في سنة 1968، وصل فاروق القاسم إلى النرويج قادما من العراق.
في سنة 1968، وصل فاروق القاسم إلى النرويج قادما من العراق.

علمت بقصته لأول مرة عن طريق الصدفة، عندما ذكره مسؤول تنمية نرويجي في ملاحظة عابرة على التلفزيون أثناء حديثه عن برنامج مساعدات طموح يسمى "النفط مقابل التنمية" لمساعدة الدول الفقيرة الغنية بالنفط على إدارة مواردها الطبيعية.

أشار المسؤول إلى تلك المفارقة الغريبة بالنظر إلى أن "رجلا عراقيا هو الذي ساعد النرويج في بناء كل شيء في المقام الأول. وبدونه، كنا سنترك شركات النفط الأميركية تقرر كيفية القيام بالأشياء". يا لها من قصة رائعة، قلت لنفسي، والأروع أن تكون حقيقية.

دفعني الفضول بعد ذلك إلى البحث أكثر عن فاروق: من هو؟ كيف وصل إلى هنا؟ من أين أتى؟ ما هي قصته؟ ما دوره في إعادة بناء النرويج؟

البداية 

في عام 1952، وافقت شركة نفط العراق التي يسيطر على مناصبها العليا البريطانيون، على مضض، على تدريب الشباب العراقي للعمل جنبا إلى جنب مع نظرائهم البريطانيين في الشركة.

كان العراقي فاروق القاسم أحد هؤلاء الشباب، قبل أن يقع عليه الاختيار لدراسة جيولوجيا البترول في "إمبريال كوليدج" في لندن. عاد إلى العراق في عام 1957، وقد تزوج من سيدة نرويجية تدعى سولفريد "Solfrid"، كانت تعمل في لندن مربية لدى عائلة إنكليزية.

بعد عودته إلى العراق، بدأ القاسم حياته العملية في صفوف شركة النفط الحكومية العراقية "شركة نفط العراق (IPC)". وانتقلت العائلة إلى مدينة البصرة في جنوب العراق، حيث سرعان ما ارتقى فاروق القاسم في السلم الوظيفي، وأشرف على كميات هائلة من النفط والمال، وأصبح مسؤولا تنفيذيا رفيع المستوى في الشركة، التي كان يسيطر البريطانيون على المناصب العليا داخلها آنذاك.

يتذكر المرة الأولى التي دخل فيها نادي المديرين التنفيذيين للشركة في البصرة. "مشيت عبر الغرفة، مباشرة إلى البار، حيث جلست وطلبت مشروبا. ثم استدرت ونظرت إلى جميع المديرين البريطانيين مع زوجاتهم، الذين كانوا يحدقون بي في صمت. كانت هذه المرة الأولى التي يرون فيها عراقيا يدخل النادي لا كخادم"، يقول فاروق القاسم في كتاب يروي قصة حياته.

ترانزيت

في عام 1968، كان فاروق القاسم أمام قرار مهم من شأنه أن يغير حياته وحياة أسرته الصغيرة. ما لم يكن يعرفه في ذلك الوقت ربما، هو أن هذا القرار سيكون له مثل هذا التأثير العميق على مستقبل النرويج أيضا.

في مقابلة مع التلفزيون الكندي، يروي فاروق القاسم كيف بدأت الحكاية: "ولد ابننا الأصغر مصابا بالشلل الدماغي، مما جعله معاقا، واتضح أن النرويج كانت من أفضل الدول في العالم لعلاج الشلل الدماغي".

أراد فاروق وزوجته رعاية أفضل لابنهما المريض، لذلك انتقلا إلى النرويج. كان ذلك في مايو 1968 وكان القاسم قد استقال لتوه من منصبه في شركة نفط العراق. وللقيام بذلك، كان عليه أن يذهب إلى المملكة المتحدة، حيث المقر الرئيسي لاتحاد الشركات الغربية التي لا تزال تسيطر على معظم إنتاج النفط في بلاده.

يروي القاسم تفاصيل اللقاء الأخير بينه وبين الإدارة التنفيذية في لندن في حوار مع صحيفة أكسبريسن المسائية في السويد، "عندما أخبرت رئيسي في لندن بقرار الاستقالة، قال: اللعنة عليك يا فاروق. كنا نعتمد عليك. الآن أنت تخذلنا". ضغط المدير على القاسم من أجل البقاء، لكنه تشبث بقراره، موضحا أن النرويج هي الوحيدة التي قدمت الرعاية التي يحتاجها ابنه. في النهاية، رضخ رؤساؤه.

في نفس الوقت، كان العراق يقترب من تأميم الأصول النفطية، ولم يرغب النظام بقيادة عبد الكريم القاسم في خسارة شخصية رئيسية في مستقبل النفط العراقي. في النهاية، تمكن القاسم من الوصول إلى أوسلو بعد أن أكد للسلطات العراقية أن الرحلة مؤقتة وأيضا لأسباب طبية. ربما ليست كذبة كاملة، ولكنها ليست الحقيقة الكاملة أيضا.

عندما غادر فاروق العراق في سن الحادية والثلاثين، لم يترك وراءه وطنه الأم فحسب، بل ترك أيضا وسائل الراحة الفاخرة في البصرة، حيث منحته المهنة الناجحة أسلوب حياة مزدهر للطبقة الوسطى العليا في البصرة. كان الرقم خمسة في ترتيب المدراء في الشركة وأعلى رتبة بين العراقيين، وكان لديه سائق خاص ومنزل مع بستاني.

لكنه في النرويج، سيضطر للعيش مع عائلة زوجته سولفريد حتى يتمكن من العثور على عمل. كان فاروق يشك في أنه سيحظى بفرصة عمل جيدة في مجال اختصاصه، نظرا لأن النرويج لا تملك النفط. ربما لم يكن القاسم يعرف في ذلك الوقت أن التنقيب عن النفط كان جاريا على الجرف القاري النرويجي في بحر الشمال، وحتى لو كان يعلم، فما كان ذلك سببا كبيرا للأمل: فبعد خمس سنوات من البحث، لم يتم العثور على النفط.

البداية الثانية

في 28 مايو 1968، كانت مشكلة القاسم الأكثر إلحاحا في ذلك صباح ذلك اليوم، هي كيفية قضاء يومه في العاصمة أوسلو. قطاره المتجه إلى مسقط رأس سولفريد خارج العاصمة لن يغادر حتى الساعة 6:30 مساءً.

يروي فاروق في كتاب "فاروق القاسم: السر وراء مغامرة النفط النرويجية"، الصادر عن دار نشر تون عام 2010، قائلا: "فكرت في ما سأفعله في هذه الساعات؟ لذلك قررت أن أذهب إلى وزارة الصناعة وأسألهم عما إذا كانوا على علم بأي شركات نفط قادمة إلى النرويج، وليسأل عما إذا كان لديها قائمة بشركات النفط العاملة في البلاد.

يضيف: "كنت على استعداد لقيادة سيارة أجرة، للجلوس في مكتب استقبال فندق. كنت أفكر حقا في العمل في محطة بنزين أو شيء من هذا القبيل، لأن ذلك كان النوع الوحيد من شركات النفط التي كنت أعرف أنها موجودة في النرويج، أي شيء يمكنني كسب بعض المال من أجله".

يقول القاسم، الذي يعيش اليوم في مدينة ستافانجر، جنوب غرب النرويج: "لم تكن هناك مقترحات. وأوضح موظف الاستقبال أنه يجب عليه العودة بعد فترة الغداء، أو نحو ذلك". في النهاية، سمح الجيولوجي العراقي لنفسه أن يقتنع برد الموظف. لكن عندما عاد، استقبله مسؤولان آخران وبدآ بطرح أسئلة غريبة.

"كانا حريصين على معرفة ما كنت أفعله، وما نوع التعليم الذي تلقيته، ولمن عملت. هل عملت كمهندس بترول؟ هل عملت كجيولوجي؟ ماذا فعلت؟" تحول طلبه للحصول على قائمة بأصحاب العمل المحتملين إلى مقابلة عمل مرتجلة. لا بد أن القاسم بدا وكأنه هبة من السماء: رجل غني بالتدريب الأكاديمي والخبرة العملية في صناعة النفط وبحاجة إلى عمل.

كان القاسم الآن في مقابلة عمل غير متوقعة، واتضح أن هيئة النفط النرويجية، حديثة التكوين نسبيًا والتي تتألف من ثلاثة موظفين بيروقراطيين في مُقتبل العمر، كانت تغرق في فيض من البيانات المعقدة التي بالكاد كان لدى أي شخص في النرويج المهارات والمعرفة اللازمة للتعامل معها، لذلك كان هؤلاء الموظفون بحاجة إلى جيولوجي نفط لتفسير نتائج اختبارات الحفر الجديدة في بحر الشمال. تم توظيفه على الفور، براتب أعلى من راتب رئيس مجلس الوزراء حينها بقليل.

خلال الأشهر الثلاثة التالية، تم تكليفه بتحليل البيانات الواردة من مختلف آبار الاستكشاف البحرية، وما وجده كان واعدا للغاية. فحص القاسم الدراسات والبيانات من 13 بئراً، وجدول النتائج ورسم الخرائط باليد. بحلول الوقت الذي انتهى فيه الأمر، كان مقتنعا بأن النرويج تمتلك الكثير من حقول النفط.

في حديث مع صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، يقول فاروق: "كنت [متحمسًا للغاية]، لكنني واجهت صعوبة بالغة في جعل الآخرين يشاركونني حماسي. لقد تم غسل أدمغتهم حقا للاعتقاد بأنه لا توجد أي فرصة على الإطلاق لاكتشاف النفط أو الغاز أو حتى الفحم" في النرويج.

يتابع القاسم: "سبب نفاد صبري هو اعتقادي بضرورة الاستعداد وإنشاء إدارة نفطية يمكنها التعامل مع مثل هذه الثروة الهائلة. وإلا ... قد لا تتطور الأمور بطريقة إيجابية بالنسبة لهم، كان واضحا لي أن هناك نفطًا أو غازًا أو كليهما. لقد كانت مسألة وقت فقط قبل أن تصبح النرويج منتجًا رئيسيًا لأن الهياكل التي رأيتها في المياه العميقة كانت عملاقة".

كان التحدي الرئيسي الأول هو إقناع الحكومة النرويجية بأن الأمر أصبح الآن عاجلاً. إذا لم تجهز النرويج طريقة تعاملها بشكل صحيح، لكانت لعبة سهلة لشركات النفط لتتغلب على الدولة الاسكندنافية الصغيرة، التي تفتقر إلى الخبرة العملية والمعرفة النظرية في الصناعة، يقول القاسم. 

كانت ردود الفعل التي تلقاها القاسم، كما يصفها بنفسه، "تقريبًا ما يتوقعه المرء من السلطات النرويجية"! تقدمت له السلطات بالشكر على النتائج المثيرة للاهتمام، لكنها استمرت في التأكيد على أن الحذر هو الأفضل وأنه ربما يتعين الانتظار والترقب. تساءل القاسم عن سبب تعيينه بالفعل، إن لم يكن للتحذير في الوقت المناسب من الاكتشافات المحتملة، حتى جاء الرد أن المسؤولين في النرويج لا يريدون التسرع!

اتضح أن توجسات القاسم كانت صحيحة. في عام 1971، اكتشفت شركة فيليبس بتروليوم الأميركية حقل" إيكو فيسك"(Ekofisk)، أحد أكبر الحقول البحرية في العالم. ومن المتوقع أن يستمر إنتاج النفط فيه حتى عام 2050.

رغم أن نهج الحكومة خالف حينها رغبات القاسم، إلا أنه يعتبر أن  التزام النرويج بالحذر التام، سواء مع نتائج الاكتشافات ولاحقا في التعامل مع العائدات المالية النفطية، هو بالضبط ما يفسر غالبًا إدارة النرويج الناجحة بشكل فريد لنفطها. يقول القاسم: "عند العودة إلى الماضي، ربما يكون هذا هو الشيء الأكثر حكمة الذي فعلته النرويج على الإطلاق"، يقول الجيولوجي العراقي.

لذلك ليس من المستغرب أن السنوات الأولى من حياة فاروق في النرويج لم تكن خالية من الإحباطات. يقول: "كنا فريقا جيدا في مكتب النفط - لكن العلاقات مع الحكومة النرويجية كانت حساسة. من الواضح أنهم كانوا بحاجة إلي، لكنهم كانوا يعرفون أنهم لا يستطيعون وضعي في مكتب في الوزارة. سيكون استفزازاً للنظام السياسي الذي لم يكن مستعداً. لذلك، كانت الخطة هي تقديمي تدريجيًا، شيئًا فشيئًا. لقد عوملت بحذر".

وعلى الرغم من أهمية عمله، بقي القاسم على مسافة آمنة من المكاتب الحكومية الرئيسية في البداية، وعمل في القسم الهيدرولوجي التابع لهيئة المسح الجيولوجي النرويجية. لسنوات، لم يلتق قط بالأشخاص الذين كانوا يتخذون القرارات الاستراتيجية والسياسية. كان زملاؤه في مكتب النفط بمثابة الوسطاء، يجلبون إليه أسئلة رؤسائهم ويعيدون إجاباته.

لكن بعد العثور على حقل "إيكوفيسك"(Ekofisk)، كان عليه تدريب موظفين جدد. "أنا، بالطبع، قبلت أن أقوم بتدريس الناس حتى يتمكنوا من جعل وجودي غير ضروري... ما هو الخيار الذي أملكه؟".

أبو النفط في النرويج

في عام 1972، أصبح القاسم رئيس إدارة الموارد في هيئة النفط النرويجية، واعتبر أن من أهم مهامه تحفيز الشركات النفطية على زيادة معدل الانتفاع بالحقول النفطية.

في الشرق الأوسط، رأى فاروق القاسم كيف استغلت شركات النفط الكبرى الموارد الغنية لتحقيق مكاسب خاصة، في المقابل لم تحصل الدول المضيفة على الكثير. لذلك كان حريصًا في النرويج على إدارة الأمر بطريقة مختلفة، والتأكد من أن الإنتاج يعود بالفائدة على المجتمع النرويجي.  

كان قلقًا بشأن "المرض الهولندي"، وهو مفهوم ظهر لأول مرة في هولندا في الستينيات من القرن الماضي، عندما عانى الاقتصاد الهولندي بشكل غير متوقع بعد اكتشاف حقل نفط ضخم في الجزء الخاص به من بحر الشمال. أدرك القاسم أن الأمر يتطلب استراتيجية واضحة وتخطيطًا دقيقًا لتجنب وضع مماثل في النرويج. 

هذا كان محوريًا في التقرير الأول الذي أرسله إلى البرلمان النرويجي بشأن تنظيم الدولة لإدارة النفط. وأكد فيه على أن النرويج يجب أن يكون لها سيطرة وإدارة كاملة على جميع الأنشطة في الجرف القاري النرويجي.

لقد كان لتقرير فاروق قوة فعالة وراء قرار الحكومة النرويجية بتأسيس شركة نفط وطنية،"StatOil"، بالإضافة إلى إنشاء هيئة تنظيمية مستقلة للصناعة. وصياغة البرلمان النرويجي مشروع قانون أصبح يعرف باسم "الوصايا العشر للنفط" في البلاد.

هذه الوصايا النفطية العشر تشكل السياسة الأساسية التي تدير بها النرويج مواردها البترولية منذ ذلك الحين. لم يتفق السياسيون على هذه الوثيقة فحسب، بل اتفقوا على عدم مناقشتها في الانتخابات والمعجزة الثالثة... أنهم أوفوا بوعدهم.

أقرت الحكومة النرويجية أيضا أن مشاركة النرويج، من خلال شركة StatOil، في جميع الاكتشافات المستقبلية يجب ألا تقل عن 50 في المائة. يقول القاسم "إن هذا الشرط لقي ترحيبًا فعليًا من قبل شركات النفط العالمية، التي ظلت حريصة على الشراكة مع Statoil، حيث لم يكن هناك أي مخاطرة على الإطلاق، لذلك كانت شركات النفط سعيدة للغاية بالتوافق مع هذه الصيغة".

خلال العقدين الأولين، تم توجيه حصة النرويج من عائدات النفط إلى تطوير البنية التحتية اللازمة، ولكن بحلول عام 1990 حان الوقت لإنشاء صندوق نفط وطني. وبحلول عام 1996، كان كل سنت من عائدات النفط يتدفق إلى الصندوق.

مثل أجزاء من الشرق الأوسط، تمتلك النرويج صناعة نفط وغاز مربحة للغاية. ولكن على عكس معظم الدول المُصدرة للنفط، اختارت النرويج عدم استخدام مواردها على الفور لدعم التخفيضات الضريبية أو تمويل البرامج الاجتماعية. بدلاً من ذلك، وضعت الحكومة مبادئ توجيهية صارمة للغاية لمنع استخدام عائدات النفط إيرادات عامة للحكومة. خففت النرويج منذ ذلك الحين هذه القيود، لكنها لا تزال حذرة للغاية، مما يسمح باستخدام ما يصل إلى أربعة في المائة فقط من صندوق النفط إيرادات عامة في الاستثمارات الحكيمة التي تعمل على تحسين إنتاجية الدولة ككل، مثل تحسين البنية التحتية، وتحسين التعليم، وتحسين البحث، والتحول إلى الاقتصاد الأخضر، والذي سيستفيد منه معظم المواطنين، وتخطط النرويج لاستخدامه في تمويل التقاعد الصحي لمواطنيها، حتى إن الحكومة أعادت تسميته بصندوق معاشات تقاعدية.

اليوم، بعد أقل من 25 عامًا على إنشاء الصندوق، نمت سلة البيض هذه ليصبح الصندوق أغلى صندوق ثروة سيادي في العالم، بقيمة 1.4 تريليون دولار تقريباً، وفقًا لتقرير معهد صندوق الثروة السيادية (SWFI).

في مقال نشرته صحيفة فاينانشيال تايمز، وصف الرئيس التنفيذي السابق لشركة Statoil، ويلي أولسن القاسم بأنه "ربما يكون أعظم صانع قيمة تمتلكه النرويج على الإطلاق".

كثيرا ما يطلق على القاسم الرجل الذي "أنقذ النرويج من النفط"، وقد جذب دوره الكثير من الاهتمام الدولي. في عام 2012، أطلق عليه الملك النرويجي لقب فارس من وسام القديس أولاف.

بعد سقوط نظام صدام، ساعد في صياغة تشريع قانون نفط جديد للعراق، كان من شأنه أن "يتبع ما يمكن اتباعه من النموذج النرويجي"، لكن المقايضات السياسية غيرت المسودة لدرجة أنه تبرأ من النسخة التي أقرتها الحكومة العراقية (لم يتم تمريره إلى قانون في البرلمان بعد).

"كان فاروق القاسم مصدر إلهام كبير ومحفزا لزملائه في هيئة النفط النرويجية. لم يكن شخصًا خائفًا من الصعود إلى المنصة - سواء من أجل أفكاره الخاصة أو أفكار الآخرين - وكان يتمتع بمصداقية كبيرة ونفوذ كبير"، كما يقول المدير التنفيذي بينتي نيلاند.

على مدار الـ 22 عامًا الماضية، عمل فاروق القاسم مستشارا مستقلا في قطاع البترول، حيث إن معرفته العميقة بصناعة البترول ومهارات الاتصال الممتازة جعلته محاضرًا مطلوبًا للغاية، وأكسبته عضوية عدد من المنظمات المهنية النرويجية والدولية.

أكراد إيران

على مدى عقود، وجدت الجماعات الكردية الإيرانية المعارضة لطهران ملاذا في تضاريس إقليم كردستان الوعرة، وتناثرت في مخيمات، بعيدة نسبيا عن متناول النظام الإيراني، لكنها لم تكن يوما خارج دائرة اهتماماتها. 

بنى هؤلاء المقاتلون وعائلاتهم حياة جديدة، في ظل تسامح حكومات عراقية متعاقبة، وتحت أنظار القوى الدولية. لكن هذا التوازن الهش بات اليوم مهددا من جديد.

في 24 أبريل، أصدرت مستشارية الأمن القومي العراقية، التابعة لمجلس الوزراء، قرارا يحظر جميع أنشطة الأحزاب والجماعات الإيرانية المعارضة الموجودة على الأراضي العراقية. 

الوثيقة، التي وقعها مستشار الأمن القومي، قاسم الأعرجي، وجهت القوات الأمنية والعسكرية وهيئة المنافذ الحدودية وحكومة إقليم كردستان باتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ القرار، بما يشمل إغلاق مقار الجماعات الإيرانية المعارضة، ومنع أي نشاط سياسي أو إعلامي أو عسكري لها على الأراضي العراقية. والأهم من ذلك، حظرت استخدام الأراضي العراقية كمنصة للتحريض أو شن هجمات ضد إيران.

يستهدف القرار الفصائل الكردية الإيرانية الرئيسية التي يعود وجودها في إقليم كردستان إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين فرت من قمع نظام آية الله روح الله الخميني بعد ثورته عام 1979. وقد أُنشئت مقارها ومخيماتها، بموافقة نظام صدام حسين آنذاك، في مناطق مثل بازيان، وقسلان، وبمو، وزركويز، وسلسلة جبال قنديل.

ورغم طرد منظمة مجاهدي خلق الإيرانية من العراق في عام 2016، استمرت الفصائل الكردية الإيرانية في نشاطها في إقليم كردستان، مع أنها كانت قد تخلّت عن العمليات العسكرية انطلاقا من الأراضي العراقية، وركزت على العمل السياسي والإعلامي. إلا أن ذلك لم يمنع طهران من مهاجمتها مرارا.

في عام 2023، وقّع العراق وإيران اتفاقا أمنيا يقضي بنزع سلاح الجماعات الكردية الإيرانية، وإغلاق قواعدها الحدودية، ونقلها إلى مخيمات خاضعة لإشراف الحكومة العراقية داخل الإقليم. وقد تم تنفيذ بعض بنود الاتفاق، لكن دون أن يشمل القرار حظرا شاملا على تلك الجماعات. 

قرار بغداد الجديد، في المقابل، يذهب إلى ما هو أبعد من الاتفاق السابق.

تواصلت قناة "الحرة" مع مستشارية الأمن القومي العراقية للاستفسار حول آليات تنفيذ القرار، لكنها لم تتلق أي رد.

ويرى قادة المعارضة الكردية أن الحظر الجديد يمثل انتهاكا للاتفاقات السابقة والتفاهمات الدولية. 

ويصف خليل نادري، المتحدث باسم حزب حرية كردستان الإيراني، القرار بأنه "حرب نفسية" تشنها طهران.

وضيف قوله "لن يكون لهذا القرار أثر كبير، لأن تنفيذه يعني إلغاء الاتفاق الأمني لعام 2023، وهو أمر لا يصب في مصلحة العراق ولا إيران".

وحذّر نادري من أن استمرار الضغوط قد يدفع الأحزاب إلى إعادة النظر في التزاماتها. وأضاف: "لقد أوقفنا نشاطنا العسكري منذ سنوات، احتراما لقوانين الإقليم وحماية له من الهجمات الإيرانية. النظام الإيراني يسعى لخلق توتر بيننا وبين الإقليم، لكنه سيفشل".

يوجد حاليا نحو 10 أحزاب كردية إيرانية معارضة تنشط في إقليم كردستان، من بينها الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (حدكا)، وأجنحة حزب كومله الثلاثة، وحزب حرية كردستان (PAK)، وحزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK)، وفصائل أخرى. وتتمتع العديد من هذه الأحزاب بدعم شعبي واسع داخل كردستان الإيرانية.

وأكد أمجد حسين بناهي، القيادي في حزب كومله لكادحي كردستان - إيران، أن قوات الأسايش في محافظة السليمانية أبلغت أجنحة الحزب الثلاثة بوجوب إخلاء مقارها في مناطق زركويز وبانه كوره وزركويزله، والانتقال إلى منطقة سرداش، تنفيذا للاتفاق الأمني.

وقال بناهي لـ"الحرة": "لقد التزمنا بقرارات حكومة الإقليم، ولم نقم بأي خطوة تُعرّض المنطقة للخطر. لكن لدينا شرط أساسي: توفير مساكن مناسبة لعائلاتنا في المناطق الجديدة التي سنُنقل إليها".

ورغم تأكيده على أن الحظر سيؤثر على نشاط الأحزاب الكردية المعارضة في كردستان العراق، أشار بناهي إلى أن قوة هذه الأحزاب الحقيقية تكمن في وجودها داخل إيران، وفي قاعدتها الشعبية الواسعة.

ويرى بناهي أن توقيت إصدار الحظر يعكس ضعف النظام الإيراني. وأوضح أنه "كلما واجه النظام أزمة داخلية، سارع إلى استهداف المعارضة الكردية، لإيهام الشعب بأنه لا يزال قويا ومتماسكا. لذلك نرى أن تصعيده ضدنا هو دليل على أنه يعيش أزمة داخلية وخارجية مزدوجة".

يؤكد خبراء أن الاتفاق الأمني لعام 2023 لم ينصّ على حظر تام لتلك الجماعات، بل اقتصر على تحجيم نشاطها العسكري، وهو ما كانت الأحزاب قد التزمت به فعليا في السنوات الأخيرة.

ويقول الخبير الأمني العراقي، علاء النشوع، إن القرار يعكس التوترات المتزايدة في المنطقة، خاصة في ظل سياسة "الضغط الأقصى" التي تنتهجها الولايات المتحدة تجاه طهران. ويضيف أن النظام الإيراني يدرك أن عدم التزامه بالشروط الأميركية قد يدفع واشنطن لاستخدام ورقة المعارضة الكردية للضغط عليه. ولذلك طلب من العراق سرا اتخاذ هذا القرار.

ويشدّد النشو على أن قرار بغداد يبعث برسالة مزدوجة، إلى إقليم كردستان من جهة، وإلى المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة من جهة أخرى، مفادها أن العراق لا يمكن أن ينفصل عن الرؤية الاستراتيجية لإيران في منطقة تعيش وضعا أمنيا وعسكريا معقدا.

تتّهم طهران الجماعات الكردية بتنفيذ عمليات مسلحة وتنظيم احتجاجات في مدن كردية داخل إيران، أبرزها احتجاجات سبتمبر 2022، التي اندلعت إثر مقتل الشابة الكردية الإيرانية مهسا أميني على يد شرطة الأخلاق، بزعم مخالفتها قوانين الحجاب.

بالتزامن مع تلك الاحتجاجات، شن الحرس الثوري الإيراني هجوما واسعا على مخيمات اللاجئين الإيرانيين شمالي العراق، مستخدما صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، ما أسفر عن مقتل 17 شخصا على الأقل، وإصابة أكثر من 50، بحسب مصادر صحية محلية.

وبحلول نهاية عام 2024، قدّرت مصادر غير رسمية عدد اللاجئين الكرد الإيرانيين في إقليم كردستان العراق بنحو 35 ألف لاجئ، معظمهم من النساء والأطفال.

ولم تقتصر الحملة الإيرانية على القصف الصاروخي؛ فقد شملت أيضا عمليات توغل بري واغتيالات، بالإضافة إلى قصف مدفعي طال قرى ومزارع، وتسبب في تدمير واسع للغابات والبنية الزراعية، ونزوح مئات المدنيين في الإقليم.

واليوم، ومع صدور قرار الحظر من بغداد، تجد المعارضة الكردية الإيرانية نفسها أمام فصل جديد غامض محاصرة بين نظام يسعى لإسكاتها، وحكومة عراقية عالقة وسط حسابات الجغرافيا والسياسة الإقليمية.