In this Monday, Dec. 8, 2014 photo, Iraqi security forces deploy in a military operation to regain control of the villages…
يقدم الحلف التدريب والإرشاد لأعضاء المؤسسات الأمنية منذ أكتوبر 2018. أرشيف

تعود خطط حلف شمال الأطلسي (الناتو) لرفع قوتها العسكرية في العراق إلى الواجهة من جديد، بعدما تحجج الحلف بجائحة كوفيد-19 ومخاوف تتعلق بالأمن الإقليمي لتأجيلها.

ورغم استمرار الجائحة والاضطراب الأمني الذي تشهده المنطقة، وخصوصا العراق، يعتزم وزراء دفاع الحلف التصويت، الخميس، على خطط قد ترفع قوة الناتو العسكرية في العراق من نحو 500 جندي كحد أقصى حاليا إلى حوالي أربعة أو خمسة آلاف.

وتأتي هذه الخطط لتوسيع مهمة الحلف في العراق مع تصاعد العنف والتوتر بين القوات الأميركية وعدد من الميليشيات العراقية الموالية لإيران منذ مقتل القائد العسكري الإيراني البارز قاسم سليماني في بغداد في الثالث من يناير 2020 في هجوم بطائرة أميركية مسيرة.

ونقلت رويترز عن دبلوماسيين قولهم إن مهمة الحلف، التي تشارك فيها بريطانيا وتركيا والدنمرك ويقودها قائد دنمركي، تجد قبولا بين العراقيين مقارنة بالقوة الأميركية، في وقت تتزايد فيه الأوضاع الأمنية اضطرابا.

ورغم ذلك، يستبعد رائد العزاوي الأكاديمي والباحث العراقي في العلاقات الدولية أن يؤدي توسيع مهمة الناتو إلى تخفيف التوتر بين القوات الأميركية والميليشيات الموالية لإيران.

بينما قال حميد رضا عزيزي، الزميل الزائر في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، إن القرار المرتقب للناتو يؤكد عدم نجاح "الضغوط المستمرة التي تمارسها الجماعات المدعومة من إيران لطرد القوات الأجنبية من العراق".

وأضاف قائلا لموقع "الحرة": "قد تقيد واشنطن دورها في العراق لاعتبارات لوجستية وأمنية، لكن الناتو سوف يملأ الفراغ".

وشهدت الأسابيع الأخيرة، هجمات لفصائل مسلحة متحالفة مع إيران في العراق استهدفت الولايات المتحدة بما في ذلك هجوم صاروخي على السفارة الأميركية في بغداد. 

وتعرضت القوات التي تقودها الولايات المتحدة، الاثنين، لهجوم صاروخي في أربيل أدى إلى مقتل متعاقد مدني وإصابة جندي أميركي، في أعنف هجوم من نوعه منذ نحو عام.

ويقول العزاوي، لموقع "الحرة"، إن القوات الأميركية في العراق التي تطالب الميليشيات بمغادرتها البلاد هي في حقيقة الأمر ذريعة للميليشيات وبعض الأحزاب العراقية الموالية لإيران. 

وأوضح قائلا: "الميليشيات الموالية لإيران تريد بقاء قوات الأميركية؛ لأن خلو العراق من أي تواجد أجنبي يعني تلاشي دور الميليشيات التي تريد أن تسيطر بسلاحها على مفاصل الدولة العراقية".

وأضاف "الميليشيات تستغل بقاء القوات الأميركية أو قوات الحلف لرفع الشعار الكاذب الخاص بـ(سلاح المقاومة)"، مشيرا إلى أن توسيع مهمة الناتو "لن يغير كثيرا في تكتيكات إيران والميليشيات العراقية الموالية لها".

مهام الحلف الأطلسي

كان الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب هو من دعا الحلف إلى ترسيخ دور أكبر في الشرق الأوسط، فظهرت خطط التوسع التي تأجل تنفيذها بسبب جائحة فيروس كورونا ومخاوف بشأن الاستقرار الإقليمي بعد مقتل سليماني.

ورغم استمرار جائحة كوفيد-19، وتصاعد التوتر الإقليمي، يعتزم الحلف ترسيخ دوره الآن، الأمر الذي أرجعه عزيزي إلى محاولة الولايات المتحدة وأوروبا إصلاح العلاقات طويلة الأمد بينهما التي تضررت في عهد  ترامب، عبر الحلف الأطلسي.

وأضاف "على هذا النحو، ستلعب أوروبا، مرة أخرى، دورا نشطا أكثر عبر مهام الناتو في الشرق الأوسط".

ويعتقد عزيزي أن عزم حلف توسيع مهمته الآن يشير إلى أن الغرب قلق بشأن الوضع في العراق، ولا يريد أن يخسر نفوذه بالكامل أمام إيران والجماعات المتحالفة معها. 

ومنذ أكتوبر 2018، يحتفظ حلف الأطلسي بمهمة غير قتالية "للتدريب والمشورة" في بغداد، حيث يقدم التدريب والإرشاد لأعضاء المؤسسات الأمنية والقوات الحكومية العراقية. 

ومع خطط التوسيع الجديدة، من المرجح أن يتولى الحلف بعضا من أنشطة التدريب التي يقوم بها التحالف، بقيادة الولايات المتحدة، في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

وسيطر التنظيم على مساحات واسعة في العراق، وفرض عليها حكمه قبل أن تلحق القوات العراقية الهزيمة به عام 2017، بدعم من القوة الجوية الأميركية. وقتل زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي في 2019 في غارة أميركية في سوريا.

والاثنين الماضي، توقع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ أن يوافق وزراء الدفاع على التوسيع، بحيث يعمل عدد أكبر من جنود الحلف في مزيد من المؤسسات الأمنية بجميع أنحاء العراق، مضيفا "ستتوسع المهمة تدريجيا نظرا للوضع".

ويرى العزاوي أن الحلف قدم كثيرا للقوات العراقية، خصوصا الجوية منها، قائلا: "أصبح هناك طلعات جوية منفردة للطائرات العراقية بفضل الناتو".

كما تحدث عن "جهد استخباري واسع جدا استفاد منه العراق في ملاحقة تنظيم داعش الإرهابي"، وتدريب الحلف لـ"عدد كبير من القوات الأمنية العراقية على المتابعة والتعقب".

وفي يناير الماضي، أعلن رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي أن قوات الأمن العراقية قتلت أبو ياسر العيساوي القيادي في تنظيم الدولة الإسلامية، والذي يطلق على نفسه "نائب الخليفة" ووالي العراق.

وفي هذا السياق، نقلت رويترز عن دبلوماسيين قولهم إن الكاظمي، رئيس المخابرات السابق، هو الذي يحرص حاليا على أن يكون لحلف شمال الأطلسي وجود أكبر في العراق.

ويعلق عزيزي على ذلك بقوله: "يبدو أن الكاظمي يعتقد أن وجود الناتو سيكون أقل استفزازا مقارنة بالدور الأميركي المباشر".

وأضاف "الكاظمي حريص على إبقاء المستشارين العسكريين الغربيين لتعزيز هياكل أمن الدولة. وهو يعلم أن الدعم الغربي والعربي المباشر ضروري لكبح نفوذ إيران والجماعات الحليفة لها". 

القمة العربية

لا شك أن زيارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى الخليج الأسبوع الماضي، أشاحت بالأضواء بشكل كبير عن قمة بغداد العربية، التي عقدت في 17 مايو بحضور عدد محدود من القادة العرب. 

قد أثار الغياب الجماعي للعديد من الرؤساء والملوك العرب تساؤلات حول أسباب ضعف التمثيل، ما دفع مراقبين إلى وصفها بـ"أضعف القمم" في تاريخ الجامعة العربية.

القمة طالبت في بيانها الختامي المجتمع الدولي بـ"الضغط من أجل وقف إراقة الدماء" في قطاع غزة. وحث المجتمعون المجتمع الدولي، ولا سيّما الدول ذات التأثير، "على تحمل مسؤولياتها الأخلاقية والقانونية للضغط من أجل وقف إراقة الدماء وضمان إدخال المساعدات الإنسانية العاجلة دون عوائق إلى جميع المناطق المحتاجة في غزة". 

وناقشت القمة قضايا عربية عديدة من أبرزها التحديات التي تواجه سوريا، والتطورات الميدانية في ليبيا واليمن ولبنان، إلى جانب الحرب في قطاع غزة.

لكن زيارة ترامب ليست العنصر الوحيد الذي ألقى بظلال  على قمة بغداد، بل ثمة عناصر عديدة جرى تداولها، على أنها لعبت دورا في إحجام بعض القادة العرب عن المشاركة.

أبرز تلك العناصر، النفوذ الإيراني وزيارة إسماعيل قآني، قائد فيلق القدس إلى العراق قبل القمة بأيام، الأمر الذي اعتُبر رسالة واضحة عن حجم التأثير الإيراني على الدولة العميقة في العراق، حتى وإن كان رئيس الحكومة، محمد شياع السوداني، يحاول أن يتمايز بمواقفه ويظهر انفتاحا على الدول العربية والخليجية. 

كما أن السوداني، ورغم الاعتراضات الصادرة عن أصوات تدور في فلك إيران، التقى بالشرع في الدوحة. أضف إلى ذلك، غياب القرار السيادي في العراق، بسبب تنوع الولاءات السياسية وتأثير الفصائل المسلحة على القرارات السيادية العراقية، وهو ما جعل القادة العرب، بحسب مراقبين ومحللين سياسيين، يشككون في جدوى حضورهم لقمة تُعقد في بغداد، حيث لا يرون في الحكومة العراقية تمثيلاً حقيقياً للدولة. 

وقد انعكس الأمر على التحضيرات للقمة، وعلى تفاعل الجمهور العراقي معها، حيث تصاعدت عبر وسائل التواصل الأصوات المتطرفة المرتبطة بالفصائل المسلحة، ما أدى على ما يبدو، إلى إرسال رسائل سلبية لقادة عرب بعدم ترحيب العراقيين بهم، خصوصاً الجدل الذي رافق دعوة السوداني للشرع لحضور القمة.

من جانب آخر، أثارت المحكمة الاتحادية العراقية الجدل بإلغاء اتفاقية تنظيم الملاحة في خور عبد الله مع الكويت، ما اعتبرته الأخيرة تنصلاً من التزامات دولية. هذا الخلاف قد يفسر بحسب محللين عراقيين، غياب بعض قادة دول الخليج عن القمة.

ولا يمكن، أثناء استعراض أسباب "فشل" قمة بغداد، اغفال مسألة أن القمم العربية الشاملة باتت أقل أهمية في ظل تفضيل الدول العربية للقمم الثنائية أو الإقليمية التي تتناول قضايا محددة، تماماً كما حدث في زيارة ترامب إلى السعودية وقطر والإمارات. 

هذا النوع من الزيارات واللقاءات الثنائية، بات يفضله القادة العرب، وباتوا يبدون اهتماماً أقل بحضور القمم العربية لا تلبي أولوياتهم الوطنية المباشرة، والتي تنتهي غالباً إلى بيانات إنشائية، لا إلى قرارات عملية.