تضج وسائل التواصل الاجتماعي العراقية، منذ يومين، بقصة علي، الجندي الشاب الذي كان على وشك تلقي حكم بالإعدام بعد إدانته بقتل زوجته و"رمي جثتها في النهر"، قبل أن يتبين أن الزوجة ما زالت على قيد الحياة، وتنقذه من حبل المشنقة.
يقول علي، في تصريحات لقناة دجلة الفضائية العراقية، إنه تعرض للتعذيب، وأجبر على الاعتراف بجريمة لم يرتكبها.
شاهد.. عراقي يجبر على الاعتراف بقتل زوجته رغم أنها على قيد الحياةشاهد.. عراقي يجبر على الاعتراف بقتل زوجته رغم أنها على قيد الحياة #قناة_دجلة_الفضائية
Posted by قناة دجلة الفضائية on Tuesday, September 21, 2021
الفلقة
وفي التقرير التلفزيوني يضيف قوله "قاموا بربطي بالفلقة"، وهي جهاز تعذيب من العصور الوسطى تربط فيه قدما الضحية إلى عمود وترفع، ويضرب باطنها بعمود خشبي أو بلاستيكي.
ويتابع في حديثه للبرنامج "ربطوا يدي إلى الخلف أيضا، وصعد اثنان من المحققين على ظهري، وربطوا عيني بحيث لا أرى شيئا، لكنني كنت أنفي الجريمة".
وأمام الكاميرا، يقول علي إنه "تعرض للتهديد بتعذيب أمه وأخواته وأبيه"، كما تعرض لـ"لتعذيب بالكهرباء" قبل أن يقوم بالاعتراف بقتل زوجته.
وحاول موقع "الحرة" الاتصال بعلي، لمعرفة ملابسات القضية، لكن شقيقه، أحمد، قال إنه "مرهق جدا حاليا، ولا يتمكن من الكلام مع أحد".
وأضاف أحمد أن العائلة تمر بظروف "غير جيدة" في الوقت الحالي.
وتقول قيادة شرطة بابل، حيث تم التحقيق مع علي، إنها تقوم بالتحقيق مع الضباط المتهمين بتعذيب علي.
وقال المتحدث باسم القيادة، العميد عادل العناوي، لموقع "الحرة" إن "قائد الشرطة أمر بتشكيل مجلس تحقيقي لمعرفة كيف تم انتزاع الاعتراف من المتهم".
وفي فيديو شاع مؤخرا، يظهر العميد العناوي، ومقدم برامج في قناة فضائية، ومسؤولون آخرون، وهم يسجلون "اعترافات المتهم" وهو يروي لهم "كيف قام بالجريمة، وكيف تخلص من الجثة".
ويقول العناوي إن "موضوع تسجيل الاعترافات أمام وسائل الإعلام أمر شائع".
وتقوم الجهات القضائية في المحافظة بالتحقيق، بحسب العناوي الذي قال إن قيادة الشرطة تشعر بـ"الاستغراب" بعد اعتراف المتهم بقتل زوجته ورميها في النهر ومن ثم العثور عليها وهي على قيد الحياة.
وبحسب العناوي فقد اعترف علي بـ"قتل زوجته، وحرقها، ورميها في النهر".
وطال بقاء علي في السجن نحو ستة أشهر، بحسب العناوي، الذي نفى أن "يكون التعذيب منهجيا" في قيادته، مضيفا "في كشف الدلالة يشترك قاضي تحقيق، ويكشف عن احتمال وجود تعذيب للمتهم".
ويؤكد العناوي أن "الضابط المتهم أودع التوقيف للتحقيق معه"، مضيفا أن وزارة الداخلية العراقية عقدت مؤتمرا لمكاتب مكافحة الجريمة في العراق، الأربعاء، للتأكيد على ضرورة التعامل الإنساني مع المتهمين، وأنهم بريئون حتى تثبت إدانتهم".
"تعذيب منهجي"
وأصدر رئيس الحكومة العراقية، مصطفى الكاظمي، الثلاثاء، توجيهات بالتحقيق في قضية علي.
وقال بيان لرئاسة الوزراء إن الكاظمي وجه "بإيقاف المسؤول المعني بمكافحة الإجرام في المنطقة محل الاعتقال، وإحالة جميع المسؤولين إلى التحقيق قدر تعلق الأمر بمسؤولياتهم الوظيفية المتصلة بتوجيه الاتهام للمواطن موضوع الاتهام غير المستند إلى دليل، مؤكداً على ضرورة الالتزام بمبادئ حقوق الإنسان في جميع الإجراءات الحكومية".
وأضاف البيان أن الكاظمي أمر بـ"تحميل المشتركين المقصرين المسؤولية القانونية والجنائية عن أي ظلم أو حيف يطال مواطناً عراقياً، مهما بلغت رتب المقصرين ومناصبهم"، و"إعادة حقوق الضحية جميعها، وتعويضه عما واجهه من تجاوزات وانتهاكات أثناء التحقيق".
لكن لا يبدو أن هذه الحادثة منفردة، بحسب تقرير بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، يونامي، الذي صدر بداية أغسطس الماضي.
وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، للصحفيين إن أكثر من نصف المحتجزين الذين قابلتهم بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، ومكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في سياق التحضير قدموا للتقرير "روايات موثوقة وذات مصداقية عن تعرضهم للتعذيب، بما يتفق مع الأنماط والاتجاهات التي تم توثيقها في التقارير السابقة".
ويروي التقرير قصصا عن معتقلين تعرضوا للتعذيب بالكهرباء، والتعليق من الخلف إلى السقف، وطرقا أخرى للتعذيب، كما حرم بعضهم من الوصول إلى محام.
وقوبل تقرير الأمم المتحدة بالتشكيك من وزارة الداخلية العراقية، التي قالت إن "التقارير الأممية ليست دقيقة ولا يمكن الاعتماد عليها في موضوع الإحصائيات".
لكن بعد نشر تقرير الأمم المتحدة بأيام، اتهم ذوو معتقل عراقي قيادة شرطة محافظة البصرة بالتسبب في مقتل ابنهم بعد "تعذيبه" إثر اعتقاله بتهمة جنائية.
وبعد الكشف عن قضية علي، نشر عشرات المدونين والصحفيين العراقيين حوادث مشابهة، لأشخاص قالوا إن الاعترافات انتزعت منهم بالتعذيب، فيما يؤكد محامون عراقيون أن المشكلة أوسع مما يعتقد.
وتشير وثائق اطلع عليها موقع "الحرة" إلى تحقيقات تجري مع مجموعات من الضباط، متهمين بانتزاع اعترافات تحت التعذيب، وهم بانتظار المحاكمة.
وفي إحدى هذه القضايا، يقول المحامي حسين السعدون، وهو محام لمتهم "تعرض للتعذيب والحكم عليه بالسجن في قضية مخدرات" إن "القضاء اعتقل عددا من الضباط بتهمة تعذيب موكله".
ويضيف السعدون لموقع "الحرة" "اعتقلوا موكلي من منزله بعد مساومة أحد الضباط له على التخلي عن عقار في إحدى مناطق بغداد، ثم أخذوا خزنة فيها أموال من منزله، وتقاسموا الأموال التي كانت فيها، ودسوا مخدرات في المنزل".
وبحسب السعدون، فإن تحقيقا داخليا أدى إلى الكشف عن هذه المجموعة، ومراجعة القضايا التي تولتها، لكن "بعد أربع سنين قضاها المتهم ظلما في السجن".
ويتوقع السعدون أن يحكم القضاء لصالح الإفراج عن موكله، بعد الحكم على المجموعة التي قال إنها اعترفت بأفعالها.
ويقول المحامي رؤوف محمد إن "حالات التعذيب شائعة في مراكز الاحتجاز العراقية".
ويضيف محمد لموقع "الحرة" أن "الروتين والبيروقراطية، تجعلان من الإجراءات القانونية لمنع التعذيب مجرد إجراءات على الورق، بدون أن يكون لها دور حقيقي"، مع هذا، يقول محمد "هناك ضباط وقضاة مهنيون، وهناك جهود للقضاء على هذه الظاهرة، لكن هذا يحتاج إلى جدية كبيرة".
وشكك كثيرون في مدى دقة اعتماد الاعتراف كقرينة في الجرائم، خاصة تلك التي تكون عقوبتها الإعدام.
ويقول المحامي السعدون إن "الاعتراف دليل مهم في النظام القضائي العراقي، حتى لو لم يكن الدافع للجريمة معروفا أو موجودا، وحتى إن لم تكن الأدلة المادية، مثل وجود جثة أو سلاح الجريمة موجودة".
ويضيف السعدون "الحل الوحيد هو أن يتمسك المتهم بحضور محاميه معه منذ بداية التحقيق، وتوكيل محام منذ إجراء الاعتقال، وإشاعة الثقافة القانونية بين الناس بحيث لا يتمكن أحد من خداعهم، في حال عرفوا حقوقهم القانونية".
