محافظة البصرة تعد من أكثر المحافظات التي تضم تجار المخدرات
محافظة البصرة تعد من أكثر المحافظات التي تضم تجار المخدرات

في زاوية غرفة منزل مهجور منذ أكثر من عام في البصرة جنوبي العراق، يرقد حيدر كعادته ينفث الدخان من زجاجة عطر أفرغها من محتواها وحولها لتكون أداته الخاصة بتعاطي مادة الكريستال، قائلا إن هذه الزجاجة باتت "رفيقته الوحيدة الآن"، فهو يعيش وحيدا في منزل أسرته الذي هجره الجميع، فشقيقه الصغير وشقيقته ووالدته المسنة تركوا المنزل خوفا من تعرضهم للمضايقات والتحرش الجنسي.

يتحول حيدر لشخص آخر بعد تعاطي الكريستال، حيث حاول مرات عدة التحرش بوالدته وشقيقته الصغيرة ومع تكرار المحاولة كان الأخ الأصغر يتصدى له، ليندلع شجار تستخدم فيه السكاكين والعصي، وينتهي بتراجع حيدر وإصابة شقيقه بجروح، كادت في إحدى المرات أن تودي بحياته. 

أما شقيقة الأكبر، وهو جندي في الجيش العراقي، فهو الآخر غادر المنزل للسكن في أحد الأحياء العشوائية، خوفا على زوجته وبناته من التعرض لمصير مماثل أثناء غيابه عن المنزل.

هذه القصة من بين مئات القصص التي أكدت الجهات المختصة أن أسبابها الرئيسة، تصاعد معدلات تجارة المخدرات وبالتالي ارتفاع نسبة المتعاطين، كما سجلت أرقاما صادمة لحالات الانتحار والاغتصاب والقتل بسبب تعاطي المخدرات.

وتتصدر البطالة أسباب لجوء البعض إلى المخدرات، إذ تقول رئيسة منظمة النقاهة ومكافحة المخدرات، إيناس كريم، لموقع "الحرة" إن تأثير المخدرات على المجتمع يبدأ تصاعديا، "بداية بالضغوط النفسية التي يتعرض لها العاطل عن العمل وشعوره بالنقص لعدم قدرته على تسخير قدراته وانخراطه في عملية بناء مجتمع قوي متماسك ومزدهر، مرورا بالمشاكل النفسية التي تؤدي مجتمعة إلى الجنوح نحو تعاطي المخدرات وإدخال المجتمع في حالة لانتشار الآفات السلبية التي ستؤدي لانهياره".

وترى إيناس أن المخدرات آفة من آفات العصر وهو أشد خطورة من الإرهاب، الأمر الذي يحتم على السلطات الأمنية العمل على مواجهة عصابات الاتجار، كما تواجه الإرهاب، و"بذات القوة والتكتيك والاستراتيجيات".

وتضيف إيناس أنه من الضروري إنقاذ الشباب الذين يثبت تورطهم بتعاطي المخدرات من خلال إعادة تأهيلهم كونهم الفئة التي يستهدفها "الإرهاب الناعم" الذي سهل عملية إدخال المخدرات وترويجها وتعاطيها بالتزامن مع انتشار البطالة و"الأعداد المخيفة" للخريجين العاطلين عن العمل.  

تظاهرات

وشهدت عدة مدن في العراق تظاهرات عارمة في أكتوبر 2019 احتجاجا على التدهور الأمني والاقتصادي والاجتماعي وانتشار البطالة، رافقتها أعمال عنف راح ضحيتها مئات المتظاهرين، في حين تعرضت دوائر حكومية ومكاتب الأحزاب السياسية في بغداد والمحافظات إلى الحرق، ما دفع الحكومة والبرلمان إلى الإسراع للاستجابة والتفاعل مع هذا الحراك في محاولة لدرء تداعيات الأزمة.

وشهدت تلك الاحتجاجات التي عرفت باسم "تظاهرات تشرين" تضامنا محليا ودوليا على نطاق واسع، وأعلنت الحكومة السابقة عن إجراء تحقيق للوقوف على الأسباب التي أدت لوقوع أعمال العنف، وشكلت لجانا لمعالجة المطالب الشعبية والعمل على تلبيتها، إلا أن هذا الإجراءات لم تكن مرضية للمتظاهرين الذين استمروا باحتجاجاتهم.

وبعد أكثر من ثلاث سنوات على المظاهرات، لايزال العراق يعاني من أزمات عدة، أبرزها النزاع السياسي الحالي في بلد يعاني من أزمة اقتصادية واجتماعية ونسبة بطالة تبلغ 40 في المئة بين الشباب، وثلث سكانه البالغ عددهم أكثر من 40 مليون نسمة يعانون من الفقر، وفق أرقام وكالة فرانس برس.

ممر للمخدرات 

وكشفت السلطات الأمنية عن مصادرتها كميات كبيرة من المواد المخدرة خلال الأعوام الثلاث الماضية، التي شهدت توسعا بدائرة المتعاطين والمتاجرين بالمخدرات بمختلف أنواعها.

وتؤكد الجهات الأمنية أن العراق بعد عام 2003، تحول من معبر لانتقال المخدرات للدول المجاورة إلى مستهلك للمخدرات، لا سيما أن معظم الحدود والمعابر البرية العراقية تتضمن عددا كبيرا من المناطق الهشة أمنيا، والتي تتسرب إليها أنواع مختلفة من المخدرات على مدار اليوم.

وحسب مصادر موقع "الحرة"، يعتبر منفذ الشلامجة وزرباطية من أكثر المنافذ الحدودية الجنوبية تهريبا للمخدرات، فضلا عن مناطق التهريب عبر شط العرب باتجاه الحدود المشتركة مع إيران من جنوب جزيرة أم الرصاص حتى منطقة رأس البيشة في قضاء الفاو. 

وفي محاولة لتقويض أزمة تفشي المخدرات والحد من انتشارها بين الشباب، استحدثت وزارة الداخلية مديريات لمكافحة المخدرات في جميع المحافظات، تعنى بمكافحة جرائم المخدرات واعتقال المتورطين بالاتجار بها.

وكان العراق يفرض عقوبة الإعدام على متعاطي المخدرات وتجارها، لكنه سن قانونا جديدا عام فيما تم إصدار قانون المخدرات والمؤثرات العقلية رقم 50 لعام 2017 الذي ضم في بنوده عقوبات تطاول مروجي المخدرات، بالإضافة إلى قوانين خاصة بتأهيل المدمنين، يمكن بمقتضاه علاج المتعاطين في مراكز التأهيل.

قانون المخدرات والمؤثرات العقلية 

ويعاقب المشرع العراقي، بحسب ما يؤكد عميد كلية القانون في جامعة البصرة، علي الأسدي، لموقع "الحرة" كل من أدار أو أعد أو هيّأ مكانا لتعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية بالسجن المؤبد أو المؤقت وبغرامة لا تقل عن 10 ملايين ولا تزيد عن 30 مليون دينار، وفقا لأحكام المادة الـ28 من قانون المخدرات والمؤثرات العقلية.

كما نصت المادة الـ32 من قانون المخدرات والمؤثرات العقلية بالحبس مدة لا تقل عن سنة واحدة، ولا تزيد على ثلاث سنوات، وبغرامة لا تقل عن خمسة ملايين دينار، ولا تزيد على عشرة ملايين دينار لكل من استورد أو أنتج وصنع أو حاز أو أحرز أو اشترى مواد مخدرة أو زرع نباتا من النباتات التي ينتج عنها مواد مخدرة أو مؤثرات عقلية، أو اشتراها بقصد التعاطي.

وبشأن متعاطي المخدرات، أكد الأسدي أن المادة 32 نصت على إيداع من يثبت إدمانه على المخدرات أو المؤثرات العقلية في إحدى المؤسسات الصحية التي تنشأ لهذا الغرض، كما ألزمت هذه المادة كل من يثبت تعاطيه المواد المخدرة مراجعة العيادة النفسية لمساعدته في التخلص من الإدمان.

وينص قانون المخدرات والمؤثرات العقلية أيضا في مادته السابعة، على تأهيل المدمنين من متعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية، الذين يتم الإفراج عنهم بقرار قضائي أو الذين انتهت مدة محكوميتهم وإخضاعهم لبرامج تأهيلية لإعادة دمجهم بالمجتمع. 

مركز وحيد 

مدير مركز البصرة لعلاج الإدمان، كاظم خيرالله، يقول، لموقع "الحرة" إنه يتمنى افتتاح مراكز أخرى لعلاج مدمني المخدرات في البصرة فالمركز الموجود هو الوحيد وهو غير قادر على استيعاب الحالات الكثيرة التي ترده من ثلاث محافظات، هي البصرة والناصرية وميسان ويتكفل المركز بكافة احتياجات المرضى شريطة أن يكون المتعاطي غير ملاحق قانونيا.

ويذكر خير الله أن الطاقة الاستيعابية الكلية للمركز 44 مريضا، مقسمة على 23 سرير للرجال و21 سرير للنساء، مؤكدا أن المركز، ومنذ تأسيسه عام 2018 لغاية العام الجاري، استقبل أكثر من 1000 رجل و100 امرأة، وصلت مدة رقودهم في المصح لنحو 20 يوما.

ويشهد المركز إقبالا كبيرا من قبل الشباب المتعاطين، إلا أن المركز صغير مقارنة بأعداد المتعاطين الذين خضعوا للعلاج فيه، وفق خيرالله الذي يؤكد أن معظم المدمنين يميلون للعنف وكانوا قد تعرضوا لظروف صعبة.

أما عن الإجراءات المتخذة، فيقول، يبدأ يوم المريض بالرياضة الصباحية، بعد ذلك جلسة علاجية بإشراف أطباء مختصين، ومن ثم الفطور والاستحمام، ليعقب ذلك جلسة علاجية أخرى تليها وجبة الغداء وتناول الدواء.

"الانتحار أو السجن"

ويروي كريم حاتم، وهو متعاطي للمخدرات قصته، ويقول، لموقع "الحرة" إنه أدمن المواد المخدرة بسبب أصدقاء السوء عام 2018، حيث كان يمتلك سيارة ودراجات خسرها جميعا بسبب إدمانه. 

ويضيف أن أحد أصدقائه الذين تخلص من الإدمان كان قد تلقى العلاج في هذا المصح، فنصحني اللجوء إليه قبل فوات الأوان، لأن آخر طريق الإدمان، الانتحار أو السجن.

ويتابع حاتم قائلا: "اقتنعت بمقترح صديقي، وجئت إلى المركز للعلاج وترك المخدرات"، وينصح جميع مدمني المخدرات بالقدوم للمركز من أجل العلاج لمدة 15 يوما، دون تعرضهم للملاحقة القانونية. 

ويقول مدير قسم الصحة النفسية في مركز الإدمان، الدكتور عقيل الصباغ، لموقع "الحرة" إن "البحث العالمي الخاص بالعراق عن المخدرات والمدعوم من قبل وزارة الخارجية الأميركية بالتعاون مع وزارة الصحة العراقية، أظهر أن المخدرات تنتشر في جميع المدن العراقية، حيث تنتشر مادة الماريوانا فيما تنتشر مادة الكريستال في البصرة بنسبة عالية".

ويؤكد أن هذه المادة تدخل من "إيران فيما تدخل مادة "صفر واحد" من الكويت"، مشيرا إلى أن معظم المواد المخدرة يتم تهريبها من قبل "مافيات متعددة لا تستطيع الدولة السيطرة عليها".

ويضيف أنه، وعلى الرغم من انتشار تعاطي المخدرات بشكل واسع، إلا أن الإحصاءات الرسمية الخاصة بنسب المتعاطين غير دقيقة في حال توفرت، وتختلف عن نسب المتعاطين من محافظة إلى أخرى.

ويفضل معظم المدمنين عدم الذهاب إلى مصحات العلاج نتيجة العقوبات القانونية التي قد يتعرضون لها، وفق الصباع الذي يضيف أن ذلك دفع منظمات حقوقية ومؤسسات رسمية إلى رفع توصيات عدة للحكومة العراقية بإلغاء العقوبات على المتعاطين لتشجيعهم على اللجوء إلى مراكز التأهيل.

وكان الناطق باسم وزارة الداخلية العراقية، اللواء خالد المحنا، قد أكد، في بيان سابق، أن أحد أسباب العنف الأسري هو الإدمان وتعاطي المخدرات، مشيرا إلى أن أعداد متعاطي المواد المخدرة في تزايد مستمر، إذ تم تشخيص تلك القضية كإحدى التهديدات الخطيرة التي تواجه المجتمع العراقي.

وأعلنت السلطات الأمنية العراقية، في وقت سابق، عن إسقاط طائرة شراعية على حدود محافظة البصرة كانت محملة بمليون حبة مخدرة، مشيرة إلى أن الطائرة كانت قادمة من إحدى الدول المجاورة.

وقال بيان لوكالة الاستخبارات والتحقيقات في وزارة الداخلية العراقية إنه وبعد ورود معلومات استخبارية بوجود طائرة شراعية محلية الصنع تجوب سماء منطقة جريشان بمحافظة البصرة، تم تشكيل فريق عمل مشترك من وكالة الاستخبارات وحرس الحدود، وإسقاط الطائرة.

وأكد البيان أنه تم ضبط نحو مليون حبة مخدرة في الطائرة، كانت معدة لإدخالها إلى داخل الأراضي العراقية ولم تحدد الوكالة جنسية قائد الطائرة ولا جهة هروبه لإحدى دول الجوار.

وأعلنت وزارة الداخلية اعتقال متسللين يمارسان عمليات تهريب المخدرات إثر مطاردة لقوات حرس حدود السواحل. وذكر بيان للوزارة أن قوة مشتركة من مجموعة زوارق حرس حدود السواحل الثالثة، وقسم استخبارات القيادة، تمكنت من إحباط محاولة تسلل لشخصين عراقيي الجنسية. 

وأضاف البيان أن "العملية جاءت بعد ورود معلومات استخبارية عن وجود عملية تهريب من الجانب العراقي عبر شط العرب، وبعد نصب كمين بري وبحري ومطاردة الزورق تم إلقاء القبض عليهما في منطقة السيبة منطقة حدودية مع إيران".

كما اعلنت وزارة الداخلية القبض على ما وصفته بأخطر عصابات تهريب وترويج المخدرات مكونة من ستة متهمين في البصرة.

وذكرت الوزارة، في بيان لها، أن شعبة مكافحة المخدرات التابعة لمديرية شرطة جمارك المنطقة الرابعة، وبالتعاون مع شعبة استخبارات المديرية، وقسم استخبارات قيادة حرس حدود المنطقة الرابعة، تمكنت من إلقاء القبض على أخطر عصابات تهريب وترويج المخدرات داخل محافظة البصرة.

وأوضح البيان أن المتهمين اعترفا بأنهما يعملان بتهريب المخدرات عبر الممرات المائية في نهر شط العرب، ليتم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهما وتسليمهما إلى الجهات المختصة، وبحسب إحصائية المديرية العامة لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية في العراق، فإن المخدرات طالت الشباب من الجنسين.

وتقول المديرية إن الفئات التي تتعاطى المخدرات تتراوح أعمارها بين 8 أعوام إلى 35 عاما، وهي الأعمار المستهدفة من قبل مروجي السموم في البلاد.

وتعد محافظة البصرة من أكثر المحافظات التي تضم تجار المخدرات، وبنسبة كبيرة، فيما تنفذ قوات الأمن العراقية معظم عملياتها الأمنية وتشتبك مع هؤلاء التجار ويصل الأمر غالبا إلى تبادل إطلاق النار بين الطرفين.

وقدمت قوات الأمن العراقية ضحايا من منتسبيها وضباطها قضوا في ملاحقة تجار المخدرات في العراق، ويوميا يتم إلقاء القبض على المتعاطين والمروجين للمخدرات في العراق.

من جهته، أكد المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة، اللواء يحيى رسول، في بيان، أن رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي وجه بالعمل على منع دخول المخدرات من خارج العراق، مبينا أن القوات المسلحة العراقية والأجهزة الأمنية التي عملت على تحقيق عمليات نوعية في إلقاء القبض على تجار المخدرات، ومصادرة كميات كبيرة من المواد المخدرة.

وتعتبر الوصمة الاجتماعية والعقوبات القانونية المعوق الأكبر الذي يحول دون توجه متعاطي المخدرات نحو المؤسسات الطبية الخاصة بعلاج الإدمان، الأمر الذي يؤدي إلى أن عددا من المدمنين لا يتلقون العلاج نتيجة الخوف من العقوبات المشددة التي تعامل المتعاطي كمجرم وليس ضحية.

وفي هذا السياق، يقول مدير مكتب مفوضية حقوق الإنسان في البصرة، مهدي التميمي، لموقع "الحرة" إن محافظة البصرة تعدّ البؤرة الأكبر لتجارة المخدرات وتعاطيها، وباتت تمثل المنفذ الأكبر لورود تلك المواد نحو بقية المحافظات، نظرا إلى قربها من إيران واستمرار تهريب تلك المواد إليها.

ويلفت التميمي إلى أن "هناك ارتباطا وثيقا بين تعاطي المخدرات وتزايد حالات العنف الأسري"، معربا عن اعتقاده أن الإشكالية الأكبر هي ارتباط تجارة المخدرات في العراق بأحزاب سياسية وشخصيات نافذة، بينما تكتفي أجهزة مكافحة المخدرات بالقبض على صغار التجار.

ووضع التميمي الخلافات السياسية التي شهدتها البلاد وعدم ضبط الحدود مع دول الجوار وانتشار الفساد في جميع مفاصل الدولة من ضمن المسببات الرئيسة لتفشي هذه الظاهرة وانتشارها بشكل لافت، بالإضافة الى الأوضاع الاقتصادية السيئة وارتفاع نسبة الفقر وتدني الواقع المعيشي لمعظم أبناء المحافظة الغنية بالنفط، لافتا إلى أن نسبة الفقر في المحافظة وصلت لنحو 40 بالمئة، الأمر الذي تسبب بخروقات كبيرة للسلم المجتمعي.

وأشار الى أن الجهات المختصة لن تتمكن من السيطرة على تفشي المخدرات، لاسيما أن المحافظة تفتقر لوجود مصحات متخصصة بعلاج مدمني المخدرات.

وكشف التميمي أن أكثر من شخص يقبعون في سجون البصرة بتهم ترويج المخدرات، في دلالة على اتساع تجارة المخدرات في المحافظة التي تمثل ممرا من إيران باتجاه عدد من الدول العربية، في حين تنفذ القوات الأمنية بشكل شبه يومي حملات لاعتقال التجار والمتعاطين.

العراق

في زوايا معتمة تحت الأرض، وفي مناطق عسكرية مغلقة لا تدخلها حتى الدولة، تتوسع بصمت إمبراطورية تسليح تقودها إيران من قلب العراق.

ليست مجرد شحنات تمر عبر الحدود، بل مصانع متكاملة، وخبراء تحت غطاء دبلوماسي، وتكنولوجيا حربية متقدمة تُبنى وتُختبر داخل الأراضي العراقية ـ وكل ذلك تحت مظلة هيئة الحشد الشعبي.

من الطائرات المسيّرة الانتحارية إلى صواريخ "رعد 1" بعيدة المدى، لم تعد هذه الأسلحة تُصنع في طهران فحسب، بل أيضا في جرف الصخر والزعفرانية وعين التمر والنهراون، لتغذي صراعات في اليمن، وسوريا، ولبنان. 

والنتيجة؟ عراق محاط بالاتهامات، غارق في شبكات السلاح، ومهدد بالتورط في حروب لا تعنيه.

ورغم محاولات الحكومة العراقية التأكيد على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، يظهر الواقع على الأرض عكس ذلك، مع عشرات الميليشيات التي لا تزال تحتفظ بترسانتها من الأسلحة وتعمل كذراع إقليمي لطهران.

في خضم الحرب ضد تنظيم داعش قبل بعض سنوات، استطاعت إيران نقل جزء من تكنولوجيتها العسكرية إلى العراق، وأسست بنية تحتية لصناعة الأسلحة وتخزينها، بالتعاون مع الفصائل العراقية المسلحة الموالية لطهران.

تنتج مصانع السلاح التابعة لمديرية الإنتاج الحربي في هيئة الحشد الشعبي طائرات مسيرة وصواريخ بالستية متنوعة المديات، وتطور دبابات ومدرعات روسية وأنظمة اتصالات رقمية وغرف تحكم وسيطرة، إلى جانب مدافع ثقيلة وقذائف وقطع غيار وأسلحة متوسطة وخفيفة وذخائر.

ورغم حديث هيئة الحشد الشعبي عن تطوير قدرات تسليحية أحيانا، اعتذر العديد من السياسيين وحتى الخبراء العراقيين المقربين من أحزاب السلطة والمعارضين أيضا، من الحديث عن الموضوع.

ويرجح خبراء وسياسيون تحدث معهم موقع "الحرة" التكتم عن الموضوع ناتج الخوف من التعرض للاستهداف أيدي مخابرات الحرس الثوري الإيراني التي تتولى "بالتنسيق مع المليشيات العراقية ملف حماية الخبراء الإيرانيين ومواقع صناعة الأسلحة والصواريخ.

ولمعرفة تفاصيل الصناعات الحربية في هيئة الحشد الشعبي، تواصل موقع "الحرة"، 

واعتذر  كريم الكناني، مسؤول العلاقات في هيئة الحشد، عن التصريح، قائلا إنه "ليس مخولا" التصريح عن هذا الموضوع، بينما لم يجب المتحدث الرسمي للهيئة، مؤيد الساعدي، على أسئلة "الحرة".

في المقابل، يشير القيادي في حزب الحرية الكردستاني الإيراني المعارض، خليل نادري، إلى أن إيران ما زالت تواصل تزويد مليشياتها في العراق بالسلاح، وترسل عبر العراق السلاح وقطع الغيار إلى ميليشياتها في اليمن ولبنان.

ويضيف نادري لموقع "الحرة" أن "الحرس الثوري يتبع طريقتين لتزويد المليشيات في العراق والمنطقة بالسلاح: الأولى هي إرسال الأسلحة بشكل مباشر، والثانية إرسال قطع الغيار والخبراء المختصين بصناعة الأسلحة إلى هذه البلدان".

ويلفت نادري إلى أن قطع غيار الأسلحة تصل على شكل قطع متفرقة كي لا تثير الشكوك بينما يدخل الخبير الإيراني تحت غطاء موظف دبلوماسي وينتقل فيما بعد إلى موقع صناعة الأسلحة.

ويشير نادري إلى أن الأسلحة التي يصنعها الحشد  الشعبي في العراق، وخاصة الطائرات والصواريخ، لم تكن خاصة بتسليح المليشيات داخل العراق فحسب، بل زود الحرس الثوري مليشيات الحوثي وحزب الله اللبنانية بها.

وتتوزع مصانع سلاح الحشد الشعبي، وفقا لنادري، في مناطق متفرقة من العراق، منها مصانع تحت الأرض مخفية تمام عن الأنظار، وأخرى في مناطق عسكرية مغلقة لا تستطيع حتى الجهات الحكومية العراقية دخولها، ومنها المصانع الواقعة في بلدة جرف الصخر جنوب غربي العاصمة بغداد.

ويضيف نادري "تحتضن بلدة جرف الصخر مواقع رئيسية لصناعة الصواريخ ومحركاتها وإنتاج وقودها. وتنتج هذه المواقع صواريخ قصيرة المدى إلى جانب إنتاج الصواريخ البالستية واختبارها، بينما تتمركز في بلدة الزعفرانية جنوب شرقي بغداد صناعة صواريخ أرض ـ أرض وقذائف الهاون الثقيلة".

ويشير نادري إلى أن بلدات عين التمر في محافظة كربلاء، والنهراون في بغداد، تحتضن هي الأخرى مصانع صواريخ ومخازن خاصة بتخزين هذه الصواريخ إلى جانب مصانع خاصة بالذخائر ومخازنها أيضا.

ووفق القيادي الكردي الإيراني، أنشأ الحرس الثوري مصنعا لإنتاج الصواريخ ومنها صاروخ "رعد1"، وهو من فئة الصواريخ بعيدة المدى الذي يعرف بإمكانياته الكبيرة في تجنب الدفاعات الجوية.

واستعرضت هيئة الحشد الشعبي طائرات مسيرة قالت إنها من صناعاتها الحربية، خلال الاستعراض العسكري الذي نظمته بمناسبة الذكرى السابعة لتأسيسها عام 2021.

وأشارت "قناة العالم" الإيرانية في تقرير مصور عن الاستعراض، إلى أن الطائرات المسيرة التي استعرضها الحشد كانت إحداها شبيهة بطائرات "سايا" الإيرانية وطائرات "صماد 3"، التي تستخدمها مليشيات الحوثي اليمنية في هجماتها، وهي طائرات انتحارية.

وفي استعراض لها عام 2022، كشفت هيئة الحشد عن أسلحة جديدة ومتطورة، وأشارت مواقع عراقية وأخرى إيرانية قريبة من الحرس الثوري، إلى أن أبرز الأسلحة التي استعرضها الحشد شملت منظومة حسيب والراصد للقيادة والتحكم في الطائرات المسيرة، ودبابات 72T الروسية، التي أجرت عليها شركة كرار الإيرانية تعديلا تمثل بإضافة الدروع الجانبية لها، إلى جانب استعراض أجهزة تشويش، وأبراج اتصالات متنقلة حديثة.

وتكشف معلومات دقيقة حصل عليها موقع "الحرة" من حزب الحرية الكردستاني المعارض، عن وجود العديد من الشركات الإيرانية المختصة بالصناعات العسكرية مرتبطة بالحشد الشعبي، وتعمل فرق مهندسيها وخبرائها داخل مصانع أسلحة الحشد.

من تلك الشركات شركة "رستافن ارتباط" التي تشكل جزءا من الصناعات الدفاعية الإيرانية، وهي مختصة بتوفير خدمات الاتصال والمعدات المختصة بالاتصالات والمنظومات الإلكترونية وقطع غيار الأسلحة للقوة الجوية التابعة للحرس الثوري ومجموعة صناعات الصواريخ البحرية الإيرانية، إلى جانب الرادارات.

وإلى جانب "رستافن ارتباط"، تنشط في هذا المجال شركة "فناور موج خاور"، المعروفة بـ"فناموج"، المختصة بصناعة الصواريخ وتجربتها وهي شركة تصميم وصناعة كافة أنواع الصواريخ ومكوناتها.

وتشير معلومات "حزب الحرية" الكردستاني الإيراني إلى أن شركة شاهد لصناعات الطيران موجودة أيضا في العراق، وهي شركة إيرانية مختصة بتصميم وصناعة المروحيات والطائرات المسيرة، وتنقل هذه الشركة طائراتها المسيرة من طراز "شاهد101" و"شاهد136" على شكل قطع إلى داخل العراق ليتم تجميعها داخل مصانع الحشد الشعبي.

وضمن متابعته لملف صناعة السلاح الإيراني في العراق، تواصل موقع "الحرة" مع قيادي في أحد الأحزاب العراقية القريبة من الإطار التنسيقي، الذي اشترط عدم الإشارة الى اسمه أو اسم حزبه مقابل الحديث عن ملف صناعات الحشد الشعبي الحربية.

وفي عام 2018، نقلت رويترز في تقرير استقصائي عن مصادر إيرانية وعراقية وغربية "أن طهران قدمت صواريخ باليستية لجماعات شيعية تقاتل بالوكالة عنها في العراق، وإنها تطور القدرة على صنع مزيد من الصواريخ هناك لدرء الهجمات المحتملة على مصالحها في الشرق الأوسط ولامتلاك وسيلة تمكنها من ضرب خصومها في المنطقة".

وخلال السنوات الماضية، تسببت أسلحة المليشيات بإحراج العراق دوليا عبر هجماتها المتكررة على قواعد عسكرية ومصالح أميركية في إقليم كردستان ومناطق العراق الأخرى وسوريا، واستهدافها للداخل الإسرائيلي.

وعلى الرغم من أن الحكومة العراقية تؤكد باستمرار سعيها لحصر السلاح بيدها، بما في ذلك سلاح المليشيات المسلحة، لكن دون جدوى فهذه المليشيات ما زالت متمسكة بأسلحتها.

وقال مستشار رئيس الوزراء العراقي للعلاقات الخارجية، فرهاد علاء الدين، في تصريح لموقع "الحرة" في أبريل الماضي، إن رئيس الوزراء، محمد شياع السوداني، أكد في أكثر من مناسبة التزام العراق الثابت بحصر السلاح بيد الدولة، وضمان خضوع جميع التشكيلات المسلحة، بما في ذلك هيئة الحشد الشعبي، بشكل كامل للقائد العام للقوات المسلحة.

وأوضح علاء الدين أن "الحكومة تمضي بخطى مدروسة نحو استكمال هيكلة المنظومة الأمنية، من خلال حوارات بنّاءة مع مختلف الأطراف الوطنية، بهدف تعزيز سلطة الدولة، وحماية السلم والاستقرار، ومنع أي محاولات لزجّ العراق في صراعات إقليمية لا تخدم مصالحه".

ويرى السياسي العراقي المستقل، مثال الآلوسي، أن هدف إيران من تصنيع المسيرات والصواريخ محليا بأيادي عراقية داخل العراق هو إطلاق يد المليشيات فوق الدولة والقيام بإرهاب الأطراف العراقية لغرض ابتزازها أو السيطرة عليها، وابعاد مسؤولية هذا الإرهاب عن طهران.

ويضيف الآلوسي لموقع "الحرة"، "ينبغي فهم أن عمليات تصنيع السلاح الإيراني خارج إيران تجري ضمن شراكة كبرى تعتمد على المال العراقي والغطاء والنقل بمساهمة عراقية وكذلك العاملين والمصنعين، والجميع شركاء في رسم صورة تحكم طهران بالإرهاب الإقليمي".

وأضاف أن "إيران تعمل بأصابعها العراقية لتنفيذ أهدافها ومنها إعادة تسليح حزب الله اللبناني والجماعات الأخرى الموالية لها في المنطقة".

وتنضوي تحت جناح الحشد الشعبي أكثر من 70 ميليشيا مسلحة معروفة، إلى جانب عشرات من الميليشيات غير المعروفة، التي أشرف الحرس الثوري الإيراني عبر جناحه الخارجي "فيلق القدس" على تأسيسها في أوقات مختلفة، وقد شاركت غالبية هذه الفصائل خلال السنوات الماضية في الحرب الأهلية في سوريا ضمن صفوف المليشيات الإيرانية.

وأعلنت مساندتها لحزب الله اللبناني وشنت العديد من الهجمات الصاروخية على أهداف داخل إسرائيل خلال عامي 2023 و2024 قبل إعلانها إيقاف الهجمات مؤقتا في نهاية العام الماضي 2024.

ويعتقد المحلل السياسي في مركز "رامان" للبحوث والاستشارات، شاهو قرداغي، أن خطاب قيادات الحشد الشعبي وذهابهم سابقا للقتال خارج العراق يبين أن جزءا من هذه الأسلحة، رغم ادعاء استخدامها للدفاع عن العراق فقط، انتهت بيد فصائل موالية لإيران خارج العراق، سواء في سوريا أو غيرها.

ويوضح قرداغي لموقع "الحرة" أن "وصول هذه الأسلحة إلى فصائل غير عراقية خطر حقيقي يهدد بتوريط العراق في صراعات ومشاكل خارجية هو في غنى عنها خاصة في ظل حالة الهدوء والاستقرار وتوفير الخدمات التي يعيشها البلد خلال الفترة الحالية".

ويؤكد قرداغي على أن إيران تستغل الأراضي العراقية كقاعدة خلفية لتسليح وتمويل أذرعها المسلحة في المنطقة، فهي تُدخل خبراء وسلاح عبر حدود غير خاضعة لسيطرة الدولة، وتستخدم الفصائل كغطاء لتمرير السلاح إلى مليشياتها في سوريا ولبنان واليمن، مما يورط العراق في صراعات إقليمية لا ناقة له فيها ولا جمل.