التكنولوجيا المتقدمة، مشيراً إلى أن مدة الدورة استمرت 10 أيام وطلب منه عدم التحدث مع أحد، كما تمت مراقبة الطلاب بواسطة الكاميرات طوال فترة بقائهم في بيروت.

الاستراتيجية المتبعة 

وعن الطريقة المتبعة في كل مرة تهدد المليشيات الناشطين، أشار الناشط سيف الدين علي، إلى أنّ "التحريض على القتل يتم بداية باستهداف الشخصيات عبر حملات منظمة ضدهم، للتأثير على الأنصار  وتشويه سمعة المُستهدف، ويأتي بعد ذلك الاستهداف الجسدي ، عبر التصفية أو إحراق المنزل، يلي ذلك إعادة نشر المنشورات القديمة التي تهدف إلى عدم التعاطف مع المُستهدف".

وتابع أنّ "الجيوش الإلكترونية تركز بعد ثورة تشرين على الطائفية من خلال دعم هاشتاغات فتنوية تهدف لتشتيت الصفوف العراقية التي وحدتها ثورة تشرين".

ولفت إلى أنّه "في الفترة الأخيرة يتم التحريض على الناشطين من خلال نشر قوائم تحمل أسمائهم مع رسالة تقول إنه يجب تنظيف العراق من العملاء والخونة الذين يريدون تخريب العراق، كما ورد إسمي في جميع تلك القوائم".


بعد ثورة تشرين

وعن تنامي ظاهرة الجيوش الإلكترونية وازدياد دورها وأثرها على أرض الواقع، اعتبر المدون علي، أنّه "بعد ثورة تشرين جميع الجيوش الإلكترونية التابعة للجهات السياسية اتحدت على أمر واحد، وهو اسقاط ثورة تشرين وترهيب الناشطين، بل والتحريض على قتلهم وتبرير قتلهم حتى".

وأضاف أنّ "أول التهم التي أطلقتها الجيوش الإلكترونية التابعة للمليشيات المسلحة وللأحزاب السياسية هي العمالة لأميركا، إذ روّجوا لفكرة تمويل الثورة من قبل أميركا".

ولفت العابد إلى أنّ "طريقة دعشنة سنة العراق طبقت على شيعة العراق الذين يمثلون الغالبية العظمى من متظاهري تشرين، بنفس طريقة التسقيط، لكن بما أنّهم من أتباع المذهب الجعفري ولا يمكن دعشنتهم جرى اتهامهم بالعمالة للسفارة الأميركية، فكان كل ناشط في هذه المظاهرات يتم اتهامه بأنّه مدعوم من واشنطن أو مرتبط بها، وذلك لإيجاد المبرر لاغتيالهم".

وذكر أنّ "النقطة التي دائماً ما يركز عليها الجيش الالكتروني هي افتعال مشاكل طائفية عبر التهجم على المقدسات السنية، بانتظار أن يرد شخص سني على هذا التهجم لإحداث شرارة فتنة".

العراقيون رفعوا لافتات تطالب بإنهاء النفوذ الإيراني خلال تظاهرات أكتوبر


مخاوف لدى الناشطين

وقال الناشط المدني من محافظة ديالى، حسن جار الله، في حديث لموقع "الحرة"، أنّ "الجيوش الإلكترونية تمارس الترهيب والتحريض على القتل بدعم وتمويل سياسي بحق كل من يريد فضح الفساد والأعمال التي تضر بالوطن".

وأكّد أنّ "أغلب صفحات الناشطين تتعرض يومياً إما بتعليق على منشور أو رسائل تهديد بالقتل وحرق منازل، وهي أمور حصلت بالفعل على أرض الواقع ولم يكن الأمر فقط مجرد كلاماً عابراً، فهي مخاطر جديّة تثير مخاوفنا كناشطين".

وشدد جار الله على أنّ "هناك أموال تقدر بالملايين تصرف على الصفحات والقنوات الاجتماعية لإنهاء وجود كل صوت معارض".

دائرة خاصة في وزارة الداخلية

وأشار الخبير الأمني، سرمد البياتي، في حديث لموقع "الحرة"، إلى أنّ "لدى وزارة الداخلية دائرة خاصة تعنى بهذا الملف، ولكنها لا تستطيع السيطرة الكاملة على كل ما يجري عبر الإنترنت"، مشدداً على ضرورة إيجاد حل لهذه الظاهرة واتخاذ إجراءات قانونية حقيقية رغم صعوبة هذا الأمر".

وأكّد البياتي أنّ "الجيوش الإلكترونية تشكل خطراً كبيراً لا يمكن الاستهانة به، إذ وقع ضحية أعمالها عدد كبير من الناشطين والصحفيين".

أما العابد، فأعرب عن أمله بـ"خطوات مهمة لإدارتي تويتر وفايسبوك تجاه الآلاف من الحسابات التي تديرها الجيوش الالكترونية التابعة للحرس الثوري والأذرع الإيرانية المسلحة التابعة لها في العراق ودول أخرى بالمنطقة"، مؤكًدا أنّها "تمارس إرهاباً وتهديداً للناشطين عدا عن كونها تحولت لمنصات رئيسة في ضخ الكراهية والمعلومات المضللة للجمهور".

شاميما بيغوم التي تبلغ من العمر الآن 20 عاما، توجهت إلى سوريا في 2015
بيغوم انضمت إلى تنظيم داعش عندما كانت في الخامسة عشرة من عمرها

أثارت فصول حرمان البريطانية، شميمة بيغوم، من جنسيتها الكثير من التساؤلات، خاصة وأن الأخيرة كانت قد انضمت إلى التنظيم الإرهابي، وهي في سن الخامسة العاشرة، في العام 2015، مما جعل فريق الدفاع يقول إنه قد جرى "تجنيدها" من أجل الاتجار الجنسي بالفتاة التي أطلق عليها لقب "عروس داعش".

وغادرت بيغوم منزلها في لندن بعمر 15 عاما للتوجه إلى سوريا مع زميلتي دراسة، وتزوجت عنصرا في "داعش". واستقلت بيغوم مع صديقتيها طائرة تابعة للخطوط الجوية التركية إلى إسطنبول قبل العبور إلى سوريا.

ووفقا لتصريحات لبيغوم بعد خروجها من سوريا، فقد لعب المجندون من داعش على "الإحساس بالذنب" لدى المراهقات من خلال صور تدعي معاناة المسلمين في سوريا.

وبحسب الكثير من الخبراء في شؤون الإرهاب، فإن تنظيم داعش لديه قدرات كبيرة على استغلال وتجنيد الأبرياء والتغرير بهم واستغلالهم عاطفيا وماديا، من أجل إقناعهم بالانضمام إليه سواء بالسفر إلى مناطق الاضطرابات في الشرق الأوسط وأفريقيا أو تكوين خلايا نائمة وذئاب منفردة في أوروبا ودول أخرى.

وكانت محكمة الاستئناف في لندن قد رفضت، الجمعة، طعن بيغوم في قرار سحب جنسيتها البريطانية بعدما ذهبت إلى سوريا عندما كانت تلميذة للانضمام إلى داعش.

وسحبت الحكومة البريطانية جنسية بيغوم لأسباب تتعلق بالأمن القومي في العام 2019، بعد وقت قصير من العثور عليها في معسكر اعتقال في سوريا.

وقالت بيغوم البالغة من العمر الآن 24 عاما، إن القرار غير قانوني، ويرجع ذلك جزئيا إلى فشل المسؤولين البريطانيين في النظر بشكل صحيح فيما إذا كانت ضحية للاتجار بالبشر، وهي حجة رفضتها محكمة أقل درجة في فبراير من سنة 2023.

ورفضت محكمة الاستئناف في لندن استئنافها، يوم الجمعة، بعد استئناف جرى تقديمه في أكتوبر.

وقالت القاضي، سو كار: "يمكن القول إن القرار في قضية السيدة بيغوم كان قاسيا. ويمكن القول أيضا أن السيدة بيغوم هي السبب في سوء حظها".

وأضافت: "لكن ليس من اختصاص هذه المحكمة أن تتفق أو تختلف مع أي من وجهتي النظر، فمهمتنا الوحيدة هي تقييم ما إذا كان قرار الحرمان غير قانوني... وخلصنا إلى أنه لم يكن كذلك وتم رفض الاستئناف"، بحسب وكالة رويترز.

وعن أساليب جذب الفتيات المقيمات في الغرب تحديدا للانضمام إلى داعش، قالت الأستاذة في مركز دراسات الإرهاب والأمن بجامعة ماس لويل في ماساتشوستس، ميا بلوم، لشبكة "إيه بي سي نيوز" الأميركية: "معظم الفتيات يلذن إلى مزيج من الخيال والأحاسيس بأنه من خلال الانضمام إلى داعش، سيتم تمكينهن، وسيحظين بحياة مثيرة، ويفعلن شيئًا ذا معنى في حياتهن".

ونوهت إلى أن أعضاء داعش الذكور كانوا يعملون على "جذب النساء عبر الإنترنت حتى يسافرن إلى الشرق الأوسط، حيث يمكن للرجال الزواج من واحدة أو أكثر منهن، أو يمكن استخدام النساء كإغراء للمجندين الذكور الآخرين".

وأضافت: "الأمر كله يتعلق بوسائل التواصل الاجتماعي التي يتم استخدامها لإغراء هؤلاء الشابات".

"تفوق إلكتروني"

وعن أسباب نجاح تنظيم داعش الإرهابي في التوغل عبر الإنترنت، ترى الباحثة بمعهد البحوث والدراسات العربية، الدكتورة، سمية عسلة، أن ذلك يعود إلى "قدرة التنظيم الذي أتاح لهيكله الإداري أن يصبح على درجة عالية من الكفاءة بكافة المجالات المستهدفة والتقنيات المستخدمة".

وأضافت في مقالة لها "امتد ذلك إلى فرع مسؤول عن الإشراف على الإجراءات الرقمية لداعش التي يطلق عليها (جيش داعش الإلكتروني)، وهو عبارة عن مجموعة عناصر داخلية مخصصة لبث الرسائل على صفحات التواصل الاجتماعي والتسلل إلى حسابات العناصر المراد تجنيدها والحفاظ على الأمن الرقمي للتنظيم". 

من جانبه أوضح الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، ماهر فرغلي، في اتصال هاتفي مع موقع "الحرة" أن "تنظيم داعش ورغم الهزائم التي تعرض لها لا يزال يستخدم الأساليب القديمة التي اعتاد عليها في تجنيد الأطفال والمراهقين والفتيات من خلال استخدام المطويات الملونة والمزخرفة (المنشورات)، والإصدارات الدعائية الموجهة إلى الفتيات والنساء".

وفي نفس السياق، أوضح الناشط السياسي والخبير في شؤون الحركات الإسلامية، أحمد الأيوبي، في تصريحات سابقة إلى موقع "الحرة" أن تنظيم داعش يلجأ إلى "استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، واتساب وماسنجر وغيرهما، في عمليات استقطاب الشباب بشكل كبير، وذلك بعد متابعة نشاط المراهقين والفتيان على صفحاتهم الاجتماعية ودراسة حالاتهم النفسية والاجتماعية، حيث يتم تحديد من هم الأكثر قابلية للتجاوب مع أفكار التطرف، بالاستناد إلى حماستهم الدينية أو وضعهم الاقتصادي المزري وحالة اليأس التي وصلوا إليها وحتى (المظلومية الأمنية) من خلال إيهامهم بأنهم مطلوبون وأن عليهم ملفات أمنية".

ويؤكد الأيوبي أنه "بعد الاستقطاب الفكري يأتي دور التجنيد، وهذه المرحلة لا تخلو من دفع المال للضحايا الذين يتم إعدادهم نفسياً لإبعادهم عن عائلتهم، وذلك بعد إقناعهم أن أفرادها (عصاة) كونهم ارتضوا بهذه المنظومة الاجتماعية التي يعتبرونها كافرة".

وأما فرغلي فاعتبر أن "داعش حاليا يركز جهوده في منصات إلكترونية دون غيرها، فهو في الوقت الحالي يبذل جهودا أكبرا في تطبيقات (تيك توك)، و(تان تان) وتليغرام مع الابتعاد بشكل كبير عن فيسبوك وتويتر".

وزاد: "ذلك التنظيم الإرهابي يستخدم الأساليب الملتوية، فهو لا يخاطب المراهق بشكل مباشر، بل عن طريق دغدغة المشاعر، باستخدام طرق دعوية دينية كأن ينشر مطويات جاذبة عن شهر رمضان والصلاة، وذلك بهدف جذب الشبان الصغار إلى متابعتهم".

وأضاف: "وبطريقة غير مباشرة وعبر مسابقات دينية ومقالات تخدع المشاعر، يتم تجنيد المراهق أو المراهقة تلقائيا وبالتدريج ليصبح عضوا في التنظيم دون أن يدري".

وأضاف: "هذا النوع من الضحايا لا يدرك أنه انتمى إلى داعش إلا بعد أن يكون قد ولج مرحلة متقدمة من الانضمام".

وخلص الفرغلي إلى أن التنظيم الإرهابي لا يلجأ إلى طرق تجنيد مباشرة وواضحة و"أنما يتبع سياسة النفس الطويل للإيقاع بهؤلاء، وكل ذلك يتم عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو ما يسمى الجيش الإلكتروني أو الخلافة السيبرانية أو أي مسمى آخر ".

استثمار الخلافات

من جانبه اعتبر الخبير الاستراتيجي، الدكتور أحمد الشريفي، في تصريحات سابقة لموقع "الحرة" أن "داعش يستثمر الخلافات داخل المجتمعات والحالة النفسية للشبان".

وبشأن لبنان كنموذج، قال "هناك انقسام كبير جداً في لبنان فضلاً عن الأزمة المعيشية وما يعانيه الشباب اللبناني من بطالة وإحباط وانكسار، حيث تجذب كل هذه العوامل مجتمعة، تنظيم داعش للتحرك إما طائفياً، أو عرقياً أو إثنياً، لتعبئة الشباب أيديولوجياً ليصار بعدها إلى تجنيدهم وتسويقهم بحسب ما يرتئيه هذا التنظيم". 

وأضاف الشريفي في حديث لموقع "الحرة": "يمتلك داعش قدرة كسر الحدود بين الدول، وهو يناور بالموارد التي تتشكل لديه عبر حدود المنطقة، لذلك قد نجد لبنانيين يحملون أفكار داعش متواجدين في كل من سوريا والعراق، فالاعتماد على شباب بهذه الثقافة وهذه اللهجة يجعلهم أكثر مرونة في التحرك في ميدان لم يعد يقبل الوافدين من جنسيات أجنبية، وهذا سيرفع من منسوب التحدي والتهديد في كل من سوريا والعراق، أي بمعنى العودة مجدداً إلى حالة اللااستقرار أو إلى بؤرة لتهديد الأمن والسلم الدوليين".

وبحسب الباحث في شؤون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي، منير أديب "لا يزال تنظيم داعش يستخدم ذات الوسائل في استقطاب الشباب منذ إعلان قيام (دولة الخلافة) في عام 2014 وذلك عبر التفسير غير الصحيح للآيات القرآنية لاسيما آيات الجهاد والقتال في سبيل الله، ويحركهم عبر عاطفة دينية غير واعية بهذه النصوص، وهو يصور العنف والقتل على أنهما جهاد".

وزاد: "من هنا نسأل أين المؤسسات الدينية والمجمعات الفقهية في العالم العربي التي ترد وتفكك مثل هذه الأفكار؟"

وعن التغرير المادي أجاب أديب في حديث مسبق إلى موقع "الحرة": "طبعاً المادة تلعب دورها لكنها ليست الأساس، فاستخدام العاطفة الدينية هو النموذج الأهم والأبرز، فعندما يتمتع الشباب بالوعي وتتكون لديهم مفاهيم إسلامية صحيحة لن يستطيع الإغراء المادي أن يؤتي أكله". 

واعتبر أديب أن "المجتمع الدولي حارب التنظيم من السماء عبر الضربات الجوية، بينما فشل في مواجهته على الأرض، ولم يبذل أي جهد لمحاربة أفكاره وخلاياه النائمة، الخاملة وحتى النشطة، ولذلك عاد التنظيم إلى ترتيب صفوفه وتجنيد الشباب".

الخطف والإجبار

ومن الأساليب التي قد يستخدمها تنظيم داعش والجماعات المتحالفة له هو إجبار الأطفال على القتال وخطف الفتيات الصغيرات لاستغلالهن جنسيا، كما أوضحت صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية في تقرير لها.

ففي أعماق الوديان الضيقة المليئة بالأحراش في جمهورية الكونغو الديمقراطية، نما بشكل سريع فرع محلي أشد "فتكا" لتنظيم، من خلال تجنيد الأطفال لتضخيم صفوفه، وصقل مهاراته في صنع القنابل وشن هجمات وحشية على القرى والكنائس والمرافق الطبية، من دون أن يجذب الكثير من الاهتمام الدولي.

وقالت الصحيفة في تقريرها المنشور في أغسطس الماضي إن "القوات الديمقراطية المتحالفة"، وهي مجموعة متمردة تعمل شرقي الكونغو وصنفت إرهابية من قبل الولايات المتحدة بعد مبايعتها لداعش، وسعت من عمليات تجنيد المقاتلين من أماكن أخرى في أفريقيا والشرق الأوسط.

وتأسست "القوات الديمقراطية المتحالفة" قبل عقود في أوغندا المجاورة بهدف الإطاحة بحكومة ذلك البلد، الأمر الذي دفع في النهاية مقاتليها لعبور الحدود باتجاه جمهورية الكونغو الديمقراطية. 

واتسعت طموحات الجماعة بعد اعتقال مؤسسها في عام 2015 وتولى زعيم جديد يدعى موسى بالوكو، مقاليد الأمور، الذي تعهد بالولاء لداعش في محاولة منه للحصول على التمويل.

وبالفعل بدأ تدفق الأموال لصالح المجموعة المتشددة بعد أن كادت تتوقف عن شن الهجمات.

ومنذ ذلك الحين، نفذت "القوات الديمقراطية المتحالفة" موجة من التفجيرات والهجمات أسفرت عن مقتل آلاف المدنيين.

ففي يونيو الماضي، استهدفت المجموعة مدرسة بالقرب من الحدود بين أوغندا والكونغو، مما أسفر عن مقتل 41 شخصا، معظمهم أطفال أحرقوا وهم أحياء.

وروى طفل كونغولي، يبلغ من العمر 12 عاما، وفر من المجموعة طبيعة الأفعال الوحشية التي كانوا يقومون بها.

وقال الطفل إن مقاتلين قد أغاروا على بلدته، بولونغو، وقطّعوا والدته ووالده حتى الموت أمامه، ثم قبضوا عليه وشقيقه. 

ويقول الصبي، الذي حجبت الصحيفة اسمه خوفا من تعرضه لأعمال انتقامية، إن مقاتلي المجموعة اقتادوه وشقيه إلى الغابة حيث تلقوا هناك تدريبات عسكرية تركزت على كيفية قتل الناس.

وكان الصبي من بين 11 من الهاربين الذين تمت مقابلتهم من قبل الصحيفة، حيث أكدوا أن أطفالا لا تتجاوز أعمارهم 10 أعوام يتدربون على القتال وأن الفتيات في الغالب يستعبدن جنسيا أو يتعرضن لاغتصاب جماعي أو يتم تزويجهن قسرا لأحد القادة.

وأكد الصبي أنه أُجبر على المشاركة في هجوم على قرية، حيث يذكر أنه شاهد صانع قنابل تنزاني يوجه تعليمات إلى مجندين آخرين بشأن المتفجرات.

وقال إن الصبي إن أحد قادة التنظيم هدده في إحدى المرات وقال له بالحرف الواحد: "أمك ماتت، إذا حاولت الهرب، فسوف تُقتل أيضا".

وبشأن مواجهة أساليب داعش في التجنيد، قال فرغلي: "على الدول المعينة التي تواجه مثل تلك الأخطار، أن تسعى إلى حجب جميع الصفحات الإلكترونية ومكافحة الحسابات التي تروج للأفكار الإرهابية والمتطرفة".

وتابع: "يجب أن تكون هناك مراقبة لصيقة ودقيقة في فضاء الإنترنت، لأن داعش يستغل صفحات تحت مسميات الدعوة إلى الوسطية أو الاعتدال، بيد أنها تحتوي في طياتها على فكر متطرف يدعو إلى قتل ومحاربة وتكفير الآخرين".

وشدد فرغلي على "ضرورة أن يكون لدى الدول والحكومات جيوشا إلكترونيا تحت رقابتها لمواجهة الأفكار الداعشية ودحضها بالحجة والدليل والمنطق".