An Iraqi woman checks for her name on a list of voters at a polling station in the southern city of Basra, on October 10, 2021,…
أظهرت النتائج الأولية حصول النساء على 97 مقعدا.

بينما كانت تشتد المواجهة بين متظاهري (تشرين) أكتوبر 2019 والأمن، خرجت دنيا بائعة المناديل من وسط الزحام في محاولة لمساعدة المحتجين الذين سالت دماء بعضهم.

اشتهرت دنيا إعلاميا ليتضح فيما بعد معاناتها؛ (يتيمة ولا تحظى برعاية اجتماعية ولا تحصل على راتب ثابت).. ربما يتغير مصير دنيا بعدما أظهرت نتائج أولية فوز 97 امرأة في الانتخابات البرلمانية، في نسبة نادرا ما يشهدها العراق.

واقتنصت المرأة هذا الفوز وسط نسبة مقاطعة غير مسبوقة (41 في المئة) في الانتخابات الخامسة منذ سقوط نظام صدام حسين، وفي وقت لم تشغل فيه النساء في العراق أي منصب رئاسي أو تنفيذي مهم بعد عام 2003. 

وتقول البرلمانية السابقة ميسون الدملوجي لموقع "الحرة" إن النساء حصلن على نسبة تصويت مرتفعة بسبب مشاركتهن الفاعلة في تظاهرات تشرين (أكتوبر).

وكان عشرات الآلاف من العراقيين شاركوا في مظاهرات ضخمة احتجاجا على الفساد والتدهور الاقتصادي وتراجع الخدمات العامة.

وتضيف الدملوجي "هذا أمر مفرح جدا يعكس قدرة النساء على التحدي ولا سيما في ظل القانون الانتخابي الجديد"، حيث تتسم أغلب الدوائر الانتخابية بطابع عشائري أو حزبي، معربة عن أملها في زيادة هذه النسبة مستقبلا.

وتتحدث النائبة السابقة ماجدة التميمي لموقع "الحرة" عما وصفته بـ"نقلة نوعية جيدة" في هذه الانتخابات تمثلت في منح المرأة صوتها للمرأة، مشيرة إلى تمكن بعض المرشحات الفائزات من تخطي الصعاب أمام "الرؤوس الكبيرة والمال السياسي"، ونجاح نساء شاركن في ثورة تشرين وتشكلت لديهن رغبة بالتغيير. 

وترى الناشطة المدنية، سهيلة الأعسم، رئيسة جمعية "فرح العطاء" في العراق، أن هذا الفوز سيسمح للمرأة العراقية بالمشاركة في صنع القرار. 

بعيدا عن الفساد.. و"الكوتا"

وأرجعت الأعسم سبب صعود النساء إلى ما سمته بـ"سوء سمعة الرجال في الانتخابات السابقة"، على حد قولها. وأضافت لموقع "الحرة": "مع الأسف أكثر الرجال كانوا متورطين في قضايا فساد".

وفي هذا السياق، تتحدث النائبة السابقة نورة البجاري لموقع "الحرة" عما وصفته بالعمل الجدي الذي تخدم المرأة من خلاله شريحة واسعة من الجمهور والمجتمع، وعدم ارتباطها بملفات فساد.

ومن مشاهدتها كنائبة السابقة في الدورة البرلمانية الأخيرة، ترجع ماجدة التميمي ارتفاع نسبة التصويت لصالح النساء إلى التزامهن بحضور الجلسات البرلمانية مقارنة بالأعضاء الرجال، ونشاطهن الملحوظ في المداخلات والرقابة والاستجوابات والمشاريع التنموية في مناطقهن وكذلك الإعلام.

وبحسب التحليل الأولي لنتائج الانتخابات من قبل الأمانة العامة لمجلس الوزراء، تمكنت المرأة من الفوز بـ97 مقعدا، من بينها 57 امرأة فازت بقوتها التصويتية، من دون الحاجة إلى الكوتا.

وتقول الأعسم: "أكثر المرشحات الفائزات حصلن على قوة تصويتية كافية تؤهلهن للفوز، مما يعني أن نظام الكوتا لا دخل له في وصولهن للبرلمان".

ورغم  فوز غالبية المرشحات بالقوة التصويتية من دون أحزاب، "خصوصا التشرينيين والمستقلين" تقول الدملوجي إن نظام الكوتا شجع العراقيات وأجبر الأحزاب على ترشيح النساء.

وقد خصص الدستور العراقي نسبة تمثيل ثابتة للمرأة في مجلس النواب لا تقل عن 25 في المئة أي 82 من أصل 329 مقعدا، هي عدد مقاعد البرلمان. وعلى هذا الأساس أقرت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات (نظام الكوتا) لتمثيلها برلمانيا بأدنى المستويات.

وهنا تعرب الأعسم عن أسفها من  سعي المفوضية لضم من فاز بالقوة التصويتية إلى نظام الكوتا لتأمين نسبة الـ25 في المئة، وأضافت "هذا شيء سيء، ودائما نناقشه ونبحث فيه مع المفوضية والمنظمات الدولية والأمم المتحدة".

إلا أن الخبير القانوني علي التميمي يقول إن نظام الكوتا الحالي لا يتناسب مع نسبة عدد النساء في العراق التي قد تبلغ 60 في المئة من نسبة السكان في العراق.

ويقول إن نظام الكوتا يخالف نص المادة (14) من الدستور العراقي التي تقول إن "العراقيين متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو الجنسية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاجتماعي أو الاقتصادي".

وأضاف "أيضا المادة 20 تنص على أنه من حق الجميع الترشيح والانتخاب؛ لهذا يمكن الطعن على نظام الكوتا أمام المحكمة الاتحادية لأنه لا يعطي للمرأة حقوقها الكاملة مثل بلدان العالم، ففي ألمانيا مثلا يتيح نظام الكوتا للنساء تبوأ منصب المستشارة ومناصب عليا أخرى".

ويرى التميمي أنه كان بإمكان المرأة العراقية تأمين نسبة مقاعد أكبر بدون نظام الكوتا، مرجعا ذلك إلى اقتحامهن "الحياة السياسية".

القانون الانتخابي الجديد

وكانت الحكومة سنت قانون تصويت جديدا، قالت إنه سيجلب المزيد من الأصوات المستقلة إلى البرلمان وقد يساهم في الإصلاح. 

وجرت الانتخابات، الأحد الماضي، على أساس التصويت الأحادي، مع رفع عدد الدوائر إلى 83 دائرة موزعة على جميع المحافظات، من أجل تشجيع المرشحين المحليين إلى البرلمان على خوض الانتخابات.

وبحسب القانون الانتخابي الجديد، باتت الدوائر الانتخابية مغلقة، إذ فيما كانت كل محافظة عراقية دائرة انتخابية واحدة يجري احتساب الأصوات فيها على قاعدة التمثيل النسبي، أصبح الترشيح في دوائر مصغرة لا يتطلب الانضواء في قوائم وبعدد محدود من المرشحين بحسب عدد السكان في كل دائرة.

وتقول ماجدة التميمي إن صغر الرقعة الجغرافية ساهم في حصول المرأة على نسبة أصوات مرتفعة، مما مكنهن من عقد ندوات ومؤتمرات انتخابية بشكل أكبر.

وإلى ذلك تقول البجاري لموقع "الحرة" إن قانون الدوائر المتعددة خدم النساء ومنحهن حظا متزايدا، وهذا مؤشر جيد وتطور كبير فيما يتعلق بدعم المرأة وتغيير ثقافة المجتمع تجاه الدور الكبير للمرأة ومزاحمتها الرجال في البرلمان.

وتتوقع البجاري أن تحصل إحدى النساء على منصب نائب رئيس البرلمان في هذه الدورة.

فيما يقول التميمي: "طبعا من حق المرأة أن تشغل المناصب العليا بما في ذلك رئاسة الجمهورية، ورئاسة الوزراء، والحقائب الوزارية، لكننا في العراق نتبع ما يسمى بالأعراف الدستورية والبرلمانية".

وأضاف "لدينا محاصصة ولدى كل كتلة نسبة تمثلها (...) رغم أن النساء تمثل نسبة 60 في المئة من الشعب العراقي لكنهن على الهامش، رغم عددهن الكبير مقارنة بالرجال".

ماذا ننتظر؟ 

وتأتي هذه النسبة في وقت تنتظر فيه عشرات العراقيات إقرار تشريعات تحميهن من العنف الجسدي والنفسي وكذلك التحرش.

ويرجح حقوقيون سبب تكرار حالات العنف ضد المرأة إلى "عدم وجود قوانين رادعة وضامنة لحقوق المرأة" وإن وجدت لا يتم الالتزام بتطبيقها.

وتشير الدملوجي إلى قانون العنف الأسري، على سبيل المثال، قائلة إنه "موجود على طاولة البرلمان منذ عدة دورات ولم يُشرع".

لكن البجاري تتوقع "إنصافا" لبعض القوانين المهمة الأخرى التي يجب تشريعها برلمانيا، خصوصا تلك المتعلقة بتمكين المرأة اقتصاديا.

وأضافت البجاري "عندما تتمكن المرأة اقتصاديا ستتمكن سياسيا واجتماعيا، وستتشكل قوتها في المجتمع (...) لدينا فقر بنسبة كبيرة جدا في العراق والنساء هن المعيلات لأسرهن، لذا نحتاج لدعم المرأة".

وفي هذا الإطار يشير الخبير القانوني علي التميمي إلى أهمية تأسيس وزارة خاصة بالنساء في العراق.

ويقترح التميمي أن تسعى النائبات الجدد لتشريع قانون تشكل بمقتضاه هيئة خاصة بالأرامل والمطلقات اللاتي وصل عددهن إلى المليون، على حد قوله. 

وأضاف "أغلب من يعملون في الشوارع والأسواق هم أبناء للأرامل والمطلقات، الأمر الذي قد يسفر في بعض الأحيان عن جرائم وانحراف سلوك وتشرد".

وفي مقابلة تلفزيونية، قالت دنيا بائعة المناديل إنها تعيش من بيعها للعِلك والمناديل الورقية في شوارع العاصمة، حيث لا تملك راتب رعاية اجتماعية، وتسكن مع خالتها بعدما رفض أخوتها استضافتها في بيوتهم.

ويتشابه حال دنيا، التي لم نتمكن من الوصول إليها لمعرفة أحوالها الآن، مع حال كثيرات يأملن في إقرار وتنفيذ تشريعات تنصفهن.

على متن حاملة الطائرات الأميركية هاري ترومان - رويترز
مشهد لحاملة الطائرات الأميركية هاري ترومان

في خضم تصاعد التوترات الإقليمية، يعود التحشيد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط إلى واجهة المشهد، مثيراً تساؤلات عديدة، حول دوافعه الحقيقية وأهدافه الاستراتيجية، وماهي الاحتمالات القائمة من ورائه.

التطورات الأخيرة في المنطقة، من ضربات عسكرية في اليمن إلى مؤشرات على توسيع محتمل لدائرة الاستهداف، تطرح سيناريوهات معقدة قد تعيد رسم خريطة الاشتباك في المنطقة، وسط تحذيرات من تداعيات قد تطال إيران وحتى العراق.

ويعتقد الخبير الأمني، صفاء الأعسم، في حديث لموقع "الحرة"، أن تغييرات كبيرة ستحدث في المنطقة، قد تمتد إلى تغييرات جغرافية، كاشفا عن "تحركات للوصول إلى الحدود العراقية السورية".

واستشهد الأعسم بتصريح رئيس لجنة الأمن والدفاع الإسرائيلي الذي أشار إلى أن إسرائيل ستصل إلى نهر الفرات وستكون على حدود مباشرة مع العراق وكردستان، "مما يعني توغلاً إسرائيلياً كبيراً قد يرقى إلى شبه احتلال"، حسب تعبيره.

وأضاف الأعسم أن الولايات المتحدة قدمت قراراً إلى مجلس الأمن يقضي بإنهاء أو إلغاء العضوية الدائمة لسوريا في المجلس، إضافة إلى سحب الجوازات الدبلوماسية من المسؤولين السوريين العاملين في الأمم المتحدة، واستبدال جوازاتهم بجوازات من فئة G3، وهو ما يشير إلى تراجع وضع سوريا على الساحة الدولية إلى نقطة الصفر.

أما فيما يتعلق بإيران، فقد منحتها الولايات المتحدة مهلة 60 يوماً للامتثال لشروط معينة، ولم يتبقَ منها سوى قرابة 40 يوماً، بحسب الأعسم.

وتشمل هذه الشروط وقف تسليح محور المقاومة، وإنهاء الدعم اللوجستي، وهو ما انعكس على انسحاب بعض فصائل المقاومة المدعومة من إيران من محافظة نينوى شمالي العراق.

كما أشار إلى وجود ثلاثة شروط رئيسة: إنهاء دور فصائل المقاومة، تسليم الأجهزة المتعلقة بالسلاح النووي، والتخلي عن الصواريخ الفرط صوتية.

ولفت الأعسم إلى أن المرشد الإيراني، علي خامنئي، أكد في تصريحاته الأخيرة أن إيران ستقاوم بشدة، محذراً من أن أي دولة تسمح لأميركا باستخدام مجالها الجوي ضد إيران ستكون هدفاً للضربات الإيرانية، وهذا يعتبره الأعسم رسائل تحذيرية لن تنفذ بل خطوة استباقية أن لا تصطف بعض الدول مع أميركا.

أما عن الولايات المتحدة، فقد وصف الأعسم الرئيس دونالد ترامب، بأنه "رجل مالي واقتصادي"، لا يحرك البوارج وحاملات الطائرات إلا بحسابات دقيقة، وأكد أن تكلفة بقاء حاملة الطائرات الأميركية في البحر ليوم واحد، تبلغ 2.5 مليون دولار، بينما تصل تكلفتها أثناء التحرك إلى 70 مليون دولار يومياً، ما يعني أن هذه التحركات ليست اعتباطية بل تهيئة لضربات عسكرية محتملة، لمعالجة وضع متأزم.

وأكد أن الضربات القادمة قد تستهدف الحوثيين، والفصائل المسلحة غير الملتزمة بالشروط الأميركية، وربما إيران نفسها، في حال لم تستجب للشروط خلال الأيام المتبقية من المهلة، وخُلص إلى أن هناك استعدادات عسكرية أمريكية واضحة، وأن الوضع في العراق قد يشهد تطورات جديدة في هذا السياق.

كما يضيف الخبير الأمني، أن قرار بعض الفصائل العراقية بترك السلاح وانسحابها من محافظة نينوى مثلا، يُعدّ خطوة إيجابية للعراق، حيث يشير هذا القرار إلى التزام تلك الفصائل بتوجيهات القائد العام للقوات المسلحة العراقية، التي تمنع حمل السلاح دون موافقة الحكومة العراقية.

ويرى الأعسم أن الضغوط المستمرة على إيران، سواء من خلال منع تصدير الغاز والنفط أو عبر العقوبات الاقتصادية، ستؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الداخلية، ما لم يتم التوصل إلى حلول سلمية تضمن استقرار المنطقة، وبغياب هذه الحلول، فإن المنطقة قد تكون على أعتاب حرب إقليمية واسعة، تتسبب بأزمات كبيرة وتتيح الفرص لتنفيذ أجندات أخرى، وفق قوله.

كما أكد الخبير الأمني، أن المفاوضات الأميركية الإيرانية في سلطنة عُمان ستكون شكلية، إذ أن التفاهم الفعلي بين الجانبين إن حصل سيتم خلف الأبواب المغلقة، وإيران تبدو مستعدة لتقديم تنازلات كبيرة في سبيل تحقيق طموحها النووي مستدلاً بانسحابها من سوريا الذي يعكس استعدادها للتخلي عن بعض مكتسباتها الإقليمية مقابل تقدم في الملف النووي، بيد أن التوصل إلى اتفاق إيجابي، يظل مرهوناً برؤية واشنطن، حسب تعبير الأعسم.

التهديد المؤجل: المسدس على طاولة المفاوضات

أوضح الأكاديمي، أستاذ العلاقات الدولية سعدون الساعدي، أن السبب الرئيس لهذا التحشيد الأميركي العسكري هو تطورات الأحداث في غزة وجنوب لبنان، إلى جانب سقوط النظام السوري.

هذه الحروب وتداعياتها دفعت الولايات المتحدة إلى إرسال قوات طارئة لضمان أمن واستقرار المنطقة، نظراً للمصالح الأميركية الاستراتيجية في الشرق الأوسط، على حد قوله. إضافة إلى ضمان تدفق النفط العالمي عبر قناة السويس، وحماية الأنظمة الحليفة للولايات المتحدة في المنطقة.

أما السبب الثاني يتعلق بالتعامل مع التهديد الحوثي المدعوم من إيران والذي بات يشكل خطراً على سلسلة إمدادات النفط العالمية.

من جانب آخر، يقول الساعدي إن الولايات المتحدة تستعد للدخول في مفاوضات مع إيران بشأن الملف النووي، وهي تستخدم أسلوب الضغط على طهران عبر وسيلتين رئيسيتين، إذ تتمثل الأولى بإرسال رسائل تحذيرية إلى إيران بأنها تجاوزت الخطوط الحمراء.

والوسيلة الثانية أن المفاوضات مع إيران وفقاً لرؤية واشنطن تتطلب ذراعيّن أحدهما الجانب الاقتصادي الممثل بالعقوبات المفروضة على إيران، وأيضاً التلويح بالتهديد بالقوة العسكرية عند الضرورة، حسب قوله.

وبرغم أن سياسة الرئيس ترامب تبتعد عن التدخل العسكري المباشر، لكن الساعدي أوضح أن ذلك لا يمنع من إبقاء هذا الخيار مطروحاً، وقد تستخدم الولايات المتحدة هذه القوة لضرب ماتبقى من أذرع إيران في المنطقة، كالحوثيين في اليمن والفصائل المسلحة العراقية.

ولفت الساعدي إلى أن واشنطن وفي ظل هذه الظروف المعقدة، ترى أن استعراض قوتها العسكرية بات أمراً ضرورياً، حتى لو كان ذلك في إطار تهديد الطرف الأخر.

وأضاف أستاذ العلاقات الدولية أنه فيما يخص التحشيد العسكري الأميركي، يمكن أن يُعتبر أداة ضغط، كما أن احتمالية أن تنوي الولايات المتحدة توجيه ضربات عسكرية إلى مواقع في إيران قائمة، إلا أن الأرجح أن يكون هذا التحشيد بمثابة وسيلة للضغط على طهران.

أما بشأن توجيه ضربة عسكرية، فالولايات المتحدة تمتلك القدرة على تنفيذ ضربات جوية فاعلة، وهذا الخيار يُستخدم كإجراء طويل الأمد تلجأ إليه واشنطن إذا وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود، على حد تعبيره.

وبحسب الساعدي، فإن الولايات المتحدة عادةً تعتمد مبدأ تعزيز موقفها التفاوضي بالقوة العسكرية، لا سيما وأن العلاقات الدولية تقوم على ركيزتين أساسيتين، وهما القوة العسكرية والاقتصاد، فالطرف الذي يمتلك تفوقاً عسكرياً أو اقتصادياً يكون في موقع أقوى ويدفع خصمه إلى تقديم تنازلات.

وفي هذا السياق، تمتلك واشنطن كلا العاملين، فهي تجمع بين القوة العسكرية والقدرة الاقتصادية، من خلال فرض العقوبات على إيران، لذا فإن جميع السيناريوهات تظل مطروحة، في ظل هذه الأوضاع التي يعتبرها معقدة، وربما تتجنب الولايات المتحدة المواجهة المباشرة، وتترك لإسرائيل مهمة تنفيذ الضربات نيابةً عنها، على حد قوله.

وفيما يتعلق بدائرة الاستهداف العسكري الأميركي، يرى الساعدي أن هذا التحشيد والتحركات الإسرائيلية ليست موجهة بشكل أساسي ضد إيران، بل يأتي لاستهداف أذرعها في المنطقة.

وبعد تقويض حزب الله في لبنان وسقوط نظام الأسد الموالي لها، لم يتبقَ من جغرافية النفوذ الإيراني سوى الفصائل في العراق والحوثيين في اليمن، ويعتقد الساعدي أنه في حال حدوث ضربات عسكرية في المنطقة، فإن الفصائل العراقية ستكون الهدف الأرجح، حسب قوله.

فيما يشير إلى أن واشنطن تركز اهتمامها على فصل إيران عن العراق واليمن، إذ تمثل الفصائل العراقية أداة إيران الفاعلة سواء على الصعيدين السياسي والعسكري، مما يجعلها في صدارة أهداف واشنطن، ويعتقد أن الفصائل التي ترفض الانصياع لمتطلبات واشنطن، لا شك ستنفذ ضربات عسكرية ضدها، وفقاً لحديثه.

وقال أستاذ العلاقات الدولية إن المفاوضات الأميركية الإيرانية المباشرة بوساطة سلطنة عمان هي أشبه بجسّ نبض للطرفين، فالولايات المتحدة تسعى لمعرفة مدى تقبّل إيران لمطالبها، في حين ترغب إيران في فهم الشروط الأميركية وما إذا كانت تتوافق مع سياستها أم تمثل نوعاً من الخضوع.

ويمكن اعتبار هذه الجولة من المحادثات بمثابة تحضيرية لرسم الخطوط العريضة للمفاوضات المقبلة، التي ستكون طويلة وشاقة، كما ستواصل واشنطن الضغط على إيران بعقوبات اقتصادية جديدة، لذلك في حال انعقد الاجتماع التفاوضي فقد يكون لقاءً استكشافياً يهدف إلى تحديد مسار المفاوضات والاتفاق مبدئياً على إطارها العام، حسب قول الساعدي.

كيف يمكن إعادة فرض عقوبات أممية على إيران؟
من المقرر أن تجري الولايات المتحدة وإيران محادثات مباشرة يوم السبت بشأن برنامج طهران النووي في الوقت الذي تدرس فيه بريطانيا وفرنسا وألمانيا ما إذا كانت ستطلق عملية لإعادة فرض عقوبات على إيران في الأمم المتحدة قبل انتهاء أمد الاتفاق النووي لعام 2015 في أكتوبر .

النموذج الليبي

أكد السياسي العراقي، المقرّب من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، انتفاض قنبر، في حديث لموقع "الحرة"، أن المحادثات الحالية تمثل أول لقاء مباشر بين أعلى المستويات في الولايات المتحدة وإيران.

وبيّن أن الإطار العام لهذه المفاوضات يشبه النموذج الليبي، حين قام معمر القذافي بالتخلي الكامل عن برامج الأسلحة البيولوجية والكيميائية، وفتح منشآتها للتفتيش من دون أي شروط، كما قطع نظامه علاقته بالإرهاب الدولي، والتزم القذافي حينها بهذه المطالب بشكل كامل، دون تلاعب أو أجندات خفية، على حد تعبيره.

واليوم، السؤال المطروح، يقول قنبر، هل ستقبل إيران بقطع علاقاتها مع ميليشياتها في المنطقة كافة، وهل ستقبل بتفكيك منشآتها النووية بالكامل، ويرى أن الإجابة عن هذه الأسئلة صعبة، خاصة في ظل وجود المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي لا يبدو مستعداً لتقديم مثل هذه التنازلات، بحسب قوله.

ويرى الخبير في السياسات الأميركية، أن المفاوضات لن تقتصر فقط على شرط واحد ممثلاً بتفكيك البرنامج النووي، بل يشمل فتح كامل المشروع النووي والتنازل والتخلي عنه نهائيا، ووقف إنتاج وتطوير الصواريخ الاستراتيجية، بالإضافة إلى قطع العلاقات كافة مع الفصائل والميليشيات المسلحة في عموم المنطقة، إن وافقت إيران على هذه المطالب ستكون هناك أفاق جديدة لهذه المفاوضات، بحسب روايته.

ويضيف أن هذه المطالب تتجاوز بكثير ما كان مطروحاً في عهد أوباما، وهي أكثر عمقاً وتشدداً، من المفاوضات السابقة، لأن الرئيس ترامب، يقول قنبر، يُعد تهديداً جدياً وواضحاً لإيران، وهو يهيئ خيارات عسكرية صارمة ليتم الشروع فيها إن لم تحقق أجندة واشنطن في هذه المفاوضات، على حد وصفه.

وبشأن رفض طهران الشروط الأميركية واحتمالية وقوع ضربة عسكرية تستهدف إيران، أشار قنبر، إلى أن الرئيس دونالد ترامب، قالها صراحة إن هناك كارثة بانتظار إيران إن لم تستجب، ويرى أن هذه التهديدات ستُترجم على أرض الواقع، ولا تشبه المفاوضات ولا التهديدات السابقة، وفقاً لما ذكره.

ويعتقد قنبر أن تهديد واشنطن في هذه المرحلة يتوشح بالجدية العالية، خصوصاً مع وجود تجهيزات وتحضيرات عسكرية متقدمة وكبرى، في قاعدة دييغو غارسيا وسط المحيط الهندي، مثل قاذفات القنابل "بي 2"، الثقيلة التي تحمل قنابل بمئات الأطنان والمخصصة لضرب التحصينات تحت الأرض بمئات الأمتار، كل ذلك يشير إلى أن ترامب جاد في تهديده، كما هو جاد في رغبته بالتفاوض، وفقاً لحديثه

العراق في قلب التوتر

بيّن عضو لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب العراقي عن الاتحاد الإسلامي الكردستاني، مثنى أمين، في تصريح لموقع الحرة، أن أي تصعيد في التوتر بين الولايات المتحدة وإيران سينعكس بلا شك على الوضع في العراق، نظراً لوجود نوع من الاعتماد المتبادل في الجانب الأمني بين العراق وإيران من جهة، والعراق والولايات المتحدة من جهة أخرى، لا سيما فيما يتعلق بالقضايا الحساسة في المنطقة.

وأوضح أن المفاوضات الجارية بين الجانبين، إذا نجحت في تخفيف حدة الأزمة أو التوصل إلى رؤية مشتركة حول المصالح، فإنها قد تُسهم في تجنيب المنطقة مخاطر الحروب.

أما إذا فشلت تلك المفاوضات، فقد تواجه المنطقة موجة جديدة من الحرب أو ضربات عسكرية أميركية ضد إيران، وبما أن القوات الأميركية موجودة داخل العراق، فمن المرجح أن يكون هناك رد فعل إيراني، ما سيحوّل المنطقة إلى بؤرة توتر مشتعلة، بحسب قوله.

وشدد أمين على ضرورة أن يحافظ العراق على استقلالية موقفه، وأن لا ينحاز إلى أي طرف في هذه الصراع، وأضاف: "نؤكد دوماً على تبني سياسة مستقلة تبعد العراق عن أن يكون طرفاً في أي صراع إقليمي".

وبشأن الحراك العسكري، أشار عضو لجنة العلاقات الخارجية إلى أن واشنطن إذا قررت ضرب إيران، فربما تكون البداية من العراق، من خلال استهداف الفصائل الموالية لطهران، وقد تقوم هذه الفصائل بردود فعل تؤثر سلباً على سيادة العراق وتزجّه في قلب المواجهة، على حد تعبيره.

وعن رؤيته لطبيعة المفاوضات المقبلة بين الولايات المتحدة وإيران، أكد أمين أن هذه المفاوضات لن تكون شكلية، بل ستسعى لحسم الخلافات، خصوصاً وأن إيران دولة اعتادت التعامل مع مثل هذه الأزمات، وقد تقدم في اللحظات الأخيرة ما يجنّبها المواجهة العسكرية المباشرة مع الأميركيين، بحسب تعبيره.

وفيما يتعلق بوجود حراك نيابي في تجنيب العراق تداعيات أي تصعيد، أشار أمين إلى أن الحراك النيابي لن يكون مؤثراً، فالوضع خرج من إطار النقاشات والحراك الديبلوماسي وأصبح في مرحلة التنفيذ وربما المواجهة العسكرية، على حد قوله.

 

وأكد المحلل السياسي العراقي المقيم في واشنطن، نزار حيدر، أن الهدف الأساسي من التحشيد العسكري الأميركي كان احتواء تداعيات حرب غزة، إلا أنه بعد وصول إدارة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، بدأت القوات الأميركية بالانتشار بشكل أوسع في محيط منطقة الشرق الأوسط، مشيراً إلى أن الدافع الرئيسي وراء ذلك هو إيران، حسب تعبيره.

وأوضح، أن هناك مؤشرات على وجود اتفاق بين واشنطن وتل أبيب يستهدف ضرب البُنى التحتية للمفاعلات النووية الإيرانية، وقرار تنفيذ ضربات عسكرية مشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل قد تم اتخاذه بالفعل، أو سيُتخذ في قادم الإيام، مرجحا تنفيذه خلال النصف الأول من العام الجاري، وأضاف أن التراجع عن هذا القرار يرتهن بموافقة طهران على الشروط التي تضعها واشنطن، حسب قوله.

وأشار حيدر إلى أن تأجيل الرئيس ترامب توجيه ضربات عسكرية لإيران، وقيامه أولاً باستهداف الحوثيين في اليمن، يهدف إلى السيطرة على الممرات المائية الدولية.

كما بيّن أن الهدف الأخر لهذه الاستراتيجية هو محاصرة الصين، كما أن واشنطن لا تزال تأمل في أن ترضخ طهران وتعود إلى طاولة المفاوضات، ولذلك تم تأجيل أي عمل عسكري مباشر ضدها، ومع ذلك، وفي حال خابت هذه الآمال، فإن الحل سيكون توجيه ضربة عسكرية حسب رأيه.

وبشأن المفاوضات بين واشنطن وطهران، التي ستُجرى في سلطنة عمان، يرى المحلل السياسي، أن هذه المفاوضات ستتسم بجدية عالية، ويُتوقع أن يطالب الوفد الأميركي بشكل مباشر بتفكيك المشروع النووي الإيراني، وهذا الأمر غير قابل للتفاوض.

وإذا قبلت إيران مناقشة هذا الموضوع تحديداً، فستكون هناك جولات ثانية وثالثة، على ألا تتجاوز مدة المفاوضات شهرين، أما إذا رفضت إيران ذلك بشكل قاطع، فلن تُعقد جولات إضافية من المفاوضات، بحسب قراءته.

وأشار حيدر إلى أن الحسابات الأميركية الحالية بعيدة عن استهداف الفصائل العراقية الموالية لإيران على غرار الحوثيين، سيما أن هذه الفصائل تُعد الآن منزوعة السلاح، بحسب وصفه، إذ لم تطلق حتى رصاصة واحدة تجاه أي مصالح أميركية في المنطقة أو ضد إسرائيل، كما كان الحال سابقاً في إطار ما سُمي بـ"وحدة الساحات" منذ تولّي الرئيس ترامب السلطة وحتى اليوم، لان الفصائل تدرك جيداً أنها ليست أكثر قدرة وإمكانية من مايسمى "بالمقاومة" في غزة وسوريا ولبنان وحتى في اليمن.

ومع ذلك، من المحتمل أن تقرر إسرائيل الانتقام من جميع الفصائل بغية كبح جماح هذه الميليشيات داخل العراق، وهو احتمال وارد وبقوة، لكن هذا لن يحصل إلا بموافقة واشنطن، وفقًا تعبيره.

ويرى المحلل السياسي أن الضربات العسكرية ضد إيران، خاصةً على مواقع البنية التحتية للمفاعل النووي الإيراني، باتت وشيكة، معتقداً أن واشنطن لن تتراجع عن إنهاء الطموحات النووية لطهران وقطع أذرعها في المنطقة، لا سيما في العراق، إلا في حال موافقة إيران على الشروط الأميركية.