باسم الكربلائي يثير الجدل من جديد
باسم الكربلائي يثير الجدل من جديد | Source: Facebook/BasimKarbalaei

من جديد يثير باسم الكربلائي الرادود (المنشد) الحسيني الأشهر في العراق، الجدل بكلمات قصيدة اعتبرتها لجنة الأوقاف والعشائر النيابية تجاوزات "تسعى لتكريس الفرقة والانقسام وتعميق هوة الخلافات الطائفية بين المسلمين".

وتصف إحدى العبارات في القصيدة التي غناها الكربلائي، باللهجة العامية العراقية والمنشورة منذ ثمانية أشهر، الصحابة "بالعصابة".

سرعان ما انتشرت القصيدة بعد بيان اللجنة الغاضب، وجرى تداولها على نطاق واسع في مواقع التواصل الاجتماعي مثيرة عاصفة ردود أفعال أغلبها رافض للعبارة التي جاءت في القصيدة، فيما حاول البعض تبرير العبارة بأنها تختص بمن شارك في قتل الحسين وأصحابه في واقعة الطف أو معركة كربلاء. 

أقوى ردود الفعل كانت للوقف السني الذي طالب بالتحقيق في القضية وتقديم المتسببين بهذه "الإساءة" إلى القضاء وتشديد الرقابة على محتوى القصائد.

وأصدرت رابطة أئمة وخطباء الأعظمية بيانا قالت فيه إن "الإساءة إلى رموز الأمة من مظاهر الغلو والتطرف التي لا تختلف عن الجرائم التي ارتكبها متطرفو داعش".

من جهته، دعا رئيس تحالف السيادة رعد الدهلكي إلى إصدار مذكرة إلقاء قبض في حق باسم الكربلائي ومنعه من إقامة المجالس الحسينية، ليدخل المجمع الفقهي العراقي على خط الأزمة ملوحا باللجوء إلى قانون العقوبات العراقي، وتحديداً المادة 372 التي تعاقب بالحبس لمدة لا تزيد عن ثلاث سنوات كل من اعتدى بإحدى الطرق العلانية على معتقدات لإحدى الطوائف الدينية أو حقر من شعائرها، أو تعمد التشويش على شعائر دينية، أو من أهان علنا رمزاً أو شخصا هو موضع تقديس أو تمجيد أو احترام لدى طائفة دينية.

تعيد هذه الأحداث إلى الأذهان سيناريو أحداث مشابهة، أثار خلالها الكربلائي حفيظة الكويتيين عام 2016، بقصيدة حملت عنوان "الجبت والطاغوت"، مُنع على إثرها من ممارسة أي نشاط داخل الكويت بعد أن اعتبرت قصيدته مثيرة للنزعة الطائفية والتفرقة بين السنة والشيعة. وأطلق بعض الكويتيين المستائين حينها وسم #اطردوا_الرادود_الطائفي_من_الكويت

يعتبر باسم الكربلائي الرادود الأكثر شهرة وشعبية في العالم الشيعي، بفضل صوته المتميز وطريقته الحديثة في قراءة النعي خلال طقوس عاشوراء التي يحييها سنويا ملايين الشيعة حول العالم، في ذكرى مقتل الإمام الحسين ومركزها في محافظة كربلاء حيث دارت معركة الطف التي انتهت بمقتله.

وعلى قدر شهرة الرجل، تأتي إثارته للجدل بقصائد أو سلوكيات تعرضه لانتقادات شعبية حادة من حين لآخر، أحدثها كان ظهوره في مجلس عزاء أقامه زعيم تيار الحكمة عمار الحكيم، بحضور لافت لعدد من قادة الفصائل المسلحة وأعضاء من الإطار التنسيقي، الذي يخوض صراعا قويا مع التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر، الأمر الذي اعتبره البعض وقوفاً مع جهة سياسية ضد أُخرى.

قبلها بثلاثة أعوام، أثار الكربلائي الكثير من ردود الفعل بعد منحه لقب "سلطان المنبر الحسيني"، وتتويجه بتاج ذهبي أُطلق عليه اسم "تاج الولاية"، ووضْعِ عباءة مطرزة على كتيفيه في حسينية قصر الزهراء بمدينة الكاظمية وسط بغداد. أثار هذا الأمر موجة من الانتقادات بسبب ما اعتبر خرقا من الكربلائي للتحريم الشرعي لارتداء الرجال للذهب، ناهيك عن تاج ذهبي مرصع، ما أضطر الرادود الشهير إلى إهداء التاج إلى العتبة العباسية.

طريق الكربلائي إلى التاج بدأ عام 1980، وهو العام ذاته الذي شهد نفيه وعائلته من كربلاء بعد اندلاع حرب الخليج الأولى، بحجة الأصول الإيرانية للعائلة التي استقرت لاحقا في أصفهان. وهناك، وتحديداً في الحسينية الكربلائية وخلال حضوره لمجالس العزاء اكتشف أحد أخواله إمكانياته الصوتية المذهلة، ودفعه إلى قراءة القصائد في المناسبات الدينية المختلفة، ثم ساعده على تعلم أُصول الإنشاد على يد الملا تقي الكربلائي في إيران، التي عاش فيها 13 عاما، قبل أن يتنقل بين دول الخليج ويتزوج بفتاة عُمانية ويستقر لعشر سنوات في الكويت.

ومع ازدياد شعبيته عبر شرائط الكاسيت في تسعينيات القرن الماضي، تنقل الكربلائي حول العالم، وأقام مجالس عزاء في الولايات المتحدة وبريطانيا وكثير من دول أوروبا، وصولا إلى الصين.

سمح هذا التنقل بين الدول للكربلائي باستحداث أطوار جديدة في الإلقاء والايقاع، ومكنه من التعاون مع ملحنين وموزعين مختلفين. وأُثيرت حول هذا التحديث انتقادات حادة فتحت الباب أمام "جدل شرعي" حول استخدام الآلات الموسيقية في الإنشاد. وهو الجدل الذي لم ينته حتى يومنا هذا.

لم يغير الكربلائي فقط الأطوار السائدة في إلقاء القصائد، لكنه غير أيضا من مهنة الرادود الحسيني. قبل سنوات، طرح عطراً يحمل أول حرفين من اسمه باللغة الإنجليزية  (BK)ليتعرض من جديد إلى موجة انتقادات تتعلق هذه المرة بالتشبه بالمشاهير والخلط بين التجارة وخدمة المنبر.

وطالت الانتقادات أيضا أجور عمله في المجالس الحسينية التي تصل إلى آلاف الدولارات، لكن عند سؤاله في أحد اللقاءات التلفزيونية عن المبالغ التي يتقاضاها مقابل حضوره مجالس العزاء والإنشاد فيها، أنكر طلبه للمال أو تحديده أي مبلغ مالي مقابل مشاركته في الإنشاد بمجالس العزاء الحسينية.

حقق الكربلائي شهرة واسعة بين الشباب الذي لا يميل إلى الأساليب الغنائية العراقية القديمة التي كانت سائدة قبل عقود وتعتمد على صوت المنشد والمشاركين في مجالس العزاء.

ويحظى الرجل بشعبية كبيرة على مواقع التواصل التي ينشط فيها بشكل لافت، فقناته على يوتيوب حققت ثلاثة مليارات و200 مليون مشاهدة، ويتابعها 9.76 مليون شخص، فيما يتابع حسابه على فيسبوك أكثر من ثلاثة ملايين، وعلى تويتر يتجاوز متابعوه المليون شخص، ليطلق عليه محبوه ألقاب عديدة منها "أسطورة العشق الحسيني"، "سلطان المنابر"، "مزمار الحسين"، "خادم الحسين"، "صوت الشيعة"، "صوت الحسين"..إلخ.

عقائدياً، ينتمي باسم الكربلائي إلى التيار الشيرازي الذي جرى تأسيسه في كربلاء من قبل محمد الشيرازي (1924-2001)، وهو من التيارات الشيعية التي تتهم بالمغالاة، وتنشط إعلاميا عبر عدد كبير من الفضائيات ووسائل الإعلام، واجتماعيا عبر منظمات وجمعيات دينية حول العالم.

ويدافع التيار الشيرازي عن طقوس دينية تثير الخلاف بين فقهاء الشيعة، مثل الدفاع عن التطبير (ضرب الرأس بالسيف في مراسم عاشوراء وإدماؤه) الذي يؤيده باسم الكربلائي نفسه.

ويأتي الجدل الجديد الذي أثارته قصيدة ألقاها الكربلائي، متزامناً مع إحياء العراقيين لأربعينية الإمام الحسين حفيد النبي محمد، والذي قُتل في معركة الطف، عام 680 على يد جنود الخليفة الأموي يزيد بن معاوية، في كربلاء.

وتغذي هذه الذكرى أحيانا التوترات الطائفية في عدد من دول العالم منها العراق وباكستان والهند. وما يزيد الموقف صعوبة في العراق هذا العام تزامنها مع أزمة سياسية خانقة تستمر منذ عشرة أشهُر بين مكونات البيت الشيعي العراقي، ومخاوف من حرب أهلية، هذه المرة شيعية-شيعية، يمكن أن تُدخل البلاد في نفق مظلم يعيد سيناريو الحرب الأهلية بين عامي 2006  و2007.

حازم صاغية

تسلّل العراق إلى الكاتب والمثقف اللبناني حازم صاغية في طفولته من باب "العروبة ووحدة العرب" وبسبب علاقة البيت الذي تربّى فيه بحزب البعث.

صاغية المولود عام 1951 في لبنان، حمل العراق في انشغالاته الثقافية والسياسية ما يقارب السبعين عاماً، وأسَالَ في الكتابة عن العراق وأحواله حبراً كثيراً، ترجمه في مقالات وتحليلات نقدية وكتب خصصها للعراق وتاريخه ومآلات مستقبله.

في  2003 بعد سقوط نظام صدّام حسين، أصدر صاغية كتابه "بعث العراق: سلطة صدّام قياماً وحطاماً"، الذي عرض حكاية حزب البعث في العراق منذ بداياته الأولى عام 1949 حتى سقوط النظام.

وعرض أيضا تحليلاً لسياسات البعث ودوره في إحكام قبضته على الحكم في العراق وتأثيره "الكارثي" بحسب وصف صاغية، على حياة ملايين العراقيين.

"العراق أبعد من العراق في أسئلته وتحدياته، كما انطوت عليها قصة البعث- قصتنا جميعاً بمعنى من المعاني"، يكتب صاغية في مقدمة كتابه. حول هذا العراق، الأبعد من نفسه، حلّ صاغية ضيفاً على منصة "ارفع صوتك" التابعة لـ"الحرة" في يوليو الماضي، في حوار موسّع، يتخلله قراءة نقدية لماضي العراق وحاضره، ومحاولة استشراف للتحديات المستقبلية التي تنتظره.

من أين حضر "الهمّ العراقي" إلى حازم صاغية، ولماذا يشغل حيزاً ليس بقليل من كتاباته؟

جاءني العراق من أمكنة كثيرة. أمّا المكان الأوّل فتلك القصص التي كانت تُروى في بيتنا عن قريب لنا، هو الكاتب الناصريّ اللاحق والراحل نديم البيطار. فهو سافر إلى العراق، ولم أكن قد وُلدت، طلباً للدراسة والعيش في ظلال الملك غازي بن فيصل الأوّل الذي شبّهتْه الخفّة والحماسة العربيّتان بغاريبالدي، وقيل إنّه سيوحّد "أمّتنا" على النحو الذي وُحّدت فيه إيطاليا.

فإبّان عهد غازي القصير وُصف العراق بأنّه "بيادمونت العرب"، من قبيل القياس على تلك الإمارة الشماليّة التي حكمها "بيت سافوي"، ومنها انطلقت حركة التحرير من النمسويّين تمهيداً للوحدة القوميّة الإيطاليّة. ويبدو أنّ نديم، الشابّ والقوميّ العربيّ المتحمّس، أصرّ بعد عودته على اعتمار "الفيصليّة" التي درج على لبسها حينذاك شبّان قوميّون عرب، وذلك وسط اندهاش أهل القرية ممّن لم يكونوا قد سمعوا بفيصل وغازي ولا لبسوا قبّعات من أيّ نوع.

كان لتلك المرويّات عن نديم ورحلته ممّا تداوله كثيراً أهل بيتنا، أن وسّعت مخيّلتي لبلد اسمه العراق يضجّ بصُورٍ ومعانٍ غائمة الدلالة إلاّ أنّها واضحة الوجهة، وما الوجهةُ تلك إلاّ العروبة ووحدة العرب التي يُحجّ إليهما هناك.

وبسبب علاقة بيتنا بالبعث، باتت أسماء نوري السعيد وعبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف أسماء بيتيّة: الأوّل شتمناه، والثاني والثالث أحببناهما قبل أن نكرههما. والمشاعر حيال العراقيّين مشاعر عراقيّةٌ، بمعنى أنّها قويّة وحادّة ومتقلّبة، تماماً كما المشاعر الرومنطيقيّة.

وبشيء من التعميم أسمح لنفسي بالقول إنّ العراقيّ أشدّ العرب رومنطيقيّةً، وهو ما نلمسه في قسوته ورقّته، وفي أغانيه وأشعاره، وفي تديّنه إذا تديّن وإلحاده متى ألحد. وهكذا، حين حصل انقلاب 14 تمّوز الجمهوريّ في 1958، شعرت بفرح في بيتنا مردّه إلى أنّ أصدقاء جمال عبد الناصر أطاحوا نوري السعيد، صديق كميل شمعون. وحين حصل انقلاب 14 رمضان 1963، وكان لي من العمر ما يتيح لفرحي أن يستقلّ عن فرح أهلي، أحسست أنّ العراق مصدرُ ثأرنا من الانفصال السوريّ وممّا اعتبرناه خيانة الشيوعيّين وقاسم للقوميّة والوحدة العربيّتين.

وجاء اهتمامي بالعراق من تعرّفي إلى عراقيّين كثيرين في بريطانيا، كان أوّلهم الصديق الراحل فالح عبدالجبار، ولم يكن آخرهم الصديق كنعان مكيّة. ومن خلالهم  تحوّلت المعرفة بالعراق إلى أشباح وكوابيس تُروى عن حكم البعث وعن أفعال صدّام حسين – "السيّد النائب" ثمّ "السيّد الرئيس" ثمّ "السيّد الله".

ومن خلال تجارب سياسيّين وحزبيّين أتيح لي أن أعرفهم عن كثب، كالصديقين الراحلين هاني الفكيكي، وهو بعثيّ سابق، وعامر عبد الله، وهو شيوعيّ سابق، بتُّ أملك ما يشبه توثيق الفظاعات التي يرويها عراقيّون آخرون أقلّ ضلوعاً منهما في السياسة. فهنا يعثر السامع والناظر على تجارب شاملة تتعدّى السياسة والعقائد إلى آلام البشر الشخصيّة ومآسيهم.

والشمول المذكور مرآةٌ تعكس حقيقة نظام صدّام بوصفه أقرب نماذجنا العربيّة إلى التوتاليتاريّة. ففي ذاك اللامعقول بدا مشروعاً أن يسأل المرء نفسه "هل يوجد فعلاً هذا الكائن المدعو صدّام حسين أم أنّ الإرث الميثولوجيّ لما بين النهرين هو ما يحضّ العراقيّين على اختراعه كيما يؤسطروا حياتهم؟".

وجاءني العراق أيضاً من شعر كثير، تقاسمَ أبياته شعراء انجذبت إلى قصائدهم في هذه المرحلة من حياتي أو تلك، لكنّ المؤكّد أنّ أشدّهم أثراً كان بدر شاكر السيّاب الذي لا يزال الحبّ لعراقه ولجيكوره يلازمني حتّى اللحظة.

"بعث العراق" ربما يكون الكتاب الأكثر تخصصاً في تأريخ ظاهرة البعث العراقي، وقد خصصت كتاباً آخر للبعث السوري. ما الذي يمكن أن يتعلمه قارئ من جيل الألفية الجديدة حول هذا التاريخ؟

 ما يمكنني التحدّث عنه هو ما تعلّمته أنا، وهو أنّ البعث كان أقوى جسورنا في المشرق العربيّ الآسيويّ إلى الكارثة التي لا نزال نرزح تحتها، كما كان، عربيّاً، ثاني أقوى جسورنا إليها بعد الناصريّة.

لقد جمع البعث بين حداثة الحزب والعقيدة وقدامة القبيلة والخرافة، ما جعله يُطبق علينا من جهات كثيرة. لكن ما يرعبني أنّ الدور الفظيع للبعث، بوصفه الطرف الذي صادر تاريخ العراق وسوريا، وأفسد البلدين وألغى احتمالاتهما، لا يستوقف الكثيرين بوصفه هذا، بل في أحيان كثيرة لا يستوقف بعض معارضي البعث وضحاياه ممّن لا زالوا يرونه حركة تحرّر أخطأت الوسيلة لكنّها لم تخطىء الهدف، أو يرونه قاطرة لهيمنة طائفيّة يُردّ عليها بهيمنة طائفيّة معاكسة.

هل خرج العراق من تداعيات حزب البعث، أم لا يزال يعاني؟

هذه أنظمة تدمّر الماضي والحاضر والمستقبل بيد واحدة: الماضي بكتابتها للتاريخ، والحاضر بقمعها وقهرها السكّان المواطنين، والمستقبل بتفتيتها المجتمع وسدّها باب الاحتمالات.

بهذا المعنى، لا أظنّ أنّ العراق يخرج "من تداعيات البعث" إلاّ بمباشرة واحدٍ من اثنين: إمّا مراجعة وطنيّة راديكاليّة صارمة تطال القواسم المشتركة بين البعث وخصومه، لا سيّما الأطراف الراديكاليّة الشيعيّة الموالية لإيران، أو تطوير الفيدراليّة العراقيّة وإكسابها مزيداً من الصدقيّة والجديّة، بحيث تبدأ كلّ واحدة من الجماعات حياتها السياسيّة في مواجهة أبناء جلدتها من قامعيها ومُضطهِديها بعيداً من التذرّع بالآخر الطائفيّ والإثنيّ. والخياران، للأسف، ضعيفان جدّاً.

هل كان يمكن لنظام البعث أن يسقط من دون غزو عسكري أميركي؟ هل كانت هناك طرق أخرى لإسقاطه؟

لا أظنّ ذلك، بدليل أنّ ذاك النظام عاش ما بين 1968 و2003، وخاض خلال تلك المرحلة عديد الحروب ولم يسقط. لكنّ هذا الواقع، على ما فيه من مأسويّة، لا يكفي لتبرير مبدأ التدخّل لإسقاط النظام، ولا يكفي خصوصاً لتبرير الأخطاء والحماقات الهائلة التي رافقت ذاك التدخّل.

 هل كان خاطئاً قرار "اجتثاث حزب البعث" الذي أصدره الحاكم الأميركي بول بريمر بعد سقوط النظام؟ وكيف يجب على العراقيين التعامل مع التركة الثقيلة للحزب؟

يصعب على من يسمّي نفسه ديمقراطيّاً أن يوافق على سلوكٍ أو إجراء اسمه "اجتثاث"، وبالنظر إلى تاريخ الأحقاد الطائفيّة التي رسّخها نظام صدّام، لم يكن من الصعب توقّع انقلاب ذاك الاجتثاث اجتثاثاً للسنّيّة السياسيّة في العراق.

فليكن بعثيّاً من يؤمن بـ"الوحدة والحريّة والاشتراكيّة"، ولا تكون يداه ملوّثتين بالدم والفساد. أمّا الحياة السياسيّة نفسها فتستطيع أن تتولّى تنظيف نفسها بنفسها. غير أنّ مبدأ كهذا يبدو اليوم بعيداً جداً بسبب التعفّن الذي يضرب الحياة السياسيّة والوطنيّة والإدارة الإيرانيّة النشطة لهذا التعفّن.

 بعد أكثر من عشرين عاماً على سقوط البعث العراقي، لا يزال حضوره في الشارع العربي لافتاً، خصوصاً في الأردن ولبنان، حيث يمكن رؤية صور صدام حسين في كثير من الأماكن، كما أن "الترحم" على زمن صدام شائع على مواقع التواصل الاجتماعي. ما تفسيرك لهذه الظاهرة؟

لا أظنّ أنّ حضور البعث، كحزب وكأيديولوجيا هو الظاهرة اللافتة. اللافت أمران كثيراً ما يتقاطعان، أوّلهما شعور بالمظلوميّة السنيّة المحتقنة، وهو ما تتقاسمه الصداميّة مع الحركات الأصوليّة والراديكاليّة السنيّة على أنواعها. ومن هذه المظلوميّة تأتي فكرة التحدي ورد التحدي بوصفها "ديانة" أنتجها موت صدام وظروف إعدامه. وتزدهر نظرة كهذه على ضوء قراءة البعض مآسي سوريا ومآسي غزة بوصفها مآسي سنية لا يوجد طرف سني قويّ يرفعها عن كاهل السنّة.

أمّا الأمر الثاني فتلخّصه النتائج البائسة لتجربة العراق بعد تحريره من صدّام وحكمه، ما يرى البعض فيه سبباً وجيهاً للترحّم عليهما، إذ هل يُعقل احتمال كلّ تلك المآسي وبذل كلّ تلك الأكلاف للوصول إلى بلد على هذا النحو؟

يُعتبر العراق اليوم في أكثر فتراته السياسية ما بعد ٢٠٠٣ "استقراراً"، بعد سنوات من العنف والفوضى. ما التوازنات التي أرست هذا "الاستقرار" النسبي برأيك، وهل يمكن البناء عليه؟

لا أظنّ ذلك لأنّ هذا "الاستقرار" تعبير عن تجميد للحياة السياسيّة، وهو مقرون بجعل طهران مصدر التحكيم الأخير في الشأن الشيعيّ. أمّا عنصر الإزعاج الذي مثّلته انتفاضة أواخر 2019 فعُطّل بالقوّة، فيما المكوّنان الآخران، الكرديّ والعربيّ السنّي، يلزمان الحدود التي أملاها تقسيم العمل القائم.

تحضر في العراق أزمة إنتاج النخب السياسية السنية، في وقت يبدو أن التطرف والإرهاب يملآن، في أحيان كثيرة، الفراغ الذي يتركه غياب هذه النخب. ما سبب عدم قدرة العراق على إنتاج زعامة سنية منذ سقوط صدام، وهل الخيارات محدودة إلى هذه الدرجة؟

يشبه وضع السنية السياسيّة العراقيّة وضع المسيحية السياسية اللبنانية قبل خروج الأمن والجيش السوريين من لبنان سنة 2005، أي التهميش الذي يبتر العلاقة بالسياسة كما يبتر الحراك السياسيّ في داخل الجماعة المهمّشة.

وأظنّ، مع توسّع حالة المَيْلَشَة في العراق كما في عموم المشرق العربي، أن السياسة تغدو أقرب إلى الاستحالة، ولا يتسع المجال، إذا اتسع، إلاّ للمداخلات المتطرفة الإرهابية وشبه الإرهابية.

 تحل في العراق هذه الأيام الذكرى العاشرة على اجتياح داعش، والذكرى السابعة على تحرير مدينة الموصل (وقت إجراء الحوار). هنا تحضر إشكالية الأقليات ومصائرها، هل يمكن للعراق أن يتعافى ويستعيد تنوعه الإثني والطائفي. أم أن المسألة أبعد من داعش؟

كانت "داعش" تعبيراً مكثفاً وحاداً وشديد البدائية عن انسداد أبواب السياسة، وعن اتخاذ المنازعات شكلاً يجمع بين العنفية وتعدي الإطار الوطني. وواقع كهذا يُستأنف بأشكال ألطف، والجميع يدفعون أكلاف ذلك، لا سيما الأقليات الأضعف والأصغر، خصوصاً في ظل تماسك جماعة الأكثرية (الشيعيّة) وتسلحها وتواصلها المباشر مع إيران، فضلاً عن الوعي الطائفي النضالي لفصائلها.

في المسألة الكردية، كيف تقيم تجربة الحكم الذاتي وعلاقة أربيل بالحكومة الاتحادية في بغداد. وهل يشكل العنصر الاقتصادي مأزقاً لفكرة الاستقلال الكردي؟

هناك سياسة من التحايُل على الحقوق الفيدراليّة للكرد، والمالُ بعض أشكال هذا التحايُل الذي يستكمله الابتزاز الآيل إلى استضعاف الكرد عبر تعييرهم بعلاقاتهم مع الولايات المتّحدة واتّهامهم الذي لا يكلّ بعلاقات مع إسرائيل.

في الوقت ذاته، وهو مصدر لارتفاع أسهم التشاؤم، لم ينجح الكرد في بناء تجربة أرقى من تجارب العرب، تجربة تكون أقلّ قرابية واعتماداً على الرابط الدموي مع ما يتأدى عن ذلك من إضعاف للشفافيّة، أو أقدر على توحيدهم من السليمانيّة إلى أربيل في نموذج بديل واعد.

هذه حال مدعاة للأسى، لكن ليس لليأس، لظنّي أنها قابلة للإصلاح والاستدراك في زمن لا يطول كثيراً، أو أن هذا ما آمله وأرجوه.

كيف تقرأ الدور الإيراني في العراق؟ وهل ترى أن العراق يشكل جبهة جدية من جبهات محور الممانعة؟

لا نبالغ إذا قلنا إنّ الدور الإيرانيّ في العراق يعادل منع العراق من التشكّل. أما جرّه لأن يصير جبهة من جبهات الممانعة فجديته الأكبر تكمن في هذا الهدف بالضبط، أي في إبقائه بلداً متعثّراً ومتنازعاً داخلياً ومرتَهَناً لطهران، أمّا إذا كان المقصود بالجدية فعاليته العسكرية كجبهة ممانعة فهذا ما تحيط به شكوك كثيرة.

وفي هذا لا تُلام إيران بل يُلام العراقيّون الذين تسلّموا في 2003 بلداً كبيراً يملك شروط القوّة والغنى، فأهدوه إلى جيرانهم. وهي واقعة تنبّه مرة أخرى إلى مدى تغلّب الرابط المذهبيّ العابر للحدود في منطقة المشرق على الرابط الوطنيّ.

هل من دور تلعبه دول الخليج العربي في العراق لموازنة الحضور الإيراني؟

لا أعرف. أظن أنها، من خلال متابعة إعلامها وفي حدود ما هو متاح لها دبلوماسياً، تحاول ذلك.

بعد هجوم السابع من أكتوبر في إسرائيل، عاد إلى الواجهة الحديث عن الإخوان المسلمين في العراق، واتصالهم بالقضية الفلسطينية. هنا يحضرني سؤالان: الأول عن علاقة العراق بالقضية الفلسطينية وهل هي في صلب اهتمامات الشارع العراقي أم أنها مادة للاسثمار السياسي؟ والسؤال الثاني: هل ترى أن تجربة "الإخوان" ممكنة في عراق اليوم؟

بطبيعة الحال يتفاعل العراقيّون بقوّة، شأنهم شأن باقي المشارقة، مع القضية الفلسطينية. لكنني أظن، وفي البال تاريخ الحقبة الصدامية وما تلاها من أعمال ثأرية وعنصرية نزلت بفلسطينيي العراق، أنّ المسألة الطائفية هي التي تقرر اليوم هذا التفاعل، وهي التي توظفه بما يلائمها.

أليس من المريب أن البيئة التي هاجمت الفلسطينيّين في 2003 و2004 واتهمتهم بالصدامية كما أخذت على صدام إهداره أموال العراقيين على فلسطين والفلسطينيّين، هي التي تخوض اليوم معركة غزّة!؟ أمّا الإخوان المسلمون العراقيون فلا أملك اليوم ما يكفي من معلومات عن أحوالهم بما يتيح لي الرد على السؤال، لكنّني أظن أن فرصة لعب الإخوان دوراً أكبر متاحة وممكنة مبدئياً في ظل غياب قوى سياسية سنية منظمة وفي المناخات التي تطلقها حرب غزة ودور حركة حماس ذات الأصل الإخواني فيها.

إذا أجريتَ مراجعة نقدية لرؤيتك السياسية حول العراق، هل ترى أنك اخطأت في مكان ما؟ أين؟

بطبيعة الحال أخطأت كثيراً. فإذا كان المقصود أطوار الماضي، حين كنت متعاطفاً مع الناصرية والبعث ثم إبان ماركسيتي، فكلّ ما فعلته وقلته كان خطأ. وأمّا إذا كان القياس على وعيي الراهن، أي ما يعود إلى قرابة 45 عاماً إلى الوراء، فأظن أن الأخطاء لم تكن من نوع "إستراتيجيّ" إذا صحّ التعبير، بل طالت درجات الحماسة والاندفاع وسوء التقدير في بعض الأحيان.

برأيك هل يمكن للعراق أن يستقر ويأخذ سيادته الكاملة في ظل تجربة ديمقراطية رائدة، أم أن الأوان قد فات على ذلك؟

ليس هناك ما "يفوت" في ما أظن، لكن الحديث في المستقبل هو ما تعلمنا التجارب أن نتروى ونتردد كثيراً فيه. ما يمكن قوله إن تجارب كبرى فاتت وتعويضها يستلزم جهوداً جبارة لا يبدو لي أن ثمة ما يشير إليها أو يوحي بها راهناً.