تحديات بيئية وإقليمية تواجه العراق
تحديات بيئية وإقليمية تواجه العراق

رغم هلاك مناطق زراعية كبيرة، خاصة في مناطق شرق العراق، على امتداد حوض حمرين، من جراء السياسات المائية التي تتبعها إيران بتغير مجرى الأنهار والروافد،  لا تزال طهران تصر على أنها خارج مسببات الأزمة.

ويسجل العراق منذ سنوات أزمة جفاف، ارتفعت حدتها خلال الأعوام الثلاث الأخيرة، مما أدخل البلاد في حالة إنذار وصل فيها الخطر إلى تأمين المياه الصالحة للشرب.

وشهد نهرا دجلة والفرات انخفاضاَ كبيراً في مناسيب المياه تجاوز 50%، مما دفع السلطات العراقية لتقليص خطتها الزراعية من المحاصيل الصيفية والشتوية.

وكان العراق خاض، على مدار العامين الأخيرين، جولات تفاوضية مع الجارتين تركيا وسوريا لتأمين حصة البلاد من مياه نهري دجلة والفرات وقد استطاع تحقيق اتفاقات مع الجانبين لتسكين الأزمة، بحسب وزارة الموارد المائية.

ويصنف العراق ضمن الدول الخمس التي تعاني من شدة التغيرات المناخية، التي يشهدها العالم، بما ينذر بتوالد الأزمات على مستويات المياه والغذاء والبيئة.

وطوال العامين الماضيين، خاض العراق مع دول المنبع والمصب الثلاث، تركيا وسوريا وإيران، جولات تفاوضية أحرز فيها تقدما ملموسا باستثناء التفاوض مع طهران التي لا تزال ترفض تقاسم ضرر أزمة المياه.

وكان العراق هدد أكثر من مرة بتدويل الأزمة المائية مع إيران، عقب إصرار الأخيرة على موقفها واستمرارها بحرف مسارات الأنهار، مما انتهى مؤخراً بإعلان "شبه وفاة" لسد حمرين شرقي البلاد بعد قطع روافده المغذية من نهر سيروان القادم من إيران.

وبحسب معلومات، كشفت عنها وزارة الموارد المائية العراقية، عملت إيران خلال نحو عقد من الزمن بحرف وتحويل مسارات أكثر من 42 رافداَ يصب داخل الأنهر والسدود العراقية.

وتشتغل السلطات العراقية عبر وزارة الخارجية لتحريك مذكرة تدويل تجاه إيران احتجاجاً على سياساتها المائية.

وفي تصريح أثار الجدل، قال مدير عام شؤون الأنهار الحدودية الإيرانية، جبار وطن، إن إيران لم تنتهك حقوق الشعب العراقي في استخدام مياه الأنهار الحدودية.

وأضاف وطن  أن "إیران تعترف بحقوق المياه العراقية في الأنهار الحدودية، وأن تحديد هذه الحقوق المائية من القضايا التي يجب متابعتها في اللقاءات الثنائية في إطار بنود اتفاقية استخدام مياه الأنهار الحدودية".

واستدرك بالقول: "لطالما اعتمدت  سياسة إيران في استخدام الموارد المائية علی أقصى معدل تدفق المياه إلى الأراضي العراقية انطلاقا من مبدأ الصداقة وحسن الجوار".

الجانب العراقي وعلى لسان  مستشار  وزارة الموارد المائية، عون ذياب، أكد أن "التصريحات الإيرانية غير واقعية وحملت أرقاماً ومواقف ليست دقيقة".

ويوضح ذياب لمنصة "ارفع صوتك" أن "العراق دعا الجانب الإيراني لحضور مؤتمر المياه الذي عقد في مارس الماضي ببغداد، ولكن الأخير لم يلب استجابة الدعوة التي كنا نأمل من خلالها مناقشة الأزمة الدائرة".

وقبل ذلك، يقول ذياب إن "العراق تحرك عبر وفد رفيع للذهاب إلى إيران بشأن التفاهم معها حول تداعيات الأزمة التي باتت تضرب بشدة العديد من السدود والأنهار، إلا أن طهران طالبت بتأجيل اللقاء بذريعة الانشغال بالانتخابات الرئاسية حينها".

ويتابع المسؤول العراقي: "حتى منتصف ديسمبر الماضي، كان من المؤمل أن يزور وفد عراقي طهران. لكن قبل اللحظات الأخيرة ألغيت الزيارة دون إخبارنا من الجانب الإيراني عن أسباب التأجيل".

وبشأن ما ذكره المسؤول الإيراني حول ما تشكله روافد بلده من واردات مياه دجلة العراقية، أشار ذياب إلى أن "ذلك غير دقيق. ولدينا تقديرات محلية وعالمية تؤكد أن إمداداتها تسهم بنحو 18%".

وكان وطن شدد أن "نحو  6 بالمئة فقط من مياه شطي دجلة والفرات تجري من إيران"، منتقداً ما سماه "التغطية السلبية لهذا الموضوع في الإعلام العراقي".

وردا على موضوع الشكوى التي قدمها العراق لمحكمة العدل الدولية ضد إیران، اعتبر المسؤول الإيراني أنه "ليس لها  أساس قانوني، وتتعارض مع العلاقات الطيبة بين البلدين و مبدأ حسن الجوار كون الإطار القانوني الرسمي لمفاوضات المياه بين إيران والعراق هو اتفاقية استخدام مياه النهر الحدودية التي تمت الموافقة عليها في 26 ديسمبر 1975 ، وهي مسجلة أيضًا في الأمم المتحدة".

وكان وزير الموارد المائية العراقي، محمد رشيد الحمداني، أكد في أكثر من مرة أن "اتفاقية الجزائر لا تعطي الحق لإيران في تغيير مجاري الأنهار وما يجري اليوم مخالفة دولية صريحة".

أكراد إيران

على مدى عقود، وجدت الجماعات الكردية الإيرانية المعارضة لطهران ملاذا في تضاريس إقليم كردستان الوعرة، وتناثرت في مخيمات، بعيدة نسبيا عن متناول النظام الإيراني، لكنها لم تكن يوما خارج دائرة اهتماماتها. 

بنى هؤلاء المقاتلون وعائلاتهم حياة جديدة، في ظل تسامح حكومات عراقية متعاقبة، وتحت أنظار القوى الدولية. لكن هذا التوازن الهش بات اليوم مهددا من جديد.

في 24 أبريل، أصدرت مستشارية الأمن القومي العراقية، التابعة لمجلس الوزراء، قرارا يحظر جميع أنشطة الأحزاب والجماعات الإيرانية المعارضة الموجودة على الأراضي العراقية. 

الوثيقة، التي وقعها مستشار الأمن القومي، قاسم الأعرجي، وجهت القوات الأمنية والعسكرية وهيئة المنافذ الحدودية وحكومة إقليم كردستان باتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ القرار، بما يشمل إغلاق مقار الجماعات الإيرانية المعارضة، ومنع أي نشاط سياسي أو إعلامي أو عسكري لها على الأراضي العراقية. والأهم من ذلك، حظرت استخدام الأراضي العراقية كمنصة للتحريض أو شن هجمات ضد إيران.

يستهدف القرار الفصائل الكردية الإيرانية الرئيسية التي يعود وجودها في إقليم كردستان إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين فرت من قمع نظام آية الله روح الله الخميني بعد ثورته عام 1979. وقد أُنشئت مقارها ومخيماتها، بموافقة نظام صدام حسين آنذاك، في مناطق مثل بازيان، وقسلان، وبمو، وزركويز، وسلسلة جبال قنديل.

ورغم طرد منظمة مجاهدي خلق الإيرانية من العراق في عام 2016، استمرت الفصائل الكردية الإيرانية في نشاطها في إقليم كردستان، مع أنها كانت قد تخلّت عن العمليات العسكرية انطلاقا من الأراضي العراقية، وركزت على العمل السياسي والإعلامي. إلا أن ذلك لم يمنع طهران من مهاجمتها مرارا.

في عام 2023، وقّع العراق وإيران اتفاقا أمنيا يقضي بنزع سلاح الجماعات الكردية الإيرانية، وإغلاق قواعدها الحدودية، ونقلها إلى مخيمات خاضعة لإشراف الحكومة العراقية داخل الإقليم. وقد تم تنفيذ بعض بنود الاتفاق، لكن دون أن يشمل القرار حظرا شاملا على تلك الجماعات. 

قرار بغداد الجديد، في المقابل، يذهب إلى ما هو أبعد من الاتفاق السابق.

تواصلت قناة "الحرة" مع مستشارية الأمن القومي العراقية للاستفسار حول آليات تنفيذ القرار، لكنها لم تتلق أي رد.

ويرى قادة المعارضة الكردية أن الحظر الجديد يمثل انتهاكا للاتفاقات السابقة والتفاهمات الدولية. 

ويصف خليل نادري، المتحدث باسم حزب حرية كردستان الإيراني، القرار بأنه "حرب نفسية" تشنها طهران.

وضيف قوله "لن يكون لهذا القرار أثر كبير، لأن تنفيذه يعني إلغاء الاتفاق الأمني لعام 2023، وهو أمر لا يصب في مصلحة العراق ولا إيران".

وحذّر نادري من أن استمرار الضغوط قد يدفع الأحزاب إلى إعادة النظر في التزاماتها. وأضاف: "لقد أوقفنا نشاطنا العسكري منذ سنوات، احتراما لقوانين الإقليم وحماية له من الهجمات الإيرانية. النظام الإيراني يسعى لخلق توتر بيننا وبين الإقليم، لكنه سيفشل".

يوجد حاليا نحو 10 أحزاب كردية إيرانية معارضة تنشط في إقليم كردستان، من بينها الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (حدكا)، وأجنحة حزب كومله الثلاثة، وحزب حرية كردستان (PAK)، وحزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK)، وفصائل أخرى. وتتمتع العديد من هذه الأحزاب بدعم شعبي واسع داخل كردستان الإيرانية.

وأكد أمجد حسين بناهي، القيادي في حزب كومله لكادحي كردستان - إيران، أن قوات الأسايش في محافظة السليمانية أبلغت أجنحة الحزب الثلاثة بوجوب إخلاء مقارها في مناطق زركويز وبانه كوره وزركويزله، والانتقال إلى منطقة سرداش، تنفيذا للاتفاق الأمني.

وقال بناهي لـ"الحرة": "لقد التزمنا بقرارات حكومة الإقليم، ولم نقم بأي خطوة تُعرّض المنطقة للخطر. لكن لدينا شرط أساسي: توفير مساكن مناسبة لعائلاتنا في المناطق الجديدة التي سنُنقل إليها".

ورغم تأكيده على أن الحظر سيؤثر على نشاط الأحزاب الكردية المعارضة في كردستان العراق، أشار بناهي إلى أن قوة هذه الأحزاب الحقيقية تكمن في وجودها داخل إيران، وفي قاعدتها الشعبية الواسعة.

ويرى بناهي أن توقيت إصدار الحظر يعكس ضعف النظام الإيراني. وأوضح أنه "كلما واجه النظام أزمة داخلية، سارع إلى استهداف المعارضة الكردية، لإيهام الشعب بأنه لا يزال قويا ومتماسكا. لذلك نرى أن تصعيده ضدنا هو دليل على أنه يعيش أزمة داخلية وخارجية مزدوجة".

يؤكد خبراء أن الاتفاق الأمني لعام 2023 لم ينصّ على حظر تام لتلك الجماعات، بل اقتصر على تحجيم نشاطها العسكري، وهو ما كانت الأحزاب قد التزمت به فعليا في السنوات الأخيرة.

ويقول الخبير الأمني العراقي، علاء النشوع، إن القرار يعكس التوترات المتزايدة في المنطقة، خاصة في ظل سياسة "الضغط الأقصى" التي تنتهجها الولايات المتحدة تجاه طهران. ويضيف أن النظام الإيراني يدرك أن عدم التزامه بالشروط الأميركية قد يدفع واشنطن لاستخدام ورقة المعارضة الكردية للضغط عليه. ولذلك طلب من العراق سرا اتخاذ هذا القرار.

ويشدّد النشو على أن قرار بغداد يبعث برسالة مزدوجة، إلى إقليم كردستان من جهة، وإلى المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة من جهة أخرى، مفادها أن العراق لا يمكن أن ينفصل عن الرؤية الاستراتيجية لإيران في منطقة تعيش وضعا أمنيا وعسكريا معقدا.

تتّهم طهران الجماعات الكردية بتنفيذ عمليات مسلحة وتنظيم احتجاجات في مدن كردية داخل إيران، أبرزها احتجاجات سبتمبر 2022، التي اندلعت إثر مقتل الشابة الكردية الإيرانية مهسا أميني على يد شرطة الأخلاق، بزعم مخالفتها قوانين الحجاب.

بالتزامن مع تلك الاحتجاجات، شن الحرس الثوري الإيراني هجوما واسعا على مخيمات اللاجئين الإيرانيين شمالي العراق، مستخدما صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، ما أسفر عن مقتل 17 شخصا على الأقل، وإصابة أكثر من 50، بحسب مصادر صحية محلية.

وبحلول نهاية عام 2024، قدّرت مصادر غير رسمية عدد اللاجئين الكرد الإيرانيين في إقليم كردستان العراق بنحو 35 ألف لاجئ، معظمهم من النساء والأطفال.

ولم تقتصر الحملة الإيرانية على القصف الصاروخي؛ فقد شملت أيضا عمليات توغل بري واغتيالات، بالإضافة إلى قصف مدفعي طال قرى ومزارع، وتسبب في تدمير واسع للغابات والبنية الزراعية، ونزوح مئات المدنيين في الإقليم.

واليوم، ومع صدور قرار الحظر من بغداد، تجد المعارضة الكردية الإيرانية نفسها أمام فصل جديد غامض محاصرة بين نظام يسعى لإسكاتها، وحكومة عراقية عالقة وسط حسابات الجغرافيا والسياسة الإقليمية.