العراق شهد العديد من الاحتجاجات في العامين المنصرمين
العراق شهد العديد من الاحتجاجات في العامين المنصرمين

حذر خبراء من خطورة اندلاع  اضطرابات واحتجاجات شعبية في العراق مع تزايد نسب الفقر والبطالة والارتفاع الضخم في الأسعار وعجز الحكومة عن دفع رواتب موظفي القطاع العام.

وبحسب موقع "إن بي آر"، فقد هزت الاحتجاجات الشعبية العراق خلال العام ونصف العام الماضيين. وكان أكبرها في بغداد، لكن مدينة الناصرية الجنوبية شهدت أيضًا مظاهرات كبيرة واعتصامًا استمر لشهور، وفي حين أدت حملات القمع القوية إلى إخماد التظاهرات، فإن الغضب لا يزال يغلي في نفوس الناس.

ويقول نشطاء إن الفقر المتزايد هو أحد العوامل التي تجعل الاحتجاجات مستمرة، ومنهم  زياد الأسعد، الذي شارك في العديد من المظاهرات المناهضة للحكومة، مؤكدا: "الوضع الاقتصادي لكل الناس في الناصرية والعراق يزداد سوءًا يومًا بعد يوم. سنشهد المزيد من المظاهرات.. المزيد من الاحتجاجات في الشوارع والميادين والساحات".

"الحياة قد تصبح أصعب"

ومن جهته، قال المحلل السياسي، سجاد جياد إنه في "حال إذا استمر الوضع الحالي، وبقاء أسعار النفط منخفضة، فهناك احتمال حقيقي بأن المزيد من الناس سيضربون أو يحتجون، وقد تصبح الأمور أكثر صعوبة".

واشتكى العديد من أصحاب المتاجر في بغداد من سوء الأوضاع وقلة البيع والشراء، وذلك منذ انخفضت قيمة الدينار العراقي بنسبة عشرين بالمئة أمام الدولار الأميركي في العالم الماضي.

وقال سعد سلمان، وهو مالك لأحد محال بيع الحلويات: "صعود الدولار دمر الناس، فقد انخفضت القوة الشرائية بشكل كبير، والذي كان يشتري كليو غراما من الحلويات بالكاد يبتاع نصف كليو حاليا". 

وبحسب الخبراء فإن الاقتصاد العراقي يعاني مذ فترة طويلة، ولكن الفترة الأخيرة زادت من أوجاعه بعد تفشي جائحة كورونا، وانخفاض صادرات النفط، وهبوط أسعار البترول مما شكل أزمة أشبه بالكارثة لبلد يعتمد في معظمه دخل على تصدير "الذهب الأسود".

وتقدر  وزارة المالية أن 7 ملايين عراقي (من حوالي 40 مليون مواطن) يتلقون رواتب حكومية أو معاشات تقاعدية. لكن تقارير البنك الدولي تقول أن أعداد هؤلاء  تراجعت بنسبة 47.5 بالمئة في الأشهر الثمانية الأولى من العام الماضي. مع انخفاض عائدات النفط بشكل كبير، إذ أصبحت الحكومة تدفع رواتبها ومعاشاتها بشكل متقطع أوفي بعض القطاعات والأحيان لا تدفعها إطلاقا.

ويقول الاقتصاديون إن معدل الفقر في العراق ربما قفز من 20 بالمئة في 2018 إلى 30 بالمئة أو أكثر العام الماضي، ورغم أن الحكومة حاولت تشجيع الناس على شراء البضائع المحلية لتوفير العملة الصعبة وبالتالي زيادة الأموال في خزينة الدولة غير أن ذلك الأمر لم يؤت ثماره لقلة البضائع المحلية أو ندرتها في العديد من المجالات الحياتية والمعاشية.

وأوضح صاحب محل  الحلويات، سعد سليمان  ارتفاع سعر كيس السكر بمقدار الثلث، وتضاعف سعر الجوز تقريبًا.، متابعا: "الآن، بسبب ارتفاع الدولار وعدم منح المعاشات والرواتب للموظفين أصبح هناك فئتان من الناس،  طبقة فقيرة جدا وطبقة غنية جدا".

"الوضع سيئ للغاية"

أما الخبير في وكالة الطاقة الدولية، علي الصفار، فيصف الوضع الاقتصادي بالبلاد بأنه سيئ للغاية، موضحا أنه ورغم تأثير جائحة كورونا على العديد من الدول في المنطقة، إلا إن  العراق الأكثر معاناة ووضعه "الأكثر خطورة وعرضة لحدوث اضطرابات وعدم استقرار الأمور فيه".

ولفت الصفار إلى أن بنية الاقتصاد في بلاده متزعزعة منذ عقود، موضحا أن  العراق يعتمد على النفط بنسبة تصل إلى 98 بالمئة من عائداته، وكلها تقريباً تذهب إلى  خزينة الدولة مما جعل القطاع العام ينمو ويتغول على حساب القطاع الخاص وباتت هي المورد الأساسي لتأمين الوظائف وفرص العمل.

ولسنوات، إن لم يكن لعقود، أصر الاقتصاديون على أنه من الضروري للعراق أن يكون لديه اقتصاد أكثر تنوعًا وقطاعًا خاصًا أكبر، بحيث لا تعتمد سبل عيش الكثير من الناس على ارتفاع أسعار النفط، و لكن رغم  مبادرات التنمية الدولية الكبيرة والصغيرة، لايزال القطاع الخاص يتضاءل أمام اقتصاد الدولة.

خطة الإصلاح الحكومية

وزير المالية علي علاوي لديه خطة. "يجب أن يكون هناك حقًا نهج مختلف تمامًا للطريقة التي تمول بها الحكومة نفسها والطريقة التي يتم بها تخصيص الموارد بين مختلف القطاعات" ،

وكشفت وزارته النقاب عن "كتاب أبيض" العام الماضي للقيام بإصلاحات اقتصادية جذرية مثل تشجيع الاستثمار من خلال تحسين البنية التحتية للعراق، وزيادة عائدات الضرائب، وتحفيز الزراعة والتصنيع وتكييف التعليم ليتلائم مع حاجات سوق العمل العالمية.

وأقر علاوي بأن العديد من هذه الأفكار ليست جديدة، مردفا: "تعثرت معظم هذه الخطط لأنه لم تكن هناك إرادة لدعمها". كانت أموال النفط تتدفق ، والحكومة "اختارت الخط الطريق الأسهل في معالجة الأزمات".

وحاليا، كما يقول علاوي، هناك اعتراف سياسي وشعبي بأن الإصلاح ضروري وسيحتاج مئات الخطوات الملموسة التي سيتم سنها على مدى 3 إلى ٥ سنوات، والتي كان أولها تخفيض قيمة العملة.

وفيما إذا كان يخشى حدوث اضطرابات بسبب تلك الإجراءات التي سيكون قاسية بأعين الكثير من الناس، أجاب: "سيكون هناك فئة خاسرة، ولكن المستفيدين سيكونون كثر". 

شبكات من التجار والمستوردين يسهلون تهريب الدولار من العراق. أرشيفية - تعبيرية
الإغراق السلعي كان له تأثيرات سلبية على الاقتصاد العراقي. أرشيفية

كشف المستشار المالي لرئاسة الوزراء العراقية، مظهر محمد صالح سياسة اقتصادية تتضمن حلولا للحد من الإغراق السلعي والتجاري على الاقتصاد الوطني.

وتحدث صالح في تصريحات لوكالة الأنباء العراقية "واع" عن الآثار الاقتصادية لـ "الليبرالية التجارية" التي سمحت على مدار عقود ماضية بـ "إغراق السوق بسلع هامشية فاقدة للقيمة والمعنى".

وقال إن هناك "أحداثا مهمة تقلب موازين القوى في الاقتصاد العراقي"، ومنها ببدء السياسة الاقتصادية للحد من الإغراق السلعي الناتج عن الانفلات التجاري، وهو ما يتطلب سياسة "حماية عراقية واضحة تحمي المنتج الوطني بسياج جمركي متدرج وعملي".

ويرى صالح أن الإغراق السلعي كان له تأثيرات سلبية على الاقتصاد العراقي، خاصة الإنتاج الوطني، خاصة في ضياع آلاف فرص العمل، وما تبعه من استمرار للبطالة، رغم أن هذه الوظائف لديها قدرة على امتصاص 60 في المئة من القوى العاملة.

ناهيك عما سببته من تحول رأس المال الوطني من الحقل الصناعي والزراعي إلى نشاط رأس المال، الذي يتاجر بسلع استهلاكية أغرقت الأسواق المحلية بمنتجات بديلة للمنتج الوطني، بحسب صالح.

ويؤكد أن انتشار ظاهر الإغراق السلعي بمنتجات أسعارها متدنية مصدرها أسوق آسيا، أدت إلى ثلاثة اتجاهات في الاقتصاد العراقي: تصفية الوسط الحرفي والصناعي المنتج، والثاني: استدامة البطالة وتراكم راس المال البشري والثالث: تحويل الأرباح الرأسمالية الوطنية المنتجة الى ممارسات غير منتجة.