على مدار الأيام الماضية، أثار انعقاد مؤتمر في إقليم كردستان دعا للتطبيع مع إسرائيل حالة من الجدل في العراق، بعد تعرض المشاركين لتهديدات بالقتل وصدور قرارات بالقبض عليهم.
وهددت الجماعات المدعومة من إيران المشاركين بالمؤتمر، إذ وصفتهم بـ"الخونة"، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز" التي قالت إن مقاتلي الميليشيات بعدة نقاط تفتيش بين بغداد ومحافظة الأنبار، رفعوا لافتات ضخمة عليها وجوه المشاركين في المؤتمر، يعلنون فيها أنهم مذنبون بالخيانة العظمى.
كما أن المتحدث الرئيسي في المؤتمر، الشيخ وسام الحردان، يخضع الآن للحماية الكردية إلى جانب ذلك يواجه الحاضرون الآخرون في المؤتمر تهديدات.
وقالت مجموعة تسمى "كتيبة حراس الدم": "لن نتأخر في إحراق كل مواقع الخونة بالصواريخ الذكية والطائرات المسيرة".
وقالت الحكومة العراقية، تعقيبا على المؤتمر، إنها "ترفض بشكل قاطع للاجتماعات غير القانونية، التي عقدتها بعض الشخصيات العشائرية المقيمة في مدينة أربيل بإقليم كردستان، للمطالبة بتطبيع العلاقات مع إسرائيل"، وأضافت أن "التطبيع مع إسرائيل مرفوض دستورياً وقانونياً".
وكانت سلطات إقليم كردستان نفت صلتها بالاجتماع وتوعدت بعض القائمين عليه بالعقوبات. وأعلنت، السبت، اتخاذ إجراءات ضد منظمي المؤتمر الذي دعا للتطبيع مع إسرائيل، من بينها إبعادهم عن أراضي الإقليم.
وقالت وزارة الداخلية في إقليم كردستان في بيان إن بعض المشرفين بإقامة المؤتمر قاموا بـ"حرفه" عن أهدافه واستخدامه لـ"أغراض سياسية". وأضاف البيان أن المؤتمر، الذي انعقد في أربيل، الجمعة، كان يهدف "للعمل على مفاهيم التعايش وتطبيق أسس الفدرالية في العراق على ضوء الدستور العراقي الدائم".
وترى الصحيفة الأميركية أن هذه الضجة تذكير بمدى التقلب في العراق، ومدى اختلاف القوى السياسية الحاكمة وتفرقها.
وقال جوزيف براودي، مؤسس مركز اتصالات السلام، راعي المؤتمر، لنيويورك تايمز: "كنا نعلم أن هذا المؤتمر من شأنه أن يثير جدلاً هائلاً ورد فعل عنيف. ومع ذلك، فقد فعلنا ذلك لأن الناس في العراق هم الذين أرادوا القيام بذلك وطلبوا مساعدتنا".
وعن هذا الجدل، يقول الكاتب إيلي لاك، في مقاله بموقع "بلومبيرغ" إن الهجوم الشرس على المؤتمر والقائمين عليه قد يدفع البعض لاستنتاج أن معظم العراقيين ليسوا مستعدين للسلام مع إسرائيل، لكنه يطرح تفسيرا آخرا محتملا: "أعداء إسرائيل خائفون للغاية من أي نقاش حر حول الدولة اليهودية لدرجة أنهم يشعرون بأنهم مجبرون على فرض إجماع زائف حول هذه المسألة".
ويرى المحلل السياسي، أمثال الألوسي، أن مؤتمر أربيل قد جاء بدوافع طيبة وإنسانية، على رأسها وجود 500 ألف إسرائيلي من أصول عراقية، وأشار إلى أنه لا يمكن للعراقيين أو السلطة تجاهل هذا الرقم، وتجاهل زملائهم وجيرانهم وذكرياتهم معهم.
وصدر أمر بالقبض على الألوسي بعد المؤتمر رغم عدم مشاركته فيه، ويقول في تصريحات لموقع قناة "الحرة" إن "الهجمة ضد المؤتمر هي محاولة لإعادة تعليق المشانق للعراقيين الذين يفكرون بصوت عال، ويعارضون الهيمنة الإيرانية في بغداد"، على حد قوله، مضيفا أن التصعيد ضد المؤتمر يحقق الغايات الإيرانية، و"يخدم الفاسدين في السلطة والميليشيات التي تريد إعطاء تبرير لوجودهم الذي هو خارج الدستور"، على حد قوله.
مستقبل التطبيع
ورغم ردود الأفعال العنيفة، فإن براودي يقول للصحيفة الأميركية إن المؤتمر سيكون له تأثير على المدى البعيد، مضيفا: "العراق ليس كتلة واحدة، والناس لديهم وجهات نظر متباينة عن اليهود".
في المقابل، يقول المحلل السياسي غانم العابد أن ردود الأفعال الغاضبة من المؤتمر منطقية، كونه أول مؤتمر يدعو للتطبيع علانية من داخل العراق.
وقال الغانم في تصريحات لموقع "الحرة" إن "الشعب العراقي بغالبيته رافض للتطبيع، بينما الأصوات المرحبة هي أصوات فردية ليس لها تأثير"، مضيفا: "الشخصيات المشاركة في المؤتمر لا تمثل المكون السني.. وليست لها جماهيرية"، على حد قوله.
واستبعد العابد أن يكون هناك أي تطبيع بالمستقبل القريب. وقال: "ردة الفعل العراقية على مؤتمر أربيل كانت واضحة لذلك لن يجرؤ أي طرف رسمي أو غير رسمي على تجديد هذه الدعوات".
ويقول زعيم تجمع القوى العراقية للإنقاذ، عبدالرزاق الشمري، إن رد الفعل الغاضب من المؤتمر يعود لأن الشعب العراقي تربى على رفض التطبيع والحرص على القضية الفلسطينية. لكنه استدرك: "الرافضون لمشروع التطبيع وخاصة من السياسيين يريدون أن يغطوا على جرائمهم لأنهم أول من طبع مع إسرائيل عندما استلموا السلطة في العراق وتنازلوا عن القضية الفلسطينية"، على حد قوله.
وذكر الشمري في تصريحات لموقع قناة "الحرة" أن السياسيين يستخدمون الهجوم على مؤتمر أربيل كوسيلة للدعاية الانتخابية، لذلك فهو يتوقع أنه بعد الانتخابات سيلتزم الكثير من المهاجمين الحياد، بل وربما يؤيدوا التطبيع مستقبلا.
ويرى الشمري أن جزء كبير من الشعب العراقي يريد التخلص من مشاكله بأي وسيلة حتى عبر التطبيع مع إسرائيل، بشرط ضمان حقوق الفلسطينيين.
أما الألوسي فيقول إن "العراقيين سئموا الحرب.. ولا يريدون أن يكونوا البقرة الحلوب.. سواء لفلسطين أو من يتاجرون بالقضية الفلسطينية".
وأضاف: "لا نريد أن نكون طرفا في هذا النزاع وعلى الفلسطينين إيجاد الحلول لمشاكلهم. نريد السلام ونعتقد أن السلام هو الذي سيفتح أفقا لحل النزاع بين الإسرائيليين والفلسطينيين".
