المكدام هو ناشط بارز في التظاهرات العراقية وصحفي معروف
المكدام هو ناشط بارز في التظاهرات العراقية وصحفي معروف

يروي الصحفي والناشط العراقي، علي عامر المكدام، لموقع "الحرة" تفاصيل اختطافه الذي دام لأكثر من 24 ساعة، وإطلاق سراحه، و"التعذيب" الذي قال إنه تعرض له على يد الجهة الخاطفة.

ويقول المكدام لموقع "الحرة" إن مسلحين يرتدون الكمامات قاموا بإرغامه على الصعود في سيارة مدنية، من إحدى مناطق بغداد، التي تحفظ على ذكر اسمها لأن التحقيقات ما تزال جارية في قضية اختطافه.

"سارت السيارة لفترة فيما بدا طريقا غير معبد"، يضيف المكدام، الذي قال إنه اقتيد إلى بناء في منطقة لم يتمكن من تحديدها، ثم جرى تعذيبه.

"استعملوا الصواعق الكهربائية في تعذيبي"، يقول المكدام مضيفا أنهم "استخدموا الهراوات التي ضربوني بها على قدمي، وكسروا أنفي".

نشر أصدقاء المكدام صورا له تظهر تعرضه إلى التعذيب بوضوح، والإصابات ظاهرة على أنفه ووجهه.

الكدمات ظاهرة على وجه المكدام وجسمه

يقول المكدام إن الخاطفين كانوا يسألونه باستمرار عن مقال منشور في معهد واشنطن شارك هو بكتابته، وعن "الحق الذي يجعله يكتب بهذه الطريقة عن قادة النصر" في إشارة إلى أبو مهدي المهندس، قائد الحشد الشعبي السابق، وقاسم سليماني، القائد في الحرس الثوري الذين قتلا بغارة أميركية في بغداد.

لاحقا، أطلق الخاطفون سراح المكدام بعد أن "أحسوا بأن القوات الأمنية تقترب من اعتقالهم"، كما يقول مضيفا قوله: "أعتبر أن القوات الأمنية هي من حررتني".

قضية المكدام تفاعلت بشكل كبير في العراق، خاصة وأن حوادث الاختطاف تنتهي عادة نهايات أسوأ من نهاية هذه الحادث.

رئيس الوزراء، مصطفى الكاظمي، زار المكدام في المستشفى الحكومي الذي يرقد فيه، وتعهد "بحماية حرية التعبير وحماية قلم الصحفي"، كما ينقل المكدام.

كما زارت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، جينين بلاسخارت، المكدام في مستشفاه وبقيت "أكثر من ساعة" كما يقول.

الاختطاف "الجيد"

ويقول الصحفي العراقي، منتصر السلمان، إن "اختطاف المكدام انتهى نهاية جيدة نسبيا"، مضيفا لموقع "الحرة" أن "حوادث الاختطاف لا تنتهي عادة بعودة المختطف".

ويعتقد السلمان أن "حادثة المكدام كان الهدف منها تهديده وإسكاته كما يبدو، خاصة وأنه صحفي بارز ويتمتع بعلاقات كثيرة، كما إنه ناشط سياسيا".

وينتمي المكدام إلى حركة "البيت العراقي" المعارضة، والتي تشكلت في الفترة التي تلت احتجاجات تشرين 2019 في العراق.

ويقول الناشط في تظاهرات الناصرية، في محافظة ذي قار العراقية، مسلم العبادي، إن "الاختطاف وسيلة تستخدم بشكل واسع لبث الرعب في قلوب الناشطين في البلاد".

ويتابع مسلم، الذي تعرض هو نفسه لتجربة مشابهة لموقع "الحرة" أن "المختطف يشعر بفقدان السيطرة وأنه تحت رحمة من اختطفوه بشكل كامل"، مضيفا "اختطفوني لساعات قليلة فقط، ولم أتعرض للضرب وإنما للاحتجاز، لكن الرعب كان هائلا".

وفي المقابل، يروي مسلم قصة زميله "سجاد العراقي" الذي لا يزال مختطفا منذ أكثر من عام، ولم تفلح جهود القوات الأمنية أو الوساطات في تحريره.

كما يشير مسلم إلى قصة المحامي العراقي علي جاسب، الذي اختطف منذ أكثر من عام هو الآخر، قبل أن يقتل والده برصاص مجهولين فيما يعتقد إنه رغبة بإسكاته، مضيفا "قصة علي محزنة للغاية، لا يزالون يلاحقون عائلته ويهددونهم".

ويرقد المكدام حاليا في مستشفى حكومي ببغداد، لكنه لم يكشف  إذا كان يخطط للبقاء في العاصمة، أو العودة لأربيل التي كان يستقر فيها لأشهر بسبب وضعها الأمني الأكثر استقرارا.

ومنذ 2019، خرج عشرات الناشطين العراقيين من مناطقهم الأصلية إلى إقليم كردستان العراق أو إلى دول مجاورة، هربا من الملاحقة والاغتيال، فيما تعرض ناشطون ومحللون وصحفيون كثر إلى القتل، بدون أن يتم اعتقال قاتليهم.

عراقي رفع دعوى ضد شركة "بي بي" لاعتقاده أن مرض ابنه كان سببه حرق الغاز بأكبر حقل نفط بالعراق
عراقي رفع دعوى ضد شركة "بي بي" لاعتقاده أن مرض ابنه كان سببه حرق الغاز بأكبر حقل نفط بالعراق

يسعى العراقي حسين جلود، الذي فقد ابنه بعد صراع مع سرطان الدم، إلى الفوز في معركة قضائية ضد شركة "بي بي" البريطانية، لاعتقاده أن مرض ابنه كان سببه حرق الغاز في أكبر حقل نفط بالعراق.

ويطلب جلود المثقل بالديون، أن تدفع له الشركة التي كانت تعرف باسم "بريتش بتروليوم"، تعويضاً يغطي مصاريف علاج نجله، بما يشمل علاجه الكيميائي وعملية زرع نخاع العظم، ثم جنازة علي الذي توفي في أبريل 2023 عن 21 عاماً.

ويقول جلود (55 عاماً) من منزله المتواضع قرب حقل الرميلة في محافظة البصرة بجنوب العراق: "علي لا يعوّض بمال ولا أكثر من مال، لكن ما أطلبه هو حقي".

ويضيف أن تحركه ضد شركة النفط البريطانية العملاقة "ليس من أجل علي فقط، وإنما أيضاً للفقراء والمصابين والذين توفوا في المنطقة". 

وفي 22 أبريل الماضي، أرسل جلود خطاباً إلى الشركة يشرح ادعاءه، لكن في حال عدم التوصل لاتفاق أو عدم حصوله على رد يرضيه، فإن المرحلة الثانية ستتضمن إجراءات أمام المحكمة، وفق شركة المحاماة "Hausfeld & CO" التي تمثل الوالد المكلوم. 

و"بي بي" من أكبر وأقدم شركات النفط العاملة في العراق، وأحد أكبر منتجي الخام في العالم، وتتواجد في بلاد الرافدين منذ العشرينيات من القرن الماضي.

وتعمل الشركة في حقل الرميلة بشراكة مع مجموعات أخرى، بينها شركة نفط البصرة المملوكة للدولة.

وفي عام 2022، وثقت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في تحقيق بشأن ارتفاع خطر الإصابات بالسرطان قرب حقول النفط العراقية، حياة علي جلود الشغوف بكرة القدم، والذي شُخصت إصابته بالمرض في 2016.

ويروي والده أنه خلال لقائه الطبيب، سأله الأخير أين تقطن العائلة، وعند إجابته أنه قرب حقل نفط ومحارق غاز، رد: "هذا هو سبب إصابة علي بالسرطان".

انبعاثات مسرطنة

ولم ترد شركة "بي بي" على طلب فرانس برس التعليق، لكنها قالت في بيانات رداً على "بي بي سي"، إنها "لم تكن يوماً الجهة المشغلة لحقل الرميلة، بل تقاضت الرسوم على شكل مخصصات من النفط الخام لقاء خدمات تقنية تقدمها".

وأعربت عن "قلق شديد" تجاه ما ورد في تقرير "بي بي سي"، مشددة على أنها "تعمل مع شركاء في الرميلة". وأشارت لانخفاض بنسبة 65 في المئة في حرق الغاز خلال السنوات السبع الماضية، وأن العمل مستمر لتحقيق خفض إضافي.

وإحراق الغاز هو التخلص من الغاز الطبيعي المصاحب لاستخراج النفط، ويعد مصدراً أساسياً لتلوث الهواء عبر انبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكاربون وغاز الميثان الخام والكربون الأسود.

وحذرت منظمة "غرينبيس - الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" في بيان الشهر الماضي حول قضية جلود، من أن حرق الغاز ينتج "عدداً كبيراً من الملوّثات المرتبطة بالسرطان، بما في ذلك البنزين".

وفي كل مرة يفتح فيها جلود باب منزله، أول ما يراه هو مشاعل حرق الغاز والدخان الأسود الكثيف، مؤكداً أن رؤيته يومياً لما يحمّله مسؤولية رحيل ابنه يولّد في نفسه "شعوراً حزيناً".

وأمام منزله، يلعب أطفال كرة القدم أو يركبون دراجاتهم الهوائية، غير مدركين للخطر المحدق بهم في الهواء، وفق الأب المكلوم.

وفي عام 2022، بلغ إجمالي ما تم حرقه 139 مليار متر مكعب حول العالم، وفقاً لبيانات البنك الدولي.

ويعد العراق  ثاني أكثر دولة بعد روسيا التي تحرق الغاز المصاحب عالمياً، وقد بلغ مجمل ما تم احراقه في 2022 نحو 18 مليار متر مكعب، بحسب المصدر ذاته.

وانضم العراق عام 2017 إلى مبادرة عالمية أطلقها البنك الدولي، تقضي بوقف حرق الغاز بحلول 2030. 

وتؤكد الحكومة في بغداد سعيها إلى وقف حرق الغاز المصاحب واستغلاله لتشغيل محطات الطاقة، مما يقلل اعتمادها على الغاز المستورد من إيران، الضروري لإنتاج الكهرباء. 

وأعلن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، في مايو، أنه يسعى لإنهاء حرق الغاز المصاحب خلال 3 إلى 5 سنوات، لـ"إيقاف الآثار البيئية المدمرة لهذه العملية".

وتقدم وزارة النفط العراقية الدعم لقطاع الصحة في البلاد ومن بينها محافظة البصرة المعروفة بإنتاج النفط. وقد أعلنت وزارة الصحة في فبراير عن إجراءات لمكافحة السرطان، بينها اتفاق مع شركة نفط البصرة لبناء مركز للأورام. 

واضطر جلود، وهو أب لسبعة أبناء، لبيع مصوغات ذهبية وأثاثاً منزلياً، والحصول على قرض مصرفي، إضافة الى الاقتراض من أصدقاء، لتغطية علاج علي ثم جنازته. 

ويقول إنه على غرار آخرين، يعيشون قرب حقل النفط، لكن إمكاناتهم المادية لا تسمح لهم بالانتقال إلى مكان آخر. 

ونقلت شركة المحاماة الممثلة لجلود أنه وفقاً للقانون العراقي، يُمنع أن تكون مصافي النفط على مسافة ما دون 10 كيلومترات من منطقة سكنية. لكن "الأدلة" تشير في حقل الرميلة إلى أن حرق الغاز يتم على بعد 5 كيلومترات فقط من مجمعات سكنية. 

ويقول جلود: "نعيش هنا رغم الصعوبة والخوف من هذا المرض"، مشيراً إلى أنه يعتقد أن كثيرين في المنطقة أصيبوا بالسرطان نتيجة حرق الغاز.

ويضيف: "الهدف من هذه الدعوة (ضد بي بي) ليس فقط علي، وإنما التقليل من الغاز (المحترق)، وتأمين مستلزمات طبية للمرضى مجاناً، ومساعدة الفقراء غير القادرين على الانتقال إلى مكان آخر".