قبل 13 عاما وضع العراق حجر الأساس لمشروع ميناء الفاو الكبير في مدينة البصرة جنوبي العراق، ووُصف وقتها بأنه "أبرز علامات المرحلة الجديدة في العراق،" وفقا لرئيس الوزراء آنذاك، نوري المالكي.
يقول المحلل الاقتصادي وخبير النقل، سالم زيدون، إن الميناء "كان فعلا علامة، لكن على التلكؤ وتضييع الفرص،" وهي "سمة ميزت المرحلة الجديدة في البلاد".
والأحد أعلن رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، أن إنجاز المشروع ضمن أولويات حكومته، وقال أثناء زيارة للبصرة "لا خيار سوى تنفيذ ميناء الفاو".
رئيس مجلس الوزراء @mohamedshia: كل العراقيين يتابعون مشروع الفاو، ويراقبون مصداقية الحكومة، ونحن دائماً سنكون صادقين مع شعبنا، وستكون هناك زيارات أخرى، ولا خيار سوى تنفيذ ميناء الفاو. pic.twitter.com/CHsBKbamhh
— المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء 🇮🇶 (@IraqiPMO) March 12, 2023
ميناء الفاو
في مراحل التخطيط لمشروع ميناء الفاو، روج العراق لفكرة إنه سيكون من أكبر الموانئ في المنطقة، إن لم يكن أكبرها على الإطلاق. وفي عام 2020 فازت شركة دايو للهندسة والبناء بعقد لتنفيد المشروع بقيمة 2.7 مليار دولار.
وبالإضافة إلى محطة الحاويات وأعمال الميناء، سيشمل المشروع بناء واحد من أكبر الأنفاق تحت سطح البحر في العالم، يؤدي إلى ميناء أم قصر الضحل، فضلا عن طرق جديدة لتحسين الاتصالات مع البصرة، وفقا لموقع Global Construction المتخصص بأعمال الإنشاء حول العالم.
وفي عام 2021، نقل الموقع عن أنمار الصافي، المسؤول في الشركة العامة للموانئ المملوكة للدولة، إن الشركة الكورية أكملت الأرصفة الرئيسية، للميناء، وقال إن العمل جار الآن لبناء النفق الذي سيكتمل في غضون أربع سنوات.
وأضاف أن "المرحلة الأخيرة من المشروع تشمل بناء ما يقرب من 100 مرسى ستخدم الميناء".
لكن لجنة النقل البرلمانية لا تبدو واثقة بهذه الأرقام.
وتقول النائبة زهرة البجاري، رئيسة اللجنة، إن "عدم منح الميناء لمستثمر جعل العمل يتأخر به إلى هذه الدرجة، وقد يتأخر لعقود قادمة".
بدأت فكرة الميناء في البداية عام 2007 "حينما جاء مستثمر عراقي حاملا فكرة إنشاء ميناء في هذا المكان،" كما تقول النائبة البجاري لموقع "الحرة".
بعدها بثلاثة أعوام، كانت الحكومة العراقية تفكر في تمويل المشروع بنفسها، من أجل الحصول على الأرباح واستقلالية الإدارة في مشروع ستراتيجي بهذا الحجم، بحسب قول المحلل سالم زيدون، لموقع "الحرة".
لكن التمويل الحكومي يحمل مشاكل، حيث إنه مرتبط بتخصيص أموال في الموازنات، وفي حالة العراق، لا تكون الموازنات دائما مستقرة أو يمكن الاعتماد عليها حيث "كانت هناك أعوام لم تخصص فيها أموال للمشروع في الموازنة، وأعوام أخرى لم تقر فيها موازنات أصلا في البلاد"، كما تقول النائبة البجاري.
وتضيف البجاري لموقع "الحرة" إن نقص الموازنات والتمويل يؤخر الميناء بشكل كبير، حيث إن الخطة هي تخصيص أموال لبناء 5 مراسي كل أربع سنوات، وبما أن الخطة تشمل 95 مرسى، فإن هذا قد يستغرق عشرات السنين".
وبحسبة بسيطة، فإن الميناء يحتاج لأكثر من 70 عاما لإكمال البناء وفق الوتيرة التي تحدثت عنها النائبة.
ولكي يكون الميناء فعالا بشكل حقيقي، يحتاج إلى إنشاء ما يعرف في العراق بـ"القناة الجافة" وهي طريق بري يربط الميناء بطرق التصدير في شرق البلاد وغربها وشمالها، وهو ما لم يتم البدء به بعد، بالإضافة إلى منشآت التفريغ والخزن والبنى التحتية الأخرى، وكل هذا متأخر بسبب التمويل الحكومي، وفقا للنائبة.
وعانى المشروع من عراقيل كثيرة، كان أغلبها مرتبطا بالتخصيصات المالية والبيروقراطية، وأخرى فرضتها الظروف المرتبطة بفيروس كورونا، وأيضا مخاوف أمنية.
وفي عام 2020، أعلنت شركة دايو الكورية الجنوبية تعليق عملها في الميناء بعد مقتل مدير المشروع "شنقا"، وقالت بغداد إن الحادث كان "انتحارا".
لكن في فبراير الماضي، أعلن جهاز الأمن الوطني العراقي اعتقال "أحمد شايع" صاحب شركة الدويب، وهي أحدى شركات المقاولات المحلية المتعاقدة على تنفيذ مشاريع في الميناء، بتهمة قتل مدير المشروع الكوري.
ويقول الخبير الأمني علي البدران لموقع "الحرة" إن مشاريع المقاولات عادة ما تشهد تنافسا كبيرا بين الأحزاب السياسية المدعومة من أجنحة مسلحة، وخاصة في مدينة مثل البصرة.
وتنقل صحيفة The National News عن دين ميكلسن هو محلل بحري ولوجستي عمل مع شركات نفط في العراق، قوله إن إنشاء مرافق الميناء، مثل السكة الحديدية العملاقة "يفتح الباب أمام رشى ضخمة لشراء أراض، معظمها مملوك للقبائل، بأموال لا تملكها الحكومة".
ووفقا لتقديرات الحكومة العراقية، فإن إنشاء خط السكك الحديدية ثنائي المسار من البصرة إلى الحدود التركية قد يكلف 13 مليار دولار.
فرص ضائعة
في عام 2007، كان يفترض أن يكتمل إنشاء الميناء بالكامل، بالأرصفة المئة والقناة الجافة وكاسر الأمواج الأكبر في العالم بحلول عام 2017.
أهمية الميناء
يقول المؤيدون إن مشروع الميناء الذي تبلغ تكلفته 7 مليارات دولار في الفاو بالقرب من البصرة، والذي سيتم ربطه بطريق بري إلى تركيا عن طريق السكك الحديدية، سيجعل المدينة الساحلية بوابة إلى أوروبا. لكن النقاد يقولون إن الخطة طموحة للغاية، وفقا لصحيفة. The National News.
وتقول الصحيفة إنه إذا "سارت الأمور وفقا للخطة، فسوف تنقل البضائع إلى أوروبا برا في وقت أقل مما يستغرقه شحنها عبر قناة السويس، ولكن إذا تعثر مشروع السكك الحديدية فإن المغزى من الميناء ككل سيكون مشكوكا فيه".
ونقلت عن دراسة أجريت بتكليف من حكومة المملكة المتحدة في عام 2005 إن حجم البضائع المتوقع للميناء قد يرتفع من "120،000 حاوية مكافئة [حاويات شحن قياسية] في عام 2005 إلى 6.4 مليون حاوية مكافئة في عام 2055، أي أقل بقليل من كل ما يرسو في المملكة المتحدة في الوقت الحالي".
لكن "سيتعين على النمو الاقتصادي في العراق أن يلحق بالنمو الاقتصادي البريطاني في نفس الفترة، وهو احتمال غير مرجح، لأن كل دخل البلاد تقريبا مستمد من صادرات النفط"، وفقا لمحللين تحدثوا للصحيفة.
وتنقل عن مشككين قولهم إن إنشاء الميناء غير ضروري حيث "يقع ميناء أم قصر، على بعد 60 كم فقط من الفاو، ولديه سعة إضافية كبيرة ومساحة كبيرة لمزيد من الأرصفة والساحات التي يتم بناؤها (ويمكن ترقيتها للتعامل مع أكبر السفن في العالم عن طريق تجريف قناتها مقابل جزء بسيط من تكلفة تجريف الفاو)".
وتقول الصحيفة إن "هذا يثير التساؤل عن سبب التزام العراق بتوجيه الأموال إلى الميناء الجديد"، مضيفة أن "المشاريع الكبيرة في البلاد توفر فرصة كبيرة للأحزاب السياسية وقوات الأمن المرتبطة بها لكسب المال".
