أصبح اللقاء غير المسبوق بين البابا فرنسيس الزعيم الروحي لـ1,3 مليار مسيحي في العالم، والمرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني في النجف، مصدر فخر للعديد من الشيعة في العراق الذي يعيش منذ 40 عاما أزمات ونزاعات، شملت صراعات طائفية بين المسلمين السنة والشيعة.
وبحسب معهد الأبحاث الأميركي (بيو)، فإن السنة يشكلون تسعين في المئة من مسلمي العالم، بينما يشكل الشيعة عشرة في المئة يتركز معظمهم في العراق وإيران.
ويمثل السيستاني (90 عاما) مرجعية النجف التي تؤيد أن يكون دور المرجعية استشاريا للسياسيين وليس مقررا، مقابل حوزة قُم في إيران التي تؤكد أن لرجال الدين دورا في إعطاء توجيهات سياسية ويمثلها المرشد الأعلى علي خامنئي.
ويقول عز الدين البغدادي، الكاتب والباحث بالحوزة العلمية في النجف الأشرف لموقع "الحرة": "السيد السيستاني في واقع الحال هو المرجع الذي يرجع إليه معظم الشيعة في العراق والعالم، وزيارة البابا لا تضيف شيئا لهذه المكانة، لكنها تؤكد أمام العالم أهمية النجف باعتبارها المركز العلمي والروحي للشيعة".
وفي نفس السياق، يقول فيليب سميث الباحث بمعهد واشنطن لموقع "الحرة": "لم يكن السيستاني بحاجة إلى الكثير من المساعدة لترسيخ مكانته كشخصية رئيسية داخل الشيعة الإثنا عشرية، وكذلك النجف".
لكنه عاد ليقول: "هذا يؤكد مرة أخرى أن السيستاني والنجف يمثلان ثقلا موازنا لولاية الفقيه المطلقة في إيران ورديكاليتها".
تنافس الحوزتين
ويقول البغدادي: "بلا شك هناك تنافس علمي بين الحوزتين، لكن كان يُنظر باستمرار إلى النجف على أن لها تميزا وخصوصيّة روحية".
وأضاف "حوزة قُم كبيرة ولها إسهاماتها العلمية لكنها حديثة نسبيا حيث لا يتجاوز عمرها مئة سنة تقريبا مقارنة بحوزة النجف التي تجاوز عمرها الألف سنة".
ويعتقد البغدادي أن "زيارة البابا تحمل رسالة هامة وواضحة في هذا المجال، الأمر الذي يفسر الانزعاج الكبير الذي لمسناه من جهات تحاول إضعاف دور النجف، لا سيما وأن الحوزتين صارتا تمثلان قطبين لرؤيتين سياسيتين مختلفتين بلا شك".
وانتقد بعض رجال الدين الشيعة زيارة البابا لاعتبارات طائفية.
أما إيران، فبعد أيام من صمت رسمي بشأن الزيارة، أوضح بيان لرئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي أن الرئيس الإيراني حسن روحاني "بارك زيارة قداسة البابا للعراق، كما أشاد بالجهود الحكومية العراقية "التي أثمرت عن نجاح هذه الزيارة التاريخية"، وذلك في اتصال هاتفي بينهما.
وبارك الرئيس روحاني زيارة قداسة البابا للعراق، كما أشاد بالجهود الحكومية العراقية التي اثمرت عن نجاح هذه الزيارة التاريخية.
— المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء 🇮🇶 (@IraqiPMO) March 6, 2021
كما اتفق الطرفان على دعوة جميع الأطراف الفاعلة في المنطقة الى تعزيز الهدوء، واتخاذ مسار الحكمة والعقلانية في التعامل مع الأزمات والتحديات.
ويقول مهدي خلجي، الذي يركز على دور السياسة في التوجه الشيعي في إيران والعراق، في تقرير نشره معهد واشنطن: "حرص رجال الدين الذين يرأسون مكتب السيستاني في قُم على تجنب تسليط الضوء على الاجتماع بشكل يستفز النظام الإيراني".
وأضاف "في الواقع، أثارت زيارة البابا القليل من النقاش أو الاهتمام في وسائل الإعلام الحكومية الناطقة باللغة الفارسية، ووسائل الإعلام شبه المستقلة، أو حتى وسائل التواصل الاجتماعي".
وعلى سبيل المثال، نقل موقع صحيفة "طهران تايمز" عن حسين أمير عبد اللهيان، المستشار الخاص لرئيس البرلمان الإيراني للشؤون الدولية، قوله إن البابا فرنسيس لم يكن ليتمكن من زيارة العراق بأمان لولا تضحيات قاسم سليماني ورفاقه في القتال ضد داعش".
وفي 2014، حث السيستاني العراقيين على حمل السلاح لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية المتطرف بعد هجومه الواسع وسيطرته على مناطق عدة، وإنشاء ما عرف لاحقا بالحشد الشعبي.
لكن هذا الائتلاف أصبح يضم بغالبيته مجموعات عسكرية موالية لإيران، يتبع العديد من عناصرها خامنئي، وليس السيستاني.
وتوطدت علاقة هذه المجموعات بالقائد العسكري الإيراني قاسم سليماني الذي قتلته الولايات المتحدة في العراق العام الماضي.
"الحوزة العربية"
ويرى رعد هاشم، الباحث في الشأن العراقي، أن اجتماع البابا مع السيستاني سيمنح النجف امتيازا على حساب قُم وخامنئي، قائلا في حديثه لموقع "الحرة": "انزعجت إيران من هذه الزيارة التي تعتبرها أنها أعطت للسيستاني ولمرجعية النجف دعما".
ويوضح هاشم لموقع "الحرة" أنه بسبب "عروبية" مرجعية النجف، فإن زيارة البابا إليها أزعجت حوزة قُم، مضيفا "حاول بعض ساسة طهران بكل الطرق أن يشوهوا معنى الرسالة التي أوصلها البابا".
وأضاف "إيران معزولة دوليا حتى من قبل مجالس تقارب الأديان والمذاهب، لأن ملاليها شوهوا سمعة ومكانة بلدهم"، بحسب ما قال.
وتابع "بتعاطفه وتواصله مع المرجع الشيعي، منح البابا دفعة اعتبارية واضحة للسيستاني، وأعطى لمرجعية النجف -ذات الصبغة العروبية منها والبعيدة عن الخط الإيراني- اهتماما سيزيد مستقبلا إذا استغل العراق وتفاعل بذكاء مع هذه الزيارة".
وفي بيان صادر عن مكتبه عقب الاجتماع، أكد السيستاني أن على المسيحيين أن "يعيشوا مثل كل العراقيين بأمن وسلام وبكم حقوق دستورية كاملة".
ولفت إلى "الدور الذي تلعبه المرجعية الدينية في حمايتهم. وآخرين عانوا أيضا من الظلم والأذى في أحداث السنوات الماضية".
وتمنى السيستاني للبابا وأتباع الكنيسة الكاثوليكية السعادة، وشكره على بذل عناء زيارته في النجف. وتحرك البابا الذي لا يزال يعرج بشدة جراء آلام العصب الوركي الذي يجعل المشي صعبا، في حارات ضيقة بالنجف للوصول إلى منزل المرجعية الشيعية.
وعلى النقيض من ذلك، يقول خلجي: "البابا فرنسيس غير مرحب به في إيران، حيث يواجه المسيحيون واليهود والأديان الأخرى تمييزا قانونيا منهجيا وفصلا اجتماعيا".
وأشار إلى أن القانون الإيراني "يحظر التبشير العلني لأي دين باستثناء الإسلام الشيعي - حيث غالبا ما يُسجن المتحولون إلى الديانة المسيحية، ويحكم عليهم بالإعدام".
وأقام النظام الإيراني علاقات رسمية مع الفاتيكان، لكن حلجي يقول: "يصعب وصفها كعلاقات دافئة".
وولد السيستاني في مدينة مشهد، وتلقى تعليمه في قُم، قبل أن يعود للعراق عام 1952، وهو يتقن اللغة الفارسية.
"مجرد اجتماع"
وعلى النقيض من حديث هاشم، يعتقد سميث أنه من السابق لآوانه استنتاج أن اجتماع البابا مع السيستاني سيمنح النجف امتيازا على حساب قُم وخامنئي، قائلا: "نحن بحاجة للنظر إلى فاعلية الزيارة على المدى البعيد، تماما كما تفعل إيران".
وأوضح "إيران تخطط للهيمنة المطلقة، ليس فقط على أتباع المذهب الشيعي، لكن على كل المسلمين".
وفي المقابل، فإن ذلك يستدعي التفكير في وضع النجف بعد رحيل السيستاني، كما يقول سميث الذي أضاف "الأمر أكبر من مجرد اجتماع (...) مع ملاحظة أن طهران تعمل بميزانية حكومية تخدم رسالتها الدينية".
"عدم حضور أي مسؤول"
وفي منزله المتواضع الذي استأجره رجل الدين لعقود في مدينة النجف على بعد 200 كلم إلى جنوب بغداد، استقبل السيستاني البابا.
وقال مسؤول ديني في النجف لوكالة أسوشيتدبرس إن السيستاني، الذي يظل جالسا عادة أمام الزوار، وقف لتحية فرنسيس عند باب غرفته، وهو شرف نادر.
وذكرت رويترز أن مصدرا في مكتب الرئيس قال إن المرجع الشيعي الأعلى وافق على لقاء البابا بشرط ألا يحضر أي مسؤول عراقي الاجتماع.
ويفسر البغدادي ذلك، بقوله: "منذ زمن بعيد والسيد السيستاني يرفض لقاء السياسيين العراقيين بسبب الفشل الذريع للمنظومة السياسية في الخروج من الوضع المتأزم في العراق، من ضعف الخدمات، وهشاشة الوضع الأمني".
وبحسب البغدادي، فإن موقف السيستاني في عدم استقبال المسؤولين العراقيين "سوف يستمر حتى يحصل تغيير على الأرض، وهو أمر مستبعد جدا للأسف بسبب وقوع المنظومة السياسية بأكملها في دائرة مغلقة من الفساد".
ويتفق هاشم مع البغدادي، قائلا: هذا منهج ثابت للسيستاني، ولم يكن ضروريا أن يرافق البابا أي مسؤول سياسي"، مضيفا "رسالة المرجع الشيعي -التي تمثل وجهة نظر كثير من العراقيين- هي عدم الاهتمام بالسياسيين لعدة اعتبارات، منها أنهم مجموعة فاسدة؛ أحزابا وأفرادا وحتى قيادات سياسية".
وفي 2019، وبعد أشهر من تظاهرات قادها شباب احتجاجا على الفساد والتردي في الأوضاع الاجتماعية في بلادهم، فيما عرف بـ"ثورة تشرين"، تدخل السيستاني لإسقاط الحكومة، بتخليه عن دعمه لرئيس الوزراء حينها عادل عبد المهدي الذي استقال من منصبه لاحقا.
يستكمل هاشم، قائلا: "وكأن السيستاني يقول للبابا ولزعماء آخرين: أنا مرجعهم ولا استقبل هؤلاء الحفنة من السياسيين البائسين الفاسدين الفاشلين الذين أخفقوا في تشكيل دولة أو تشييد بنى تحتية لدولة أو تقديم بيئة آمنة مستقرة لهذا الشعب الذي عانى الويلات منذ 2003 وحتى الآن".