علي السيستاني آية الله العظمى والمرجع الأعلى للشيعة في العراق.
علي السيستاني آية الله العظمى والمرجع الأعلى للشيعة في العراق.

يشير مصطلح الحوزة في الثقافة الشيعية الإمامية الإثني عشرية إلى المكان الذي تُدرس فيه العلوم الدينية، والذي يجتمع فيه طلاب العلم الديني مع أساتذتهم وشيوخهم.

تُعدّ حوزتا النجف في العراق، وقم في إيران أهم الحوزات العلمية على الإطلاق، وفقا لموقع "ارفع صوتك"، الذي سلط الضوء على المراحل التعليمية المختلفة في الحوزات العلمية، وتاريخ حوزتي النجف وقم، والتنافس بينهما.

التعليم في الحوزة

في كتابه "إيران من الداخل" يشرح الكاتب المصري، فهمي هويدي، نظام التعليم الحوزوي. يقول هويدي أن التعليم في الحوزة يمر بعدد من المراحل المتتالية، بحيث لا يتمكن طالب العلم من الترقي والوصول لمرحلة ما إلا بعد أن يجتاز المرحلة السابقة. ويحصر تقرير "ارفع صوتك" تلك المراحل في ثلاث محطات رئيسية.

تُعرف المرحلة الأولى باسم "سطح المقدمات"، ومدتها خمس سنوات، ويتلقى فيها الطالب دروساً تمهيدية ومقدمات في علوم اللغة والبيان والبديع والفقه والأصول وعلم الكلام والفلسفة.

أما المرحلة الثانية يطلق عليها اسم "سطح المتوسط"، ومدة الدراسة فيها تبلغ ما بين 3 إلى 5 سنوات، يكون الطالب فيها تحت أشراف أحد مراجع الحوزة الكبار، ويتخصص بدراسة الفقه أو الفلسفة أو التاريخ.

والمرحلة الثالثة، فتُعرف باسم "سطح الخارج". وهذه المرحلة تشبه مرحلة الدراسات العليا في الكليات النظامية، والغرض الرئيسي من الدراسة في تلك المرحلة هو أن تجعل الطالب مستعداً للوصول لمرتبة الاجتهاد، ولا يوجد وقت زمني محدد لإنهاء تلك المرحلة، فقد يستمر بها الطالب لسنوات قليلة، ومن الممكن أيضا أن تستغرق عمر الطالب كله. وفي تلك المرحلة يبدأ الطالب في إعداد البحوث الفقهية المعمقة ويدرس على يد المراجع الكبار.

تعارف العلماء في الحوزات العلمية على عدد من المصطلحات والألقاب التي يُفهم منها المرحلة العلمية التي يتواجد بها الطالب. ففي مرحلة "سطح المقدمات"، يُطلق على الباحث "طالب أو مبتدئ"، وفي مرحلة "سطح المتوسط"، يُطلق عليه لقب "ثقة الإسلام"، أما في مرحلة "سطح الخارج"، فيُطلق عليه لقب "آية الله". وفي حالة أن توسعت قاعدة وشعبية "آية الله" داخل الحوزة، فإنه يصبح مرجعاً للتقليد.

حوزة النجف 

تقع مدينة النجف في الجزء الجنوبي الغربي من وسط العراق. ويتفق الشيعة الإمامية على تقديسها. ويرجع السبب في ذلك لمجموعة من الروايات المنسوبة إلى الرسول، وفق الرواية الشيعية، كما يرجع أيضًا لكونها المكان الذي احتوى مرقد الإمام علي بن أبي طالب، وفقا لموقع "ارفع صوتك".

في سنة 448 من الهجرة، دخل السلاجقة الأتراك مدينة بغداد. وشنوا حملة اضطهاد عنيفة ضد الشيعة الإمامية. أُحرقت مكتبة شيعية كُبرى، ونُهبت دار شيخ الطائفة، الشيخ الطوسي، وسُرق ما بها.

أمام تلك الأحداث المتسارعة هاجر الشيخ الطوسي إلى النجف، وتبعه أنصاره ومحبوه. ولم تمر سنوات قلائل حتى أضحت النجف مركزا علميا مهما للشيعة الإمامية. وتم تأسيس ما عُرف باسم الحوزة العلمية في النجف.

اعتاد الكثير من الرحالة والزائرين على وصف الحوزة النجفية عند زيارتها. وينقل الموقع عن الرحالة المغربي الشهير، ابن بطوطة، مشاهداته لمدرسة الحوزة سنة 726 هجري: "مدرسة عظيمة يسكنها الطلبة والصوفية من الشيعة. ولكل وارد عليها ضيافة ثلاثة أيام من الخبز واللحم والتمر مرتين في اليوم".

على مر السنين، أُسست العشرات من المدارس العلمية في النجف. من بين أشهر تلك المدارس، كل من مدرسة الصحن الغروي، ومدرسة المقداد السيوري، ومدرسة الصدر، ومدرسة كاشف الغطاء، ومدرسة الفاضل الإيرواني، ومدرسة الآخوند الكبرى، ومدرسة القزويني، ومدرسة محمد كاظم اليزدي، ومدرسة البخارئي.

وقد تحدث عبد الرزاق حرز الدين في كتابه "تاريخ النجف الأشرف" عن الدور المهم الذي اضطلعت به تلك المدارس، فقال: "النجف منهل العلماء عبر القرون، وقد تخرّج من جامعتها الآلاف منهم، ولم تزل مجالسها لا تهدأ عن المذاكرات العلمية والفروع الفقهية، فكلّ من لديه مسألة عويصة أو فرع مغلق يأتي لمجلس منها ليعثر على ضالّته، بل حتّى المجالس العامة للسواد إذا حضرها أهل العلم لا تسمع إلاّ المذاكرات العلمية بينهم، وناهيك بالمساجد والصحن الغروي المقدّس يسمع أصوات أهل العلم في المذاكرات من خارج سور النجف، ولا زالت الحركة العلمية فيها تنمو ويخرج منها في كلّ سنة عدد كبير من دعاة الدين ورجال الفضل والعلم الغزير"، وفقا للموقع. 

حوزة قم

تقع مدينة قم على بعد 157 كم جنوبي العاصمة الإيرانية، طهران، وتحظى بمكانة هامة في الوجدان الشيعي الاثني عشري.

يرى الشيعة في تلك المدينة واحدة من أكثر المدن قداسة واعتبارية. يرجع السبب في ذلك إلى كونها الأرض التي دُفنت فيها فاطمة (المعروفة بفاطمة المعصومة) بنت الإمام موسى الكاظم، في سنة 201 هجري.

وارتفعت منزلة قم منذ ذلك الوقت، وعرفها الشيعة باسم "عش آل محمد". وجرى الاهتمام بعمارة مرقد فاطمة عبر القرون حتى أضحى مزاراً دينياً يقصده الملايين من الشيعة في كل عام. في السياق ذاته، تواترت الأحاديث المنسوبة للأئمة والتي أكدت على أهمية تلك الزيارة.

عُرفت قم تاريخيا بكونها أحد المراكز العلمية المهمة عند الشيعة في القرنين الرابع والخامس الهجريين، كما نُسب إليها العديد من العلماء المعتبرين الذين أثروا المكتبة الشيعية بمؤلفاتهم ومصنفاتهم على مر السنين. من أهم هؤلاء العلماء كل من علي بن بابويه المعروف بالصدوق الأول، وابنه محمد بن علي بن بابويه، المعروف بالشيخ الصدوق، وابن قولويه القمي، صاحب كتاب "كامل الزيارات"، وعلي بن إبراهيم بن هاشم القمي، صاحب "تفسير القمي".

وتراجعت مكانة قم العلمية في العصر السلجوقي، لكنها استردت مكانتها العلمية مرة أخرى في العصر الصفوي في القرن السادس عشر الميلادي، حيث عمل الصفويون على نشر التشيع في كافة أنحاء إيران. واهتموا كثيراً بمدينة قم وبما فيها من مزارات ومراقد.

في الربع الأول من القرن العشرين، تم تأسيس حوزة قم العلمية على يد الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي. سافر الشيخ لقم زائراً سنة 1923، مع مجموعة من طلبة العلم. استقر الزائرون في المدينة وأحيوا مكانتها العلمية القديمة بعدما شرعوا في تدريس العلوم الدينية والشرعية.

لم تقتصر أنشطة الحوزة على الناحية العلمية فحسب، إذ شارك علماء قم بشكل مؤثر في الأحداث الاجتماعية والسياسية التي شهدتها إيران. على سبيل المثال، اندلعت الشرارة الأولى للمظاهرات المعترضة على حكم الشاه في إيران من المدرسة الفيضية في حوزة قم فيما عُرف بعد ذلك باسم مظاهرات "15 خرداد" في الخامس من يونيو عام 1963، بعد أن ألقى روح الله الخميني، في الثالث من يونيو،  من تلك المدرسة خطاباً معترضاً على الممارسات التحديثية التي قام بها الشاه، محمد رضا بهلوي.

وندد الخميني بمظاهر "التحديث والتغريب"، وعقد في خطابه مقارنة بين الخليفة الأموي، يزيد بن معاوية، والشاه. بعد يومين، قامت قوات الأمن باعتقال الخميني لتندلع المظاهرات في عموم المدن الإيرانية.

حالياً، يتلقى عشرات الآلاف من الطلاب الشيعة تعليمهم الديني في حوزة قم العلمية. يتوزع هؤلاء على ما يقرب من 200 مؤسسة ومدرسة. من أهمها كل من جامعة الزهراء، وجامعة الصدوق، وجامعة المفيد، وجامعة المصطفى العالمية.

أيضاً، تُعدّ قم مركزاً للعديد من المرجعيات الدينية الشيعية المهمة داخل إيران، من أهم هؤلاء المراجع كل من ناصر مكارم الشيرازي، وحسين وحيد الخراساني، وصادق الحسيني الشيرازي، وجعفر السبحاني، وصادق الحسيني الروحاني.

التنافس بين حوزة النجف وحوزة قم

تنافست حوزتا النجف وقم مع بعضهما البعض منذ فترة طويلة. حاولت كل حوزة أن تثبت ريادتها وأهميتها في العالم الشيعي. وتبادل الطرفان التفوق تبعاً للظروف السياسية التي مر بها العراق وإيران.

في فترة حكم الشاه لإيران، تم التضييق على علماء قم. وسافر الكثير منهم إلى النجف واستقر فيها. في سنة 1965، سافر الخميني نفسه إلى النجف الأشرف بعد نفيه من إيران، ودرَّس في حوزتها العلمية. وتسبب ذلك في ازدياد شعبية الحوزة النجفية في تلك الفترة. 

تبدل الوضع فيما بعد، إذ لعبت الظروف العصيبة التي مر بها شيعة العراق خلال فترة حكم الرئيس العراقي الأسبق، صدام حسين، دوراً مؤثراً في تراجع مكانة النجف وفي ازدياد أهمية حوزة قم بالتبعية.

في تلك الفترة، تعرض الشيعة العراقيون لحملات ممنهجة من التضييق والاضطهاد. على سبيل المثال أُعدم المرجع محمد باقر الصدر سنة 1980، كما تم التخلص من محمد صادق الصدر في حادث غامض في سنة 1999. تسببت تلك الحملات في نزوح العديد من الأساتذة والطلبة إلى حوزة قم.

تذكر بعض التقارير أن عدد منتسبي حوزة النجف بلغ 16 ألف طالب وأستاذ في سنة 1967 ، وأنه انخفض إلى 500 فقط في عام 1991، بما يعني أنّ نظام البعث قضى على أكثر من 90 في المئة من وجود الحوزة النجفية خلال 24 سنة فحسب. 

بدأت حوزة النجف في استرداد قوتها ونفوذها بعد سقوط النظام البعثي في سنة 2003. يتضح ذلك من خلال الأرقام التي أوردتها التقارير السابقة، والتي ذكرت أن عدد منتسبي الحوزة العلمية في النجف في عام 2020 بلغ حوالي 15 ألفا.

لا يقتصر التنافس بين الحوزتين على الناحية العلمية فحسب، بل توجد بعض المسائل التي تشهد خلافاً واضحاً بين النجف وقم.

تُعدّ مسألة ولاية الفقيه أهم تلك المسائل على الإطلاق. إذ يذهب العديد من مراجع قم المعتبرين إلى القول بولاية الفقيه المطلقة. كان الخميني أول فقهاء الشيعة الذين أحيوا هذا الرأي في العصر الحديث، ووضعه موضع تطبيق بعد انتصار ثورته في إيران سنة 1979.

وعقب وفاة الخميني في 1989، تولى علي خامنئي منصب الولي الفقيه، وتم الترويج له على كونه ولي الأمر الشرعي لكافة الشيعة الموجودين في شتى أنحاء العالم.

يعترض علماء الحوزة النجفية على نظرية ولاية الفقيه المطلقة، وأعلنوا مراراً عن رفضها. على سبيل المثال رفض المرجع الشيعي النجفي الأسبق، أبو القاسم الخوئي، الإقرار بولاية الفقيه المطلقة في كتابه "التنقيح في شرح العروة الوثقى".

فرّق الخوئي بين الولاية الممنوحة للنبي والأئمة من جهة، وولاية الفقهاء في زمن الغيبة. ونقل عنه "ارفع صوتك" قوله: "إن الولاية لم تثبت للفقيه في عصر الغيبة بدليل وإنما هي مختصة بالنبي والأئمة، بل الثابت حسبما يستفاد من الروايات أمران: نفوذ قضائه وحجية فتواه، وليس له التصرف في مال القصّر أو غيره مما هو من شؤون الولاية إلاّ في الأمر الحِسبي...".

المعنى ذاته، ذهب إليه علي السيستاني، المرجع الشيعي الأكبر في النجف حاليا، عندما حصر ولاية الفقيه في بعض الأمور دون بعض، وربط الولاية المطلقة بـ "قبول المؤمنين".

يقول السيستاني: "الولاية فيما يعبّر عنها في كلمات الفقهاء بالأمور الحسبية تثبت لكل فقيه جامع لشروط التقليد. وأما الولاية فيما هو أوسع منها من الأمور العامة التي يتوقّف عليها نظام المجتمع الإسلامي، فلمن تثبت له من الفقهاء ولظروف إعمالها شروط إضافية ومنها أن يكون للفقيه مقبولية عامة لدى المؤمنين".

ترويج مرجعيات حوزة قم لنظرية ولاية الفقيه المطلقة، استلزم بالتبعية وقوع التداخل بين السياسي والديني، وفقا لموقع "ارفع صوتك"، الذي ذكر أن المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية، علي خامنئي، صار لاعبا أساسيا في الساحة السياسية بالعراق. واعتبره بعض العراقيين ولي الأمر الشرعي الذي يجب عليهم الإنصات لكلمته في الأمور السياسية والحياتية.

لهذا السبب، يعتقد العديد من المراقبين أن ثمة "صراعا خفيا" يدور بين خامنئي والسيستاني، وأن هذا الصراع يعكس التنافس الشرس بين حوزتي قم والنجف، وفقا تعبير "ارفع صوتك".

وتوقعت بعض التقارير أن التنافس بين الحوزتين سيتزايد بعد وفاة أي من المرجعين "فإذا ما توفي خامنئي أو السيستاني، سيبرز فراغ في السلطة، مما سيسمح للطرف الآخر بتوسيع دائرة نفوذه. فعلى مر التاريخ، خلال السنوات الخمس إلى العشر التي تلي وفاة مرجع كبير، يتنافس المرشحون فيما بينهم على تأسيس قاعدة شعبية داعمة لهم، وفقا للموقع. 

وأورد "ارفع صوتك" أمثلة سابقة على ذلك، منها وفاة عبد الكريم الحائري اليزدي وحسين البروجردي ومحسن الحكيم وأبي القاسم الخوئي، وأشار إلى أنه "إذا توفي السيستاني أولاً، سيطالب العراقيون على الأرجح بزعيم جديد بارز في النجف؛ لتقديم المشورة الدينية، والاضطلاع بدور في السياسات والحوكمة المحلية. وسيسعى خامنئي بلا شك إلى توسيع دائرة نفوذه في النجف أيضاً".

حازم صاغية

تسلّل العراق إلى الكاتب والمثقف اللبناني حازم صاغية في طفولته من باب "العروبة ووحدة العرب" وبسبب علاقة البيت الذي تربّى فيه بحزب البعث.

صاغية المولود عام 1951 في لبنان، حمل العراق في انشغالاته الثقافية والسياسية ما يقارب السبعين عاماً، وأسَالَ في الكتابة عن العراق وأحواله حبراً كثيراً، ترجمه في مقالات وتحليلات نقدية وكتب خصصها للعراق وتاريخه ومآلات مستقبله.

في  2003 بعد سقوط نظام صدّام حسين، أصدر صاغية كتابه "بعث العراق: سلطة صدّام قياماً وحطاماً"، الذي عرض حكاية حزب البعث في العراق منذ بداياته الأولى عام 1949 حتى سقوط النظام.

وعرض أيضا تحليلاً لسياسات البعث ودوره في إحكام قبضته على الحكم في العراق وتأثيره "الكارثي" بحسب وصف صاغية، على حياة ملايين العراقيين.

"العراق أبعد من العراق في أسئلته وتحدياته، كما انطوت عليها قصة البعث- قصتنا جميعاً بمعنى من المعاني"، يكتب صاغية في مقدمة كتابه. حول هذا العراق، الأبعد من نفسه، حلّ صاغية ضيفاً على منصة "ارفع صوتك" التابعة لـ"الحرة" في يوليو الماضي، في حوار موسّع، يتخلله قراءة نقدية لماضي العراق وحاضره، ومحاولة استشراف للتحديات المستقبلية التي تنتظره.

من أين حضر "الهمّ العراقي" إلى حازم صاغية، ولماذا يشغل حيزاً ليس بقليل من كتاباته؟

جاءني العراق من أمكنة كثيرة. أمّا المكان الأوّل فتلك القصص التي كانت تُروى في بيتنا عن قريب لنا، هو الكاتب الناصريّ اللاحق والراحل نديم البيطار. فهو سافر إلى العراق، ولم أكن قد وُلدت، طلباً للدراسة والعيش في ظلال الملك غازي بن فيصل الأوّل الذي شبّهتْه الخفّة والحماسة العربيّتان بغاريبالدي، وقيل إنّه سيوحّد "أمّتنا" على النحو الذي وُحّدت فيه إيطاليا.

فإبّان عهد غازي القصير وُصف العراق بأنّه "بيادمونت العرب"، من قبيل القياس على تلك الإمارة الشماليّة التي حكمها "بيت سافوي"، ومنها انطلقت حركة التحرير من النمسويّين تمهيداً للوحدة القوميّة الإيطاليّة. ويبدو أنّ نديم، الشابّ والقوميّ العربيّ المتحمّس، أصرّ بعد عودته على اعتمار "الفيصليّة" التي درج على لبسها حينذاك شبّان قوميّون عرب، وذلك وسط اندهاش أهل القرية ممّن لم يكونوا قد سمعوا بفيصل وغازي ولا لبسوا قبّعات من أيّ نوع.

كان لتلك المرويّات عن نديم ورحلته ممّا تداوله كثيراً أهل بيتنا، أن وسّعت مخيّلتي لبلد اسمه العراق يضجّ بصُورٍ ومعانٍ غائمة الدلالة إلاّ أنّها واضحة الوجهة، وما الوجهةُ تلك إلاّ العروبة ووحدة العرب التي يُحجّ إليهما هناك.

وبسبب علاقة بيتنا بالبعث، باتت أسماء نوري السعيد وعبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف أسماء بيتيّة: الأوّل شتمناه، والثاني والثالث أحببناهما قبل أن نكرههما. والمشاعر حيال العراقيّين مشاعر عراقيّةٌ، بمعنى أنّها قويّة وحادّة ومتقلّبة، تماماً كما المشاعر الرومنطيقيّة.

وبشيء من التعميم أسمح لنفسي بالقول إنّ العراقيّ أشدّ العرب رومنطيقيّةً، وهو ما نلمسه في قسوته ورقّته، وفي أغانيه وأشعاره، وفي تديّنه إذا تديّن وإلحاده متى ألحد. وهكذا، حين حصل انقلاب 14 تمّوز الجمهوريّ في 1958، شعرت بفرح في بيتنا مردّه إلى أنّ أصدقاء جمال عبد الناصر أطاحوا نوري السعيد، صديق كميل شمعون. وحين حصل انقلاب 14 رمضان 1963، وكان لي من العمر ما يتيح لفرحي أن يستقلّ عن فرح أهلي، أحسست أنّ العراق مصدرُ ثأرنا من الانفصال السوريّ وممّا اعتبرناه خيانة الشيوعيّين وقاسم للقوميّة والوحدة العربيّتين.

وجاء اهتمامي بالعراق من تعرّفي إلى عراقيّين كثيرين في بريطانيا، كان أوّلهم الصديق الراحل فالح عبدالجبار، ولم يكن آخرهم الصديق كنعان مكيّة. ومن خلالهم  تحوّلت المعرفة بالعراق إلى أشباح وكوابيس تُروى عن حكم البعث وعن أفعال صدّام حسين – "السيّد النائب" ثمّ "السيّد الرئيس" ثمّ "السيّد الله".

ومن خلال تجارب سياسيّين وحزبيّين أتيح لي أن أعرفهم عن كثب، كالصديقين الراحلين هاني الفكيكي، وهو بعثيّ سابق، وعامر عبد الله، وهو شيوعيّ سابق، بتُّ أملك ما يشبه توثيق الفظاعات التي يرويها عراقيّون آخرون أقلّ ضلوعاً منهما في السياسة. فهنا يعثر السامع والناظر على تجارب شاملة تتعدّى السياسة والعقائد إلى آلام البشر الشخصيّة ومآسيهم.

والشمول المذكور مرآةٌ تعكس حقيقة نظام صدّام بوصفه أقرب نماذجنا العربيّة إلى التوتاليتاريّة. ففي ذاك اللامعقول بدا مشروعاً أن يسأل المرء نفسه "هل يوجد فعلاً هذا الكائن المدعو صدّام حسين أم أنّ الإرث الميثولوجيّ لما بين النهرين هو ما يحضّ العراقيّين على اختراعه كيما يؤسطروا حياتهم؟".

وجاءني العراق أيضاً من شعر كثير، تقاسمَ أبياته شعراء انجذبت إلى قصائدهم في هذه المرحلة من حياتي أو تلك، لكنّ المؤكّد أنّ أشدّهم أثراً كان بدر شاكر السيّاب الذي لا يزال الحبّ لعراقه ولجيكوره يلازمني حتّى اللحظة.

"بعث العراق" ربما يكون الكتاب الأكثر تخصصاً في تأريخ ظاهرة البعث العراقي، وقد خصصت كتاباً آخر للبعث السوري. ما الذي يمكن أن يتعلمه قارئ من جيل الألفية الجديدة حول هذا التاريخ؟

 ما يمكنني التحدّث عنه هو ما تعلّمته أنا، وهو أنّ البعث كان أقوى جسورنا في المشرق العربيّ الآسيويّ إلى الكارثة التي لا نزال نرزح تحتها، كما كان، عربيّاً، ثاني أقوى جسورنا إليها بعد الناصريّة.

لقد جمع البعث بين حداثة الحزب والعقيدة وقدامة القبيلة والخرافة، ما جعله يُطبق علينا من جهات كثيرة. لكن ما يرعبني أنّ الدور الفظيع للبعث، بوصفه الطرف الذي صادر تاريخ العراق وسوريا، وأفسد البلدين وألغى احتمالاتهما، لا يستوقف الكثيرين بوصفه هذا، بل في أحيان كثيرة لا يستوقف بعض معارضي البعث وضحاياه ممّن لا زالوا يرونه حركة تحرّر أخطأت الوسيلة لكنّها لم تخطىء الهدف، أو يرونه قاطرة لهيمنة طائفيّة يُردّ عليها بهيمنة طائفيّة معاكسة.

هل خرج العراق من تداعيات حزب البعث، أم لا يزال يعاني؟

هذه أنظمة تدمّر الماضي والحاضر والمستقبل بيد واحدة: الماضي بكتابتها للتاريخ، والحاضر بقمعها وقهرها السكّان المواطنين، والمستقبل بتفتيتها المجتمع وسدّها باب الاحتمالات.

بهذا المعنى، لا أظنّ أنّ العراق يخرج "من تداعيات البعث" إلاّ بمباشرة واحدٍ من اثنين: إمّا مراجعة وطنيّة راديكاليّة صارمة تطال القواسم المشتركة بين البعث وخصومه، لا سيّما الأطراف الراديكاليّة الشيعيّة الموالية لإيران، أو تطوير الفيدراليّة العراقيّة وإكسابها مزيداً من الصدقيّة والجديّة، بحيث تبدأ كلّ واحدة من الجماعات حياتها السياسيّة في مواجهة أبناء جلدتها من قامعيها ومُضطهِديها بعيداً من التذرّع بالآخر الطائفيّ والإثنيّ. والخياران، للأسف، ضعيفان جدّاً.

هل كان يمكن لنظام البعث أن يسقط من دون غزو عسكري أميركي؟ هل كانت هناك طرق أخرى لإسقاطه؟

لا أظنّ ذلك، بدليل أنّ ذاك النظام عاش ما بين 1968 و2003، وخاض خلال تلك المرحلة عديد الحروب ولم يسقط. لكنّ هذا الواقع، على ما فيه من مأسويّة، لا يكفي لتبرير مبدأ التدخّل لإسقاط النظام، ولا يكفي خصوصاً لتبرير الأخطاء والحماقات الهائلة التي رافقت ذاك التدخّل.

 هل كان خاطئاً قرار "اجتثاث حزب البعث" الذي أصدره الحاكم الأميركي بول بريمر بعد سقوط النظام؟ وكيف يجب على العراقيين التعامل مع التركة الثقيلة للحزب؟

يصعب على من يسمّي نفسه ديمقراطيّاً أن يوافق على سلوكٍ أو إجراء اسمه "اجتثاث"، وبالنظر إلى تاريخ الأحقاد الطائفيّة التي رسّخها نظام صدّام، لم يكن من الصعب توقّع انقلاب ذاك الاجتثاث اجتثاثاً للسنّيّة السياسيّة في العراق.

فليكن بعثيّاً من يؤمن بـ"الوحدة والحريّة والاشتراكيّة"، ولا تكون يداه ملوّثتين بالدم والفساد. أمّا الحياة السياسيّة نفسها فتستطيع أن تتولّى تنظيف نفسها بنفسها. غير أنّ مبدأ كهذا يبدو اليوم بعيداً جداً بسبب التعفّن الذي يضرب الحياة السياسيّة والوطنيّة والإدارة الإيرانيّة النشطة لهذا التعفّن.

 بعد أكثر من عشرين عاماً على سقوط البعث العراقي، لا يزال حضوره في الشارع العربي لافتاً، خصوصاً في الأردن ولبنان، حيث يمكن رؤية صور صدام حسين في كثير من الأماكن، كما أن "الترحم" على زمن صدام شائع على مواقع التواصل الاجتماعي. ما تفسيرك لهذه الظاهرة؟

لا أظنّ أنّ حضور البعث، كحزب وكأيديولوجيا هو الظاهرة اللافتة. اللافت أمران كثيراً ما يتقاطعان، أوّلهما شعور بالمظلوميّة السنيّة المحتقنة، وهو ما تتقاسمه الصداميّة مع الحركات الأصوليّة والراديكاليّة السنيّة على أنواعها. ومن هذه المظلوميّة تأتي فكرة التحدي ورد التحدي بوصفها "ديانة" أنتجها موت صدام وظروف إعدامه. وتزدهر نظرة كهذه على ضوء قراءة البعض مآسي سوريا ومآسي غزة بوصفها مآسي سنية لا يوجد طرف سني قويّ يرفعها عن كاهل السنّة.

أمّا الأمر الثاني فتلخّصه النتائج البائسة لتجربة العراق بعد تحريره من صدّام وحكمه، ما يرى البعض فيه سبباً وجيهاً للترحّم عليهما، إذ هل يُعقل احتمال كلّ تلك المآسي وبذل كلّ تلك الأكلاف للوصول إلى بلد على هذا النحو؟

يُعتبر العراق اليوم في أكثر فتراته السياسية ما بعد ٢٠٠٣ "استقراراً"، بعد سنوات من العنف والفوضى. ما التوازنات التي أرست هذا "الاستقرار" النسبي برأيك، وهل يمكن البناء عليه؟

لا أظنّ ذلك لأنّ هذا "الاستقرار" تعبير عن تجميد للحياة السياسيّة، وهو مقرون بجعل طهران مصدر التحكيم الأخير في الشأن الشيعيّ. أمّا عنصر الإزعاج الذي مثّلته انتفاضة أواخر 2019 فعُطّل بالقوّة، فيما المكوّنان الآخران، الكرديّ والعربيّ السنّي، يلزمان الحدود التي أملاها تقسيم العمل القائم.

تحضر في العراق أزمة إنتاج النخب السياسية السنية، في وقت يبدو أن التطرف والإرهاب يملآن، في أحيان كثيرة، الفراغ الذي يتركه غياب هذه النخب. ما سبب عدم قدرة العراق على إنتاج زعامة سنية منذ سقوط صدام، وهل الخيارات محدودة إلى هذه الدرجة؟

يشبه وضع السنية السياسيّة العراقيّة وضع المسيحية السياسية اللبنانية قبل خروج الأمن والجيش السوريين من لبنان سنة 2005، أي التهميش الذي يبتر العلاقة بالسياسة كما يبتر الحراك السياسيّ في داخل الجماعة المهمّشة.

وأظنّ، مع توسّع حالة المَيْلَشَة في العراق كما في عموم المشرق العربي، أن السياسة تغدو أقرب إلى الاستحالة، ولا يتسع المجال، إذا اتسع، إلاّ للمداخلات المتطرفة الإرهابية وشبه الإرهابية.

 تحل في العراق هذه الأيام الذكرى العاشرة على اجتياح داعش، والذكرى السابعة على تحرير مدينة الموصل (وقت إجراء الحوار). هنا تحضر إشكالية الأقليات ومصائرها، هل يمكن للعراق أن يتعافى ويستعيد تنوعه الإثني والطائفي. أم أن المسألة أبعد من داعش؟

كانت "داعش" تعبيراً مكثفاً وحاداً وشديد البدائية عن انسداد أبواب السياسة، وعن اتخاذ المنازعات شكلاً يجمع بين العنفية وتعدي الإطار الوطني. وواقع كهذا يُستأنف بأشكال ألطف، والجميع يدفعون أكلاف ذلك، لا سيما الأقليات الأضعف والأصغر، خصوصاً في ظل تماسك جماعة الأكثرية (الشيعيّة) وتسلحها وتواصلها المباشر مع إيران، فضلاً عن الوعي الطائفي النضالي لفصائلها.

في المسألة الكردية، كيف تقيم تجربة الحكم الذاتي وعلاقة أربيل بالحكومة الاتحادية في بغداد. وهل يشكل العنصر الاقتصادي مأزقاً لفكرة الاستقلال الكردي؟

هناك سياسة من التحايُل على الحقوق الفيدراليّة للكرد، والمالُ بعض أشكال هذا التحايُل الذي يستكمله الابتزاز الآيل إلى استضعاف الكرد عبر تعييرهم بعلاقاتهم مع الولايات المتّحدة واتّهامهم الذي لا يكلّ بعلاقات مع إسرائيل.

في الوقت ذاته، وهو مصدر لارتفاع أسهم التشاؤم، لم ينجح الكرد في بناء تجربة أرقى من تجارب العرب، تجربة تكون أقلّ قرابية واعتماداً على الرابط الدموي مع ما يتأدى عن ذلك من إضعاف للشفافيّة، أو أقدر على توحيدهم من السليمانيّة إلى أربيل في نموذج بديل واعد.

هذه حال مدعاة للأسى، لكن ليس لليأس، لظنّي أنها قابلة للإصلاح والاستدراك في زمن لا يطول كثيراً، أو أن هذا ما آمله وأرجوه.

كيف تقرأ الدور الإيراني في العراق؟ وهل ترى أن العراق يشكل جبهة جدية من جبهات محور الممانعة؟

لا نبالغ إذا قلنا إنّ الدور الإيرانيّ في العراق يعادل منع العراق من التشكّل. أما جرّه لأن يصير جبهة من جبهات الممانعة فجديته الأكبر تكمن في هذا الهدف بالضبط، أي في إبقائه بلداً متعثّراً ومتنازعاً داخلياً ومرتَهَناً لطهران، أمّا إذا كان المقصود بالجدية فعاليته العسكرية كجبهة ممانعة فهذا ما تحيط به شكوك كثيرة.

وفي هذا لا تُلام إيران بل يُلام العراقيّون الذين تسلّموا في 2003 بلداً كبيراً يملك شروط القوّة والغنى، فأهدوه إلى جيرانهم. وهي واقعة تنبّه مرة أخرى إلى مدى تغلّب الرابط المذهبيّ العابر للحدود في منطقة المشرق على الرابط الوطنيّ.

هل من دور تلعبه دول الخليج العربي في العراق لموازنة الحضور الإيراني؟

لا أعرف. أظن أنها، من خلال متابعة إعلامها وفي حدود ما هو متاح لها دبلوماسياً، تحاول ذلك.

بعد هجوم السابع من أكتوبر في إسرائيل، عاد إلى الواجهة الحديث عن الإخوان المسلمين في العراق، واتصالهم بالقضية الفلسطينية. هنا يحضرني سؤالان: الأول عن علاقة العراق بالقضية الفلسطينية وهل هي في صلب اهتمامات الشارع العراقي أم أنها مادة للاسثمار السياسي؟ والسؤال الثاني: هل ترى أن تجربة "الإخوان" ممكنة في عراق اليوم؟

بطبيعة الحال يتفاعل العراقيّون بقوّة، شأنهم شأن باقي المشارقة، مع القضية الفلسطينية. لكنني أظن، وفي البال تاريخ الحقبة الصدامية وما تلاها من أعمال ثأرية وعنصرية نزلت بفلسطينيي العراق، أنّ المسألة الطائفية هي التي تقرر اليوم هذا التفاعل، وهي التي توظفه بما يلائمها.

أليس من المريب أن البيئة التي هاجمت الفلسطينيّين في 2003 و2004 واتهمتهم بالصدامية كما أخذت على صدام إهداره أموال العراقيين على فلسطين والفلسطينيّين، هي التي تخوض اليوم معركة غزّة!؟ أمّا الإخوان المسلمون العراقيون فلا أملك اليوم ما يكفي من معلومات عن أحوالهم بما يتيح لي الرد على السؤال، لكنّني أظن أن فرصة لعب الإخوان دوراً أكبر متاحة وممكنة مبدئياً في ظل غياب قوى سياسية سنية منظمة وفي المناخات التي تطلقها حرب غزة ودور حركة حماس ذات الأصل الإخواني فيها.

إذا أجريتَ مراجعة نقدية لرؤيتك السياسية حول العراق، هل ترى أنك اخطأت في مكان ما؟ أين؟

بطبيعة الحال أخطأت كثيراً. فإذا كان المقصود أطوار الماضي، حين كنت متعاطفاً مع الناصرية والبعث ثم إبان ماركسيتي، فكلّ ما فعلته وقلته كان خطأ. وأمّا إذا كان القياس على وعيي الراهن، أي ما يعود إلى قرابة 45 عاماً إلى الوراء، فأظن أن الأخطاء لم تكن من نوع "إستراتيجيّ" إذا صحّ التعبير، بل طالت درجات الحماسة والاندفاع وسوء التقدير في بعض الأحيان.

برأيك هل يمكن للعراق أن يستقر ويأخذ سيادته الكاملة في ظل تجربة ديمقراطية رائدة، أم أن الأوان قد فات على ذلك؟

ليس هناك ما "يفوت" في ما أظن، لكن الحديث في المستقبل هو ما تعلمنا التجارب أن نتروى ونتردد كثيراً فيه. ما يمكن قوله إن تجارب كبرى فاتت وتعويضها يستلزم جهوداً جبارة لا يبدو لي أن ثمة ما يشير إليها أو يوحي بها راهناً.