في تمام العاشرة من صباح الخميس بتوقيت العراق، ظهر زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، أمام الكاميرات، وأعلن انسحابه من المشاركة في الانتخابات النيابية المقبلة "فالوطن"، كما قال، "أهم من كل ذلك (...) أعلن سحب يدي من كل المنتمين لهذه الحكومة الحالية واللاحقة وإن كانوا يدعون الانتماء إلينا آل الصدر".
وكان الصدر غرد الثلاثاء الماضي عن حريق مستشفى الناصرية، داعيا حكومة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي لملاحقة المسؤولين عن المأساة. وأضاف محذرا "وإلا كان لنا تصرف آخر بما يحفظ للشعب سلامته وكرامته".
وفي الخطاب الذي لم يتعد خمس دقائق، أعلن عدم مشاركته وعدم دعمه لأي حزب في الانتخابات التشريعية المقررة في أكتوبر المقبل.
المديرة التنفيذية رئيسة الباحثين في منتدى صنع السياسات بلندن، رنا خالد، تقول، في حديث لموقع "الحرة"، إن إعلان الصدر الانسحاب من الانتخابات هو رسالة غير مباشرة من قبل زعيم أكبر تيار سياسي في العراق بأن العملية السياسية في العراق وصلت إلى طريق مسدود بلا منفذ وبلا حلول عملية للخروج من الأزمات المتتالية التي تعصف بالبلاد.
وفي خطاب الخميس، قال الصدر إن ما يحدث في العراق "مخطط دولي لإذلال الشعب".
وجاء قرار الصدر بعد ثلاثة أيام فقط من المأساة التي حدثت في مستشفى الحسين في الناصرية، عندما تسبب حريق في عنبر مخصص لمرضى كورونا بمقتل العشرات.
والحادث هو الثاني الذي يلتهم مستشفى في العراق، إذ أدى حريق اندلع في أبريل داخل مستشفى ابن الخطيب في بغداد المخصصة لعزل مرضى كورونا إلى مقتل 82 شخصا وإصابة العشرات.
وأثار حريق ابن الخطيب ردود فعل غاضبة واسعة دفعت وزير الصحة آنذاك حسن التميمي، المدعوم من التيار الصدري، للاستقالة.
وعقب كارثة مستشفى الناصرية استقال مدير صحة الناصرية صدام الطويل المدعوم من التيار الصدري أيضا.
وفي كلمته الموجزة قال الصدر إن "الجميع إما قاصر أو مقصر والكل يتبجح بالفساد والكل تحت طائلة الحساب".
وقال حمدي مالك، الزميل المشارك في معهد واشنطن، إن إعلان الصدر يهدف فيما يبدو إلى النأي بنفسه عن السخط الشعبي من حرائق المستشفيات، وانقطاع الكهرباء والمياه الذي فجر احتجاجات.
وقال مالك لوكالة رويترز إن "الصدر يحاول أن ينأى بنفسه عن الإدارة البشعة للمسؤولين العراقيين"، متوقعا أن يشارك حزب الصدر ويحقق نتائج جيدة في الانتخابات على الرغم إعلانه عدم الترشح شخصيا.
وفازت كتلة (سائرون) التابعة للتيار الصدري بالانتخابات البرلمانية عام 2018، وحصلت على 54 مقعدا، من أصل 329.
وكان التيار الصدري يتأهب لتحقيق أكبر مكاسب في الانتخابات العامة المبكرة المقرر إجراؤها في أكتوبر المقبل.
ويُتوقع أن يحقق أنصار الصدر مكاسب كبيرة بموجب قانون انتخابي جديد يقلل من حجم الدوائر ويلغي التصويت على أساس القوائم لصالح منح الأصوات للمرشحين الأفراد.
وقبل الانسحاب، كان التيار الصدري يتطلع للحصول على منصب رئاسة الحكومة المقبلة. وعقب انسحابه، كتب بعض المرشحين على مواقع التواصل الاجتماعي معلنين انسحابهم من العملية الانتخابية.
لكن المتحدثة باسم مفوضية الانتخابات جمانة الغلاي أكدت عدم ورود أي طلب رسمي بالانسحاب من الانتخابات المقبلة، مبينة أن قرار الفصل بذلك يعود إلى مجلس المفوضين
وقالت الغلاي للحرة أن باب قبول طلبات المنسحبين أغلق في 20 يونيو الماضي، مضيفة أن مفوضية الانتخابات صادقت على المرشحين وأنهت القرعة الخاصة بأرقام المرشحين.
وتابعت "إذا قُدمت طلبات الانسحاب للمفوضية فإن القرار الأول والأخير والفصل يعود لمجلس المفوضين".
تأجيل أو إلغاء الانتخابات
وتتحدث خالد عما وصفته بـ"التداعيات الخطيرة" لانسحاب الصدر على مستقبل الانتخابات المقبلة، قائلة: "ربما أصبح خيار تأجيل الانتخابات أو إلغائها مطروحاً بقوة".
وهذه ليست المرة الأولى التي يعلن فيها الصدر انسحابه من العمل السياسي، وحل الهيئة السياسية لتياره.
وعما إذا كان الصدر قد يعود عن قراره، قالت خالد: "لا يمكن التكهن بتقلبات الحركة السياسية في العراق، حيث الملفات معقدة وغالباً ما تديرها القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في الساحة السياسية العراقية. الواقع أن كل الاحتمالات مطروحة".
وبعد فترة وجيزة من إعلان الانسحاب، صدر بيان من المكتب الخاص التابع لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، أكد بموجبه "غلق الهيئة السياسية للتيار، وتعيين نصار الربيعي والشيخ محمد الموصلي مستشارين للصدر".
وأعلن كل من النائب الأول لرئيس البرلمان حسن الكعبي والقيادي في التيار الصدري حاكم الزاملي انسحابهما من السباق الانتخابي.
ولم يرد قياديون صدريون ومتحدث باسم الصدر على الاتصالات المتكررة لموقع "الحرة" للتعليق حول هذه التطورات.
ورفض النائب عن كتلة سائرون التابعة للتيار الصدري رامي السكيني إعطاء تفاصيل بشأن قرار الصدر، مكتفيا بالقول إن "الوضع لايزال غير واضح وهناك اجتماعات مستمرة لم نطلع بعد على مخرجاتها".
وأضاف السكيني لموقع "الحرة" أن "كتلة سائرون لا تزال تنتظر التوجيهات، التي يمكن أن تصدر إما اليوم أو غدا".
ويقول أستاذ العلوم السياسية سعدون الساعدي إن "قرار الصدر في حال لم يتم التراجع عنه، ستكون له تداعيات كبيرة على المشهد السياسي في العراق والمنطقة، لأنه يمتلك ثقلا واضحا في الشارع".
ويرجح الساعدي في حديث لموقع "الحرة" سبب اتخاذ الصدر لقرار الانسحاب هو "خشيته من عدم الحصول على المقاعد التي وعد بها جمهوره في الانتخابات والتي تصل لـ100 مقعد".
أما السبب الثاني وفقا للساعدي فيتعلق بـ"وصول معلومات مؤكدة للصدر عن فساد مقربين ومنتمين لتياره، وبالتالي هو يريد رفع الغطاء عنهم وإعادة النظر في مستقبل التيار الصدري السياسي وتخليصه من الشوائب والفساد".
ويرجح الساعدي أن يتم تأجيل الانتخابات المقبلة على اعتبار أنه "لا يمكن إجراء عملية انتخابية كاملة من دون مشاركة الصدريين لأن هذا سيؤثر على الانتخابات ويكون مصدر قلق كبير في العراق".
يختتم الساعدي بالقول إن "الصدر وصل الى قناعة يحاول من خلالها الحفاظ على تاريخ ونزاهة عائلته وعدم التضحية بإرثها من أجل مجموعة فاسدين ومنتفعين، لذلك هو يرى أن إعادة ترتيب الأوراق باتت مسألة مهمة".
وقال مصدر مقرب من الصدر لرويترز إن القرار جاء في أعقاب حملة شنتها جماعات شيعية مدعومة من إيران لتشويه سمعة التيار الصدري خوفا من أن يكتسح الانتخابات.
وقال المصدر إن الصدر أبلغ أتباعه في اجتماع عقد في الآونة الأخيرة أن "هناك مجاميع لديها الاستعداد لإحراق العراق لمنع الصدريين من تشكيل الحكومة القادمة"، في إشارة إلى منافسيه المدعومين من إيران.
وبحسب رويترز، المنافسون الرئيسيون للصدر هم الجماعات الشيعية المدعومة من إيران والتي تلقي باللوم على كتلة (سائرون) في إخفاقات الدولة. وللصدر ملايين الأتباع في العراق ويسيطر على جماعة كبيرة شبه عسكرية مثله في ذلك مثل خصومه المدعومين من طهران.
