لأول مرة يشارك مواليد ما بعد عام 2003 في الانتخابات البرلمانية المبكرة
لأول مرة يشارك مواليد ما بعد عام 2003 في الانتخابات البرلمانية المبكرة

"بالنسبة لنا، هذه لحظة فارقة، نحن الذين كبرنا تحت ظل هذه النظام، 18 عاما من الدم والقتل والفساد والحروب والطائفية والتبعية، نحن أخطر جيل على الطبقة السياسية ما بعد 2003، وتشهد بذلك احتجاجات تشرين"، هكذا تبدأ ورود قاسم، الإعلامية الشابة، حديثها لمراسل (ارفع صوتك)، عن تفاعل جيل ما بعد 2003 في العراق مع الانتخابات العامة.   

ولأول مرة، يشارك مواليد ما بعد عام 2003، وهو العام الذي شهد سقوط النظام السابق برئاسة صدام حسين، في الانتخابات البرلمانية المبكرة، المقررة في العاشر من أكتوبر الجاري، بعد بلوغهم السن القانونية التي تسمح لهم بالتصويت.  

جيل التغيير   

قاسم (18 عاماً)، تؤكد أن "كل فئات جيل 2003 عازمة على صنع التغيير، فهم بمثقفيهم وعمالهم وطلابهم وحتى من تركوا الدراسة وتوجهوا للعمل، بمهن شتى، يدركون جيداً أن الطبقة السياسية الحالية أساس الويلات والخراب".  

وفي وقت سابق، قال رئيس الجمهورية العراقي، برهم صالح، إن "150 مليار دولار هُربت من صفقات الفساد إلى الخارج منذ عام 2003".  

وأشار إلى أنه "لولا الفساد لكانت البلاد في مكان أفضل"، مبينا أن "إحصائيات وبيانات حكومية ودولية تخمن أن مجموع إيرادات العراق المالية المتأتية من النفط منذ عام 2003 يقارب ألف مليار دولار".  

ويصف الناشط قصي حاتم من محافظة النجف، جيل 2003 بأنه "جيل التغيرات الكارثية والمآسي"، مستدركاً بالقول "انتخابات تشرين المبكرة، فرصتنا للتغيير، لأننا نعرف جيداً الوجوه التي أحكمت قبضتها على العراق".  

ويضيف قصي "جيل لا يخاف، لا يخشى الاحتجاج، تشهد بذلك لنا، ساحات الاحتجاج في ذي قار وميسان والبصرة والنجف وكربلاء، نحن جيل لاحقتنا الكواتم، لكننا قلنا كلمتنا أمام الظلم والجور".  

نريد وطن   

من محافظة كربلاء، يقول محمد نزار وهو أيضاً من مواليد العام 2003، بأن "الغالبية العظمى من جيلهم، فتحوا عيونهم على التطور التكنولوجي ومواقع التواصل الاجتماعي والتداخل الثقافي، لهذا فإن هناك آفاقا لم تفتح لغيرنا، بسبب تفاعلنا الكبير مع المتغيرات الاجتماعية".  

ويضيف "ما يميز جيلنا، أنه خرج يصرخ بعبارة (نريد وطن)، بلا طائفية أو مذهبية، أو عنصرية، لذلك فإن الطبقة السياسية سعت لاستمالتنا بشتى أنواع السبل لانتخابهم مرة أخرى، لكنها فشلت، وأكبر دليل على هذا، حجم السخرية والانتقاد الذي يتعرض له مرشحوها، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وخلال مشاركاتنا في مختلف المنتديات الثقافية".  

تقول الباحثة الاجتماعية، سلوى غانم، لـ(ارفع صوتك)، إن "جيل 2003 في العراق، هم بالفعل الجيل الذي أحيا شعار (نريد وطن)، فقد دافعوا واستقتلوا في ساحات التظاهر، مع بقية الناشطين والمتظاهرين، من أجل إيصال رسالتهم للعالم، وقد وصلت بالفعل".  

وأضافت غانم أن "هناك ما يميز جيل عام 2003 في العراق عن غيرهم، من ناحية التفاعل مع الأحداث السياسية، فهم بغالبيتهم وبحكم أعمارهم إلى الآن، غير منضوين تحت قيادة سياسية، أو أمنية معينة، وهم غير موظفين، وأغلبهم يمثلون المراحل الأولى من الجامعات العراقية، لذلك فهم أساس لعراق حر، خال من التبعية السياسية، إذا ما تم استثمار قدارتهم واستقلاليتهم بالشكل الصحيح".  

وتختم بالقول "خلال هذه الانتخابات أو في المرحلة المقبلة، سيقول هذا الجيل كلمته، سواء في صناديق الاقتراع أو حتى في ساحات الاحتجاج، فهم سائقو (التكتك)، وخامدو القنابل الدخانية، والصارخون بشعار (نريد وطن)، الذي هز ضمير ملايين العراقيين وأحدثوا ضجة كبرى في العالم".  

صدام

"صدام حسين يعمل ممثلاً مسرحياً في العاصمة البريطانية لندن". هذا ليس عنوان خبر ملفق لجذب النقرات، وليس خبراً افتراضياً معداً بتقنية الذكاء الاصطناعي. الشخص الذي نتحدث عنه، المدعو صدّام حسين، لا يجد ما يربطه أصلاً بالرئيس العراقي الأسبق، سوى الاسم.

حمل هذا الممثل اسمه، ليس من باب الصدفة، بل لأن والده كان معجباً بالرئيس العراقي الراحل صدام حسين.

القصة كانت لتبدو شبه طبيعية لو أن صدّام حسين، الممثل، كان عراقياً أو حتى عربياً، لكن الأغرب في الحكاية أنه هندي الولادة والمنشأ، وانتقل إلى إنكلترا ليكمل دراسته ويعمل في المهنة التي اختارها: التمثيل.

قال صدّام لمنصة "ارفع صوتك" التابع لـ"الحرة" إن اسمه طالما شكّل له إرباكاً، وأوقعه في مواقف محرجة "آلاف المرات"، بدءاً من المدرسة حيث كان يتحول إلى مادة لسخرية زملائه.

كما كان الاسم، ولا يزال، كثيرا ما يعرقل معاملاته الرسمية، في التحويلات المالية وإصدار جوازات السفر، ويضعه في مواقف صعبة ويخضعه لأسئلة غريبة أثناء التدقيق في المطارات.

بعض المواقع الإلكترونية كانت ترفض أن يستخدم صدام حسين اسمه لدى إدخال بيانته، وتعتبر أنه ينتحل صفة أو يسوّق لشخصية مرتبطة بالإرهاب. يضيف صدّام "خلال تجارب الأداء على المسرح غالباً ما كنت أرى على وجوه الناس ضحكات مكتومة لدى معرفتهم باسمي".

لكن الاسم كانت له حسنة يتيمة تتمثل في دفع الممثل الهندي إلى متابعة ما يحدث في الشرق الأوسط، بسبب أثر صاحب الاسم الذي يحمله على تاريخ الشرق الأوسط وحاضره، وربما أيضاً مستقبله.

لا يعيش "صدام حسين" الهندي وحده هذه المعاناة التي سببها له الاسم. فمئات العراقيين والعرب وجدوا أنفسهم بعد سقوط نظام صدام حسين في العراق، مع اسم اختاره لهم آباؤهم، ويحيل في معظم الأحيان إلى صاحبه الأصلي، الذي ارتبط اسمه ارتباطاً وثيقاً بالديكتاتورية والاستبداد، وبجرائم ضد الإنسانية.

ومؤخراً، انتشر فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي لضابط في الجيش العراقي يدعى صدام، وهو يشتكي لوزير الدفاع العراقي ثابت العباس من عدم ترقيته في العمل منذ 8 سنوات بسبب اسمه.

وفي فيديو آخر، نشرته وسائل إعلام عراقية ناشد مواطن يدعى صدام حسين عبد المجيد من محافظة نينوى رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، لمساعدته بعد أن تعرض للتهميش كما يقول، ولم يثبّت في عمله مع هيئة "الحشد الشعبي" بسبب اسمه.

واعتبر أن اسمه "قد يكون نقمة على حياته"، مؤكداً أنه لن يغيره إذا طُلب منه ذلك، بل طالب رئيس الوزراء والجهات المعنية بإيجاد حل له أو "على الأقل أن يحصل على راتب الرعاية الاجتماعية".

من المفارقات أن سمياً هندياً آخر لصدام حسين، غير صدام الممثل، كتبت عنه "بي بي سي" عام 2017 وكان يشكو هو الآخر أنه "لم يجد وظيفة بسبب اسمه"، وقد اضطر إلى تغييره رسمياً إلى "ساجد".

صدّام مراسلاً تلفزيونياً

ولد صدام حسين، وهو مراسل تلفزيوني كان يظهر في تقارير متلفزة عبر قناة لبنانية محلية، عام 1987 في ذروة حرب الخليج الأولى المعروفة عراقيا بـ"قادسية صدام".

في ذلك الوقت، كما روى صدام لـ"ارفع صوتك"، كانت هناك "حماسة لصدام حسين في الشارع السوري رغم التمايز بين حزبي البعث في سوريا والعراق"، وكان والده "متحمساً لصدام كقائد عروبي والكنية لديه حسين، فكان تركيب الاسم مثالياً".

وأضاف صدّام أن الاسم "بدا مسلياً في طفولته، خصوصاً أنه كان يفرح لسماعه في نشرات الأخبار".

هكذا وبعد ثلاثة عقود ونيف من ولادته، وبعد عقدين على سقوط حزب البعث العراقي، صار صدّام حسين مراسلاً تلفزيونياً، وكان قد سبق له أن وقّع باسم صدام حسين مقالاته في إحدى الصحف اللبنانية وأذاع تقارير على أثير إذاعة لبنانية محلية.

قبل ذلك، وبعد بداياته الإعلامية في إذاعة سورية، كان يعدّ التقارير ويسجلها بصوته ويختمها باسمه، "ما أثار حالة من الاستغراب لدى المستمعين، وخلق حالة من الفضول والرغبة في معرفة من هو هذا الشخص الذي يحمل اسم صدام حسين، وهل هو حقيقي أم اسم مستعار، لكنهم اعتادوا الاسم لاحقاً"، بحسب قوله.

ويعتقد صدام حسين السوري، الذي يشتغل اليوم في قناة "روسيا اليوم"،  أن الإسقاطات المرتبطة باسمه ستبقى موجودة وأن "الناس ستبقى تربط بينه وصاحب الاسم الأصلي". وأضاف: "لا أظن أنها قد تخف مع الزمن لأن صدّام كان قائداً غير عادي مع ما رافق سيرته من ظروف إعدامه واحتلال العراق وشخصيته وشعبيته الكبيرة حتى اليوم في الشارع السوري والعربي عموماً".

حالة الاستغراب من الاسم دائماً موجودة، كما يقول صدام الإعلامي، عندما يعرّف عن نفسه لشخص لا يعرفه، أو عندما يتقدم بمعاملات في الدوائر الرسمية، أو في المطارات وعلى الحدود.

لكنه لم يواجه تعقيدات كما حدث مع الممثل الهندي. والطريف في حالة صدّام السوري، كما يقول: "معظم أصدقائي المقربين جداً ولأسباب مختلفة يُعادون صدام حسين سياسياً، لكن ذلك لم يؤثر على صداقتنا أبداً".

صدّام "أبو عراق"

صدّام حسين ثالث التقاه "ارفع صوتك"، يُعدّ وجبات سريعة ومأكولات عراقية في مطعم يملكه في قضاء بعقوبة التابع لمحافظة ديالى.

يروي حكايته مع الاسم: "زوجة عمي وأمي وضعتا مولودين في اليوم نفسه عام 1975. كان صدام حسين حينذاك نائباً لرئيس الجمهورية، والرئيس كان أحمد حسن البكر. عمي اسمه حسن وأبي اسمه حسين. حينما وُلد ابن عمي سمّاه والده أحمد ليصير أحمد حسن على اسم رئيس الجمهورية، بينما سمّاني والدي صدّام ليصير اسمي صدّام حسين تيمناً باسم نائب الرئيس".

يقول صاحب المطعم إن "والده وعمه كانا مثل كثير من العراقيين يحبان النظام الذي كان يحكم في ذلك الوقت، لذا فإن التسمية جاءت عفوية". وبالفعل شهد العراق في فترات الثمانينيات والتسعينيات مئات التسميات بصدام حسين أو أحد أبنائه، إما حباً بالرئيس أو خوفاً منه أو مجاملةً له ولنظامه..

ولا يزال كثير من العراقيين يحملون هذا الاسم، بينهم شخصان ترشحّا في انتخابات مجالس المحافظات التي شهدها العراق خلال ديسمبر الماضي. كما عمد كثيرون من أصحاب هذا الاسم إلى تغييره؛ تفادياً للمشكلات الناتجة عنه.

لم يعان صدام العراقي من المواقف المحرجة المرتبطة باسمه، لكنه يتذكر حادثة وقعت بعد سقوط النظام عام 2003 ودخول الجيش الأميركي إلى العراق. حينها، كان صدام هذا يدخل إلى بغداد من جهة الكاظمية، فأوقفه حاجز "سيطرة" وطلب أحد العناصر الأمنية بطاقة هويته، فصاح العنصر حينما قرأ اسمه للضابط المسؤول "سيدي هذا اسمه صدام حسين"، لكن الضابط أجاب "نحن لا نحاسب الناس على أسمائهم بل على أفعالهم".

يقول بائع المأكولات العراقي إن كثيرين نصحوه بتغيير اسمه حتى لا يحمل أعباءه، لكنه لم يجد داعياً من ذلك، وهو يتعايش مع الاسم اليوم دون مشاكل.

سمّى صدّام ابنه البكر عراق، ويفضّل أن ينادى عليه بـ"أبو عراق"، وهو لقب حمله قبل أن ينجب ابنه واستمر معه، كما أنه الاسم المحبب له والأقرب إلى قلبه، كما يقول.

صدام الممثل الهندي، بات معتاداً على اسمه "بعض الشيء"، مع أن "الناس ينصحونني دائماً بتغيير الاسم، إلا أنني لن أغيره"، يقول.

وما يجب أن يتغير، برأيه "طريقة تعامل المجتمع مع ما توحي بعض الأسماء التي لا يتحمل حاملوها مسؤولية معانيها أو خلفياتها".

أما المراسل التلفزيوني الذي يعيش اليوم في موسكو ويعمل في قناة روسية، فيرى أن "الحياة أقصر من أن يعيشها باسمين، ولا يفكر بتغيير اسمه. لذا سيكمل حياته بالاسم الذي أعطي له لحظة ولادته.. صدام حسين".