الكاظمي نجا من محاولة اغتيال بواسطة طائرة مسيرة مفخخة استهدفت مقر إقامته في بغداد
الكاظمي نجا من محاولة اغتيال بواسطة طائرة مسيرة مفخخة استهدفت مقر إقامته في بغداد

ربط تقرير نشرته شبكة "أن.بي.سي" الإخبارية الأميركية، السبت، بين محاولة اغتيال رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي وتصاعد حدة الخلافات بين قادة الميليشيات الموالية لإيران في العراق في ظل معاناة طهران في محاولات توحيد صفوفهم منذ مقتل قائد فيلق القدس الإيراني السابق قاسم سليماني.

وفي الوقت الذي رأى فيه مسؤولون أميركيون أن إيران ربما تكون قد فقدت السيطرة على بعض هذه الميليشيات، يستبعد محلل سياسي عراقي فكرة خروج قادة الميليشيات الموالية لطهران عن "عباءة" المرشد الأعلى علي خامنئي.

نقل تقرير الشبكة عن مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين القول إن من المرجح أن لا يتم تحميل إيران مسؤولية الهجوم الذي استهدف منزل الكاظمي على الرغم من أن جميع الدلائل تشير إلى أن ميليشيات موالية لها هي من تقف وراءه.

وقال مسؤول دفاعي أميركي كبير واثنان من كبار المسؤولين الأميركيين السابقين لـ "إن.بي.سي" إن محاولة الاغتيال الفاشلة التي استهدفت الكاظمي توضح كيف أن طهران عانت من أجل جمع شتات قادة الميليشيات الشيعية المتناحرة في العراق منذ مقتل سليماني.

وأكد مسؤول دفاعي للشبكة أن إيران ليس لديها سيطرة كبيرة على هذه الجماعات منذ مقتل قائد فيلق القدس السابق.

لكن أستاذ العلاقات الدولية، هيثم الهيتي، يؤكد في حديث لموقع "الحرة" أن "الحقائق على الأرض تثبت أن جميع قادة الميليشيات في العراق يخضعون لإرادتها (طهران) ولا يوجد منهم أحد يتجرأ على الخروج من عباءتها".

ويضيف الهيتي أن "إيران تحاول الإيحاء أن ليس لديها السلطة على الميليشيات وأنها رفعت يدها عنهم وما يقومون به من تجاوزات وتصعيد".

ويصف الهيتي ذلك بأنه "محاولة تبادل أدوار يجب ان لا تنطلي علينا جميعا.. الإيرانيون دائما يتلاعبون بورقة الميليشيات لمصالحهم الخاصة".

وكان مسؤولون حاليون وسابقون وخبراء إقليميون قالوا إن تصميم الطائرات المسيرة التي استهدفت منزل الكاظمي ومكوناتها تشبه تلك التي تستخدمها الميليشيات المدعومة من إيران في هجماتها في العراق، بما في ذلك عدد من الهجمات الفاشلة على مجمع السفارة الأميركية في بغداد.

وقال السفير الأميركي السابق في العراق دوغلاس سيليمان للشبكة إن "غياب سليماني والمهندس أثار صراعا على الزعامة بين قادة الميليشيات"، مشيرا إلى أن التوتر في العلاقة بين قادة الميليشيات الشيعية العراقية هو نفسه الموجود بين قادة الميليشيات وطهران.

ومع ذلك رأى سيليمان أن "اغتيال رئيس الوزراء العراقي لا يبدو أنه يخدم كثيرا المصالح الاستراتيجية لإيران، لأنه سيخاطر بإطلاق سلسلة من الأحداث غير المتوقعة في العراق".

وأضاف أن "إيران لا تريد أن ترى عراقا غير مستقر بشكل كامل، هي تريد ببساطة بلدا غير متوازن بما يكفي ليكون لها نفوذ كبير على الصعيدين السياسي والاقتصادي".

وكان قائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قآني أجرى زيارة مفاجئة إلى بغداد فور وقوع الهجوم على منزل الكاظمي، ودعا، بحسب ما نقلت عنه وسائل إعلام إيرانية، إلى الهدوء والوحدة الوطنية. 

وقآني هو خليفة سليماني، الذي قتل في غارة أميركية في بغداد في يناير 2020 مع أبو مهدي المهندس، الذي كان يشغل منصب نائب قائد قوات الحشد الشعبي والزعيم الفعلي للميليشيات الموالية لإيران، وفقا للشبكة.

ويُعتقد أن قآني يمارس نفوذا أقل من سليماني، الذي كان يتحدث العربية بطلاقة ولديه سنوات من الخبرة والعمل مع الميليشيات العراقية.

ولم يتمكن أي من قادة الميليشيات الموالية لطهران من ملء الفراغ الذي خلفه مقتل المهندس، وفقا لمحللين.

ويرى الزميل في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى مايكل نايتس أن "الميليشيات ارتكبت سلسلة من الأخطاء السياسية وتعاني من أجل الحفاظ على نفوذها منذ مقتل سليماني والمهندس".

وقال نورم رول، الذي خدم لمدة 34 عاما في وكالة الاستخبارات المركزية وعمل في برامج تتعلق بالشرق الأوسط، إن "وكلاء إيران في العراق ليسوا كتلة واحدة وإن المنافسة بينهم يمكن أن تسبب المزيد من العنف".

وأضاف رول: "على الرغم من أن الهجوم على الكاظمي لا يخدم بالضرورة الأهداف الاستراتيجية لإيران، إلا أن طهران تتشارك بعض المسؤولية عنه بالنظر إلى دعمها الراسخ للميليشيات التي من المرجح أنها تقف وراء العملية".

ويرى الهيتي أن "إيران لا تزال تعتبر الميليشيات الموالية لها جزءا مما يعرف بمحور المقامة في المنطقة"، مبينا أنه "متى ما أظهرت طهران تبرأها منهم بشكل علني فعند إذ يمكن أن نقول أنهم خرجوا عن سيطرتها".

وقالت شبكة "أن.بي.سي" إن وكالة الاستخبارات المركزية ومجلس الأمن القومي في البيت الأبيض امتنعا عن التعليق.

وكان مسؤولون أمنيون عراقيون ومصادر مقربة من الفصائل قالوا لوكالة "رويترز" إن الهجوم الذي استهدف رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، فجر الأحد، نفذته جماعة واحدة على الأقل مدعومة من إيران.

وأوضحت المصادر، التي تحدثت للوكالة شريطة عدم الكشف عن هويتها، إن الطائرات المسيرة والمتفجرات المستخدمة في الهجوم كانت إيرانية الصنع.

ورفض متحدث باسم جماعة شبه عسكرية متحالفة مع إيران التعليق لرويترز على الفور، ولم يتسن على الفور الوصول إلى الجماعات الأخرى المدعومة من إيران للتعليق، وفقا للوكالة.

ونجا رئيس الوزراء العراقي من "محاولة اغتيال فاشلة" بواسطة "طائرة مسيرة مفخخة" استهدفت فجر الأحد مقر إقامته في بغداد، في هجوم لم تتبنه أي جهة. 

وهذه ليست المرة الأولى التي تستخدم فيها طائرات مسيرة في هجمات داخل العراق. وبدأ استخدامها في هجمات ضد أهداف أميركية منذ أبريل الماضي على الأقل، وأكثر من مرة خلال الصيف، على أهداف في أربيل وبغداد وقاعدة عين الأسد العراقية التي تضمّ قوات أميركية. 

ولا يتم تبني هذه الهجمات عادة أو تعلن مسؤوليتها عنها أحيانا مجموعات مجهولة تطالب برحيل "المحتل الأميركي" أو تتوعد بـ "بالثأر" لمقاتلين قضوا في ضربات أميركية، وتنسب إجمالا الى فصائل موالية لإيران. 

وقبل الهجوم على منزل رئيس الحكومة، وقعت صدامات بين معتصمين تابعين لفصائل موالية لإيران، مطالبين بإعادة فرز الأصوات، وقوات الأمن إثر تصديها لمحاولاتهم اقتحام المنطقة الخضراء حيث المقرات الحكومية وسفارات أجنبية منها السفارة الأميركية. 

وترفض الكتل السياسية الممثلة للحشد الشعبي، وهو تحالف فصائل شيعية موالية لإيران ومنضوية في القوات المسلحة، النتائج الأولية التي بينت تراجع عدد مقاعدها. 

أكراد إيران

على مدى عقود، وجدت الجماعات الكردية الإيرانية المعارضة لطهران ملاذا في تضاريس إقليم كردستان الوعرة، وتناثرت في مخيمات، بعيدة نسبيا عن متناول النظام الإيراني، لكنها لم تكن يوما خارج دائرة اهتماماتها. 

بنى هؤلاء المقاتلون وعائلاتهم حياة جديدة، في ظل تسامح حكومات عراقية متعاقبة، وتحت أنظار القوى الدولية. لكن هذا التوازن الهش بات اليوم مهددا من جديد.

في 24 أبريل، أصدرت مستشارية الأمن القومي العراقية، التابعة لمجلس الوزراء، قرارا يحظر جميع أنشطة الأحزاب والجماعات الإيرانية المعارضة الموجودة على الأراضي العراقية. 

الوثيقة، التي وقعها مستشار الأمن القومي، قاسم الأعرجي، وجهت القوات الأمنية والعسكرية وهيئة المنافذ الحدودية وحكومة إقليم كردستان باتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ القرار، بما يشمل إغلاق مقار الجماعات الإيرانية المعارضة، ومنع أي نشاط سياسي أو إعلامي أو عسكري لها على الأراضي العراقية. والأهم من ذلك، حظرت استخدام الأراضي العراقية كمنصة للتحريض أو شن هجمات ضد إيران.

يستهدف القرار الفصائل الكردية الإيرانية الرئيسية التي يعود وجودها في إقليم كردستان إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين فرت من قمع نظام آية الله روح الله الخميني بعد ثورته عام 1979. وقد أُنشئت مقارها ومخيماتها، بموافقة نظام صدام حسين آنذاك، في مناطق مثل بازيان، وقسلان، وبمو، وزركويز، وسلسلة جبال قنديل.

ورغم طرد منظمة مجاهدي خلق الإيرانية من العراق في عام 2016، استمرت الفصائل الكردية الإيرانية في نشاطها في إقليم كردستان، مع أنها كانت قد تخلّت عن العمليات العسكرية انطلاقا من الأراضي العراقية، وركزت على العمل السياسي والإعلامي. إلا أن ذلك لم يمنع طهران من مهاجمتها مرارا.

في عام 2023، وقّع العراق وإيران اتفاقا أمنيا يقضي بنزع سلاح الجماعات الكردية الإيرانية، وإغلاق قواعدها الحدودية، ونقلها إلى مخيمات خاضعة لإشراف الحكومة العراقية داخل الإقليم. وقد تم تنفيذ بعض بنود الاتفاق، لكن دون أن يشمل القرار حظرا شاملا على تلك الجماعات. 

قرار بغداد الجديد، في المقابل، يذهب إلى ما هو أبعد من الاتفاق السابق.

تواصلت قناة "الحرة" مع مستشارية الأمن القومي العراقية للاستفسار حول آليات تنفيذ القرار، لكنها لم تتلق أي رد.

ويرى قادة المعارضة الكردية أن الحظر الجديد يمثل انتهاكا للاتفاقات السابقة والتفاهمات الدولية. 

ويصف خليل نادري، المتحدث باسم حزب حرية كردستان الإيراني، القرار بأنه "حرب نفسية" تشنها طهران.

وضيف قوله "لن يكون لهذا القرار أثر كبير، لأن تنفيذه يعني إلغاء الاتفاق الأمني لعام 2023، وهو أمر لا يصب في مصلحة العراق ولا إيران".

وحذّر نادري من أن استمرار الضغوط قد يدفع الأحزاب إلى إعادة النظر في التزاماتها. وأضاف: "لقد أوقفنا نشاطنا العسكري منذ سنوات، احتراما لقوانين الإقليم وحماية له من الهجمات الإيرانية. النظام الإيراني يسعى لخلق توتر بيننا وبين الإقليم، لكنه سيفشل".

يوجد حاليا نحو 10 أحزاب كردية إيرانية معارضة تنشط في إقليم كردستان، من بينها الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (حدكا)، وأجنحة حزب كومله الثلاثة، وحزب حرية كردستان (PAK)، وحزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK)، وفصائل أخرى. وتتمتع العديد من هذه الأحزاب بدعم شعبي واسع داخل كردستان الإيرانية.

وأكد أمجد حسين بناهي، القيادي في حزب كومله لكادحي كردستان - إيران، أن قوات الأسايش في محافظة السليمانية أبلغت أجنحة الحزب الثلاثة بوجوب إخلاء مقارها في مناطق زركويز وبانه كوره وزركويزله، والانتقال إلى منطقة سرداش، تنفيذا للاتفاق الأمني.

وقال بناهي لـ"الحرة": "لقد التزمنا بقرارات حكومة الإقليم، ولم نقم بأي خطوة تُعرّض المنطقة للخطر. لكن لدينا شرط أساسي: توفير مساكن مناسبة لعائلاتنا في المناطق الجديدة التي سنُنقل إليها".

ورغم تأكيده على أن الحظر سيؤثر على نشاط الأحزاب الكردية المعارضة في كردستان العراق، أشار بناهي إلى أن قوة هذه الأحزاب الحقيقية تكمن في وجودها داخل إيران، وفي قاعدتها الشعبية الواسعة.

ويرى بناهي أن توقيت إصدار الحظر يعكس ضعف النظام الإيراني. وأوضح أنه "كلما واجه النظام أزمة داخلية، سارع إلى استهداف المعارضة الكردية، لإيهام الشعب بأنه لا يزال قويا ومتماسكا. لذلك نرى أن تصعيده ضدنا هو دليل على أنه يعيش أزمة داخلية وخارجية مزدوجة".

يؤكد خبراء أن الاتفاق الأمني لعام 2023 لم ينصّ على حظر تام لتلك الجماعات، بل اقتصر على تحجيم نشاطها العسكري، وهو ما كانت الأحزاب قد التزمت به فعليا في السنوات الأخيرة.

ويقول الخبير الأمني العراقي، علاء النشوع، إن القرار يعكس التوترات المتزايدة في المنطقة، خاصة في ظل سياسة "الضغط الأقصى" التي تنتهجها الولايات المتحدة تجاه طهران. ويضيف أن النظام الإيراني يدرك أن عدم التزامه بالشروط الأميركية قد يدفع واشنطن لاستخدام ورقة المعارضة الكردية للضغط عليه. ولذلك طلب من العراق سرا اتخاذ هذا القرار.

ويشدّد النشو على أن قرار بغداد يبعث برسالة مزدوجة، إلى إقليم كردستان من جهة، وإلى المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة من جهة أخرى، مفادها أن العراق لا يمكن أن ينفصل عن الرؤية الاستراتيجية لإيران في منطقة تعيش وضعا أمنيا وعسكريا معقدا.

تتّهم طهران الجماعات الكردية بتنفيذ عمليات مسلحة وتنظيم احتجاجات في مدن كردية داخل إيران، أبرزها احتجاجات سبتمبر 2022، التي اندلعت إثر مقتل الشابة الكردية الإيرانية مهسا أميني على يد شرطة الأخلاق، بزعم مخالفتها قوانين الحجاب.

بالتزامن مع تلك الاحتجاجات، شن الحرس الثوري الإيراني هجوما واسعا على مخيمات اللاجئين الإيرانيين شمالي العراق، مستخدما صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، ما أسفر عن مقتل 17 شخصا على الأقل، وإصابة أكثر من 50، بحسب مصادر صحية محلية.

وبحلول نهاية عام 2024، قدّرت مصادر غير رسمية عدد اللاجئين الكرد الإيرانيين في إقليم كردستان العراق بنحو 35 ألف لاجئ، معظمهم من النساء والأطفال.

ولم تقتصر الحملة الإيرانية على القصف الصاروخي؛ فقد شملت أيضا عمليات توغل بري واغتيالات، بالإضافة إلى قصف مدفعي طال قرى ومزارع، وتسبب في تدمير واسع للغابات والبنية الزراعية، ونزوح مئات المدنيين في الإقليم.

واليوم، ومع صدور قرار الحظر من بغداد، تجد المعارضة الكردية الإيرانية نفسها أمام فصل جديد غامض محاصرة بين نظام يسعى لإسكاتها، وحكومة عراقية عالقة وسط حسابات الجغرافيا والسياسة الإقليمية.