A picture shows the scene of a twin suicide bombing on a bustling commercial street in the heart of Baghdad on January 21, 2021…
التفجيرات الانتحارية تعود مجددا لشوارع بغداد بعد شهور من الهدوء النسبي

بعد هدوء استمر أشهر، عادت التفجيرات الانتحارية الدموية تهز العاصمة العراقية بغداد، الخميس، لتوقع مزيد من القتلى في بلد مكتظ أساسا بخليط متنوع من الأزمات.

وعلى وقع الانهيار الاقتصادي وتداعيات فيروس كورونا المستجد، بالإضافة إلى التجاذبات السياسية التي تسبق الانتخابات التشريعية، ذهب عشرات القتلى والجرحى ضحية لهجمات "تنظيمات متطرفة فكريا مدعومة من جهات سياسية تحاول تحقيق مكتسبات على حساب دماء الأبرياء"، وفقا للخبير الأمني العراقي عدنان الكناني.

والخميس أيضا، قتل جنديين تابعيين للجيش العراقي بعد انفجار عبوة ناسفة على الطريق السريع في قضاء الرطبة غربي الأنبار.

لم تعلن جهة معينة مسؤوليتها عن هذه التفجيرات الانتحارية المزدوجة في ساحة الطيران، لكن العميد متقاعد الكناني يقول لموقع "الحرة" إن هذا الأسلوب في الهجمات يعد "بصمة لتنظيم داعش". 

وقال الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة اللواء يحيى رسول، إن "اعتداء إرهابي مزدوج بواسطة إرهابيين انتحاريين اثنين فجرا نفسيهما حين ملاحقتهما من قبل القوات الأمنية في منطقة الباب الشرقي ببغداد، صباح اليوم الخميس، مما أدى إلى وقوع عدد من القتلى والجرحى بين صفوف المدنيين".

في غضون ذلك، قال الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية اللواء خالد المحنا إن "الانتحاري الأول فجر نفسه بعد أن ادعى أنه مريض واجتمع الناس حوله. وتابع أن "الانتحاري الثاني فجر نفسه بعد أن تجمع الناس لنقل المصابين في التفجير الأول.

وأثارت هذه التفجيرات في العاصمة بغداد التساؤلات مجددا بشأن قدرة حكومة مصطفى الكاظمي بالسيطرة على الأوضاع الأمنية، وسط وجود تنظيمات سنية متطرفة وأخرى شيعية مدعومة من إيران.

يقول المحلل السياسي الدكتور عبد القادر الجميلي لموقع "الحرة" إن المرحلة الماضية شهدت استقرارا ملحوظا، ولم تسجل خروقات أمنية كبيرة، مع "وجود قوات فاعلة عند مداخل المحافظات ووسط العاصمة، حيث تبحث وتفتش عن أي مكمن خلل يمكن أن يحدث"، وفق تعبيره.

وأشار إلى أن هذه الهجمات "ربما تقف وراءها جهات تسعى لمحاولة إضعاف مكانة السيد الكاظمي وفكره الأمني والاستراتيجي بصفته رئيسا سابقا لجهاز المخابرات".

شراء مناصب

وقال الكناني إن الحكومة "يفترض أن تراجع نفسها في اختيار أعضاء قيادات الأجهزة الأمنية"، مشددا على أهمية "اختيار الرجل المناسب في المكان الأنسب".

وأضاف: "يفترض أن تكون البلاد دولة مؤسسات. مسألة أن يأتي رجل يدفع ثمن منصبه لا يخدم الناس"، لافتا إلى أن "هناك من يشتري المناصب بالمال لتحقيق مكتسبات شخصية على حساب دماء الناس".

وتابع: "بات العراق حقل تجارب لأناس يحاولون الوصول لهرم الدول من كتل سياسية ومتنفذين يديرون المشهد في البلاد".

ووقع الاعتداء بسوق البالة في ساحة الطيران الذي غالبا ما تعج بالمارة، وهي الساحة ذاتها التي شهدت قبل 3 سنوات تفجيرا انتحاريا أوقع 31 قتيلا، كان يسبق الانتخابات أيضا.

والثلاثاء، أجل مجلس الوزراء العراقي في جلسة الانتخابات التشريعية إلى أكتوبر بعد أن كانت من المفترض أن تقام في يونيو.

وكانت الانتخابات المبكرة مطلبا أساسيا من قبل المحتجين المناهضين للحكومة، والذين نظموا مظاهرات بدأت في أكتوبر 2019.

وأكد الكناني أن جهات سياسية تحاول الضغط على الحكومة عبر هذه الهجمات الانتحارية باستخدام المتطرفين فكريا لتحقيق مكتسبات معينة.

وقال إن العبوات والأحزمة الناسفة هي أسلوب مميز لتنظيم القاعدة ومن بعده داعش، مضيفا: "يحاول التنظيم الإرهابي استثمار أي وقت لإحداث شروخ أمنية في البلاد لزعزعة الامن وتحشيد الشارع ضد الأجهزة الأمنية والحكومة".

وأشار إلى أن استهداف المناطق الفقيرة في بغداد والمناطق الأخرى يدل على استغلال المتنفذين سياسيا إلى هؤلاء المتطرفين فكريا لإسقاط ضحايا بسطاء لتشكيل ضغط على الحكومة وقراراتها.

بدوره، يذهب الجميلي في الاتجاه ذاته بقوله إن العراقيون "اعتادوا على مثل هذه التفجيرات مع اقتراب أي انتخابات".

وأضاف الجميلي أن "الأطراف السياسية تتناحر في محاولة لخلق فوضى داخل العاصمة وربما تمتد للمحافظات الأخرى"، موضحا أن "هذه الأطراف تستبق الأحداث بخلق حالة من التناحر السياسي الذي يصل للشعب أيضا".

وتابع: "هناك جهات داخلية وخارجية أيضا لا تريد أن يستتب الأمن في العراق، وتسعى للإبقاء على روح النزعات الطائفية (...). عندما يتكاتف العراقيون تحدث دائما هذه التفجيرات والإشكاليات لزيادة الهوة بين أبناء الشعب".

وعقد الكاظمي اجتماعا طارئا مع القيادات الأمنية والاستخباراتية الرفيعة في أعقاب هذا الهجوم الدموي.

الفصائل المسلحة الموالية لطهران في العراق تشكلت بدعم مالي وعسكري إيراني (رويترز)
الفصائل المسلحة الموالية لطهران في العراق تشكلت بدعم مالي وعسكري إيراني (رويترز)

قالت صحيفة "التايمز" البريطانية إن إيران نقلت صواريخ أرض أرض بعيدة المدى إلى وكلائها في العراق، يمكن أن يصل مداها لدول أوروبية.

ونقلت الصحيفة عن مصادر استخبارية إقليمية، لم تسمّها، القول إن الأسلحة نقلت إلى ميليشيالت موالية لإيران في العراق الأسبوع الماضي.، مضيفة أن هذه هي المرة الأولى التي تمتلك فيها ميليشيا متحالفة مع إيران صواريخ أرض-أرض بعيدة المدى في العراق.

وأشارت المصادر إلى أن عملية التسليم جرت عبر القوة الجوية التابعة للحرس الثوري الإيراني، مبينة أن الصواريخ يمكنها استهداف مناطق تمتد لغاية أوروبا.

وتابعت المصادر أن نوعين آخرين من الصواريخ، هما "قدس 351" المجنحة وصواريخ "جمال 69" الباليستية، جرى تهريبها إلى العراق الأسبوع الماضي، وكلاهما بمديات أقصر من صواريخ أرض-أرض.

وقال مصدر استخباراتي إقليمي للصحيفة إن "إيران نقلت مؤخرا صواريخ إلى الميليشيات الشيعية في العراق، بما في ذلك نماذج جديدة ذات مدى أطول، وهي صواريخ لم تُمنح لتلك الميليشيات في الماضي".

ووصف المصدر التحرك الإيراني بأنه "خطوة يائسة قد تعرض استقرار العراق للخطر".

ويتناقض هذا التطور مع التقارير التي وردت هذا الأسبوع من مسؤولين عراقيين وقادة كبار قالوا إن الميليشيات المدعومة من إيران في العراق "مستعدة لتسليم أسلحتها" لتجنب صراع محتمل مع الولايات المتحدة.

لكن مصدر دبلوماسي في المنطقة أبلغ صحيفة "التايمز" أن "الجهود التي لوحظت في آخر 48 ساعة لإنشاء صورة تُظهر أن الميليشيات تقوم بتسليم أسلحتها هي مجرد خدعة".

ولم يرد المتحدث باسم الحكومة العراقية على اتصالات موقع "الحرة" المتكررة وطلب مكتوب أرسل عبر الهاتف للتعليق على ما ورد في تقرير صحيفة "التايمز".

وتشكلت الفصائل المسلحة الموالية لطهران في العراق بدعم مالي وعسكري إيراني في فترة فوضى أعقبت الإطاحة بنظام صدام حسين في 2003.