الصدر يحظى بقاعدة شعبية واسعة في العراق
الصدر يحظى بقاعدة شعبية واسعة في العراق

في خطوة فاجأت الكثيرين، أعلن زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر تجميد غالبية نشاطات تياره لعام على الأقل، بسبب وجود من وصفهم بـ"أهل القضية" والفاسدين و"بعض الموبقات" داخل التيار الصدري، الذي يعد أحد أبرز التيارات السياسية في العراق.

جاءت خطوة الصدر، بعد تداول منصات إعلامية على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو منسوبا لأحد مؤيدي جماعة غامضة تطلق على نفسها "أصحاب القضية" أو "أهل القضية".

دعا الرجل، الذي لم يعرف عن نفسه، خلال المقطع إلى "حملة إعلان البيعة للإمام الموعود المنتظر السيد مقتدى الصدر"، في إشارة إلى الأمام الغائب المهدي الذي يأمل الشيعة عودته وهو الإمام الثاني عشر لدى الشيعة الإمامية.

في تغريدة أدلى بها ي وقت مبكر من فجر الجمعة قال الصدر: "أن أكون مصلحا للعراق ولا أستطع أن أصلح (التيار الصدري) فهذه خطيئة. وأن أستمر في قيادة (التيار الصدري) وفيه (أهل القضية) وبعض الفاسدين وبعض الموبقات، فهذا أمر جلل". 

وأضاف أن "من المصلحة تجميد التيار أجمع ما عدا صلاة الجمعة وهيئة التراث و(براني السيد الشهيد)، لمدة لا تقل عن سنة".

وتمارس هيئة التراث نشاطات ثقافية دينية، ويطلق الشيعة تسمية "براني" على بهو واسع قرب مبنى مرقد أئمة ورجال الدين البارزين.

كذلك أعلن الصدر إغلاق مرقد والده محمد محمد صادق الصدر إلى ما بعد عيد الفطر"، الذي يبدأ بعد العشرين من الشهر الحالي ويستمر ثلاثة أيام. وكتب أيضا على تويتر أن "الحساب مغلق إلى إشعار آخر".

لم تقتصر خطوة إغلاق الحساب في تويتر على الصدر فقط، بل تبعتها خطوات مماثلة من قبل قادة بارزين في التيار الصدري، بينهم صالح محمد العراقي المعروف بأنه وزير الصدر.

وفي تحرك سريع من قبل السلطات العراقية، أعلنت محكمة تحقيق الكرخ ببغداد، "توقيف 65 متهما من أفراد عصابة ما يسمى (أصحاب القضية) التي تروج لأفكار تسبب إثارة الفتن والإخلال بالأمن المجتمعي"، حسبما نقل إعلام القضاء الأعلى على موقعه الرسمي.

واتخذت المحكمة قرارها بالتنسيق مع جهاز الأمن الوطني كونه الجهة المختصة بالتحقيق، وفقا للقضاء.

من هم "أهل القضية"؟

يؤكد الأكاديمي والمحلل السياسي غالب الدعمي أن هذه "الحركة بدأت منذ عام 2007 بعناوين متعددة"، مبينا أنه "في حينها أصدر الصدر قرارات حازمة ضدهم في محاولة لتحجميهم".

ويضيف الدعمي لموقع "الحرة" أن "هناك جهات من خارج التيار الصدري حاولت الترويج لهذه الحركة بشكل ملحوظ مؤخرا سعيا منها للإساءة للصدر وتياره".

ويشير الدعمي إلى أن "نية هذه المجموعة كانت تتمثل في التوجه لمسجد الكوفة في يوم الاعتكاف، الذي كان ينوي الصدر القيام به خلال الأيام الأخيرة من شهر رمضان، من أجل إعلان البيعة للمهدي المنتظر الذي يعتقدون أنه زعيم التيار الصدري".

"عندما وصلت هذه الأنباء لمسامع الصدر ألغى الاعتكاف وأصدر بيانا واضحا دعا خلاله السلطات الحكومية لردع الحركات المنحرفة والفاسدة كما أسماها"، وفقا للدعمي.

يقول الدعمي إن "أعداد أنصار هذه الحركة ليست كثيرة، لكنها أخذت بالتزايد مؤخرا بشكل ملحوظ"، لافتا إلى أن "خطوة الصدرة قطعت الطريق على من كانوا يعولون على تشويه سمعته واستغلال مثل هكذا حركات للإساءة له ولتياره".

ويختتم الدعمي بالقول إن "مثل هكذا حركات موجودة في التراث الإسلامي.. وهي كثيرة وتظهر بين فترة وأخرى".

يحظى الصدر بقاعدة شعبية واسعة بفضل تراث عائلته التي تنتمي إلى سلالة النبوة، ولديه مئات الآلاف من الأنصار الذين يطيعون أوامره، نصرة لوالده الذي اغتيل على يد نظام صدام حسين عام 1999 وما زالت ذكراه تحظى باحترام واسع من قبل غالبية الشيعة.

بدأت مسيرة الصدر بمعارك ضارية مع القوات الأميركية التي اجتاحت العراق في 2003، من خلال تشكيل ميليشيا "جيش المهدي" وصولا إلى نزاع حاد مع رئيس الوزراء الشيعي نوري المالكي الذي حكم البلاد بين العامين 2006 و2014. 

حل بعد ذلك "جيش المهدي" المؤلف من 60 ألف مقاتل، لكنه أعاد تفعيله بعد مقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني مطلع 2020 في ضربة عسكرية أميركية في بغداد. 

يصف الأكاديمي أحمد رسول مجموعة "أصحاب القضية" بأنها "حركة سياسية مهدوية متطرفة لا تؤمن بالوسائل السلمية لنشر دعوتها والتبشير بها، وأن لغة العنف عندهم هي الخيار الوحيد".

ويشير رسول في سلسلة تغريدات على تويتر إلى أن المجموعة "انشقت عن جيش المهدي في محافظة ميسان" قبل عدة سنوات.

يؤمن أفراد هذه الحركة، وفقا لرسول، بأن الصدر هو "الإمام المهدي، باعتبار أنه قد قتل في معركة النجف الثانية عام 2004 ضد القوات الأميركية وأن الشخص الموجود حاليا هو الإمام المهدي الذي حل في جثمان السيد مقتدى".

يؤكد رسول كذلك أنه "طالما وجدت توترات في العلاقة بين هذه الحركة وبين التيار الصدري" مبينا أن "بعض الاشتباكات الصغيرة حدثت فيما بينهم، ولكنها لم تتطور إلى مواجهات واسعة".

بدوره يقول الباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية زياد العرار إن "حركة أصحاب القضية امتداد لحركات سابقة تشبه المهدي المنتظر بالصدر".

ويضيف العرار لموقع "الحرة" أن "الصدر اتخذ الخطوة الحازمة تجاه هؤلاء لإنه لا يريد أن يتسبب بخلل في البنية الاجتماعية العراقية".

ويتابع العرار أن "موضوع الإمام المهدي حساس جدا، لأن الحديث أن الصدر هو المهدي المنتظر يؤثر على الوضع الاجتماعي ليس في العراق وحسب وإنما حتى خارجه.. في المجتمع الشيعي بشكل عام".

وعن تبعات خطوة الصدر بتجميد التيار الصدري يرجح العرار أن يكون للقرار "أثار واضحة على العملية السياسية، وقد يعني ذلك أنه لن يشارك في الانتخابات المحلية المقبلة".

ولم يرد العديد من قادة التيار الصدري أو مكتب الصدر الخاص على طلبات موقع "الحرة" للتعليق.

وكان الصدر أعلن في يونيو الماضي، خلال أزمة سياسية تتعلق بتسمية رئيس وزراء للبلاد، عن "انسحابه النهائي" من العمل السياسي، الأمر الذي أدى لوقوع اشتباكات مسلحة دامية في بغداد بين أنصاره من جهة وفصائل شيعية من جهة أخرى.

وسبق ذلك إعلان نواب التيار الصدري (73 نائبا) من البرلمان، بعد أن كانوا يمثلون أكبر كتلة سياسية في مجلس النواب.

عراقي رفع دعوى ضد شركة "بي بي" لاعتقاده أن مرض ابنه كان سببه حرق الغاز بأكبر حقل نفط بالعراق
عراقي رفع دعوى ضد شركة "بي بي" لاعتقاده أن مرض ابنه كان سببه حرق الغاز بأكبر حقل نفط بالعراق

يسعى العراقي حسين جلود، الذي فقد ابنه بعد صراع مع سرطان الدم، إلى الفوز في معركة قضائية ضد شركة "بي بي" البريطانية، لاعتقاده أن مرض ابنه كان سببه حرق الغاز في أكبر حقل نفط بالعراق.

ويطلب جلود المثقل بالديون، أن تدفع له الشركة التي كانت تعرف باسم "بريتش بتروليوم"، تعويضاً يغطي مصاريف علاج نجله، بما يشمل علاجه الكيميائي وعملية زرع نخاع العظم، ثم جنازة علي الذي توفي في أبريل 2023 عن 21 عاماً.

ويقول جلود (55 عاماً) من منزله المتواضع قرب حقل الرميلة في محافظة البصرة بجنوب العراق: "علي لا يعوّض بمال ولا أكثر من مال، لكن ما أطلبه هو حقي".

ويضيف أن تحركه ضد شركة النفط البريطانية العملاقة "ليس من أجل علي فقط، وإنما أيضاً للفقراء والمصابين والذين توفوا في المنطقة". 

وفي 22 أبريل الماضي، أرسل جلود خطاباً إلى الشركة يشرح ادعاءه، لكن في حال عدم التوصل لاتفاق أو عدم حصوله على رد يرضيه، فإن المرحلة الثانية ستتضمن إجراءات أمام المحكمة، وفق شركة المحاماة "Hausfeld & CO" التي تمثل الوالد المكلوم. 

و"بي بي" من أكبر وأقدم شركات النفط العاملة في العراق، وأحد أكبر منتجي الخام في العالم، وتتواجد في بلاد الرافدين منذ العشرينيات من القرن الماضي.

وتعمل الشركة في حقل الرميلة بشراكة مع مجموعات أخرى، بينها شركة نفط البصرة المملوكة للدولة.

وفي عام 2022، وثقت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في تحقيق بشأن ارتفاع خطر الإصابات بالسرطان قرب حقول النفط العراقية، حياة علي جلود الشغوف بكرة القدم، والذي شُخصت إصابته بالمرض في 2016.

ويروي والده أنه خلال لقائه الطبيب، سأله الأخير أين تقطن العائلة، وعند إجابته أنه قرب حقل نفط ومحارق غاز، رد: "هذا هو سبب إصابة علي بالسرطان".

انبعاثات مسرطنة

ولم ترد شركة "بي بي" على طلب فرانس برس التعليق، لكنها قالت في بيانات رداً على "بي بي سي"، إنها "لم تكن يوماً الجهة المشغلة لحقل الرميلة، بل تقاضت الرسوم على شكل مخصصات من النفط الخام لقاء خدمات تقنية تقدمها".

وأعربت عن "قلق شديد" تجاه ما ورد في تقرير "بي بي سي"، مشددة على أنها "تعمل مع شركاء في الرميلة". وأشارت لانخفاض بنسبة 65 في المئة في حرق الغاز خلال السنوات السبع الماضية، وأن العمل مستمر لتحقيق خفض إضافي.

وإحراق الغاز هو التخلص من الغاز الطبيعي المصاحب لاستخراج النفط، ويعد مصدراً أساسياً لتلوث الهواء عبر انبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكاربون وغاز الميثان الخام والكربون الأسود.

وحذرت منظمة "غرينبيس - الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" في بيان الشهر الماضي حول قضية جلود، من أن حرق الغاز ينتج "عدداً كبيراً من الملوّثات المرتبطة بالسرطان، بما في ذلك البنزين".

وفي كل مرة يفتح فيها جلود باب منزله، أول ما يراه هو مشاعل حرق الغاز والدخان الأسود الكثيف، مؤكداً أن رؤيته يومياً لما يحمّله مسؤولية رحيل ابنه يولّد في نفسه "شعوراً حزيناً".

وأمام منزله، يلعب أطفال كرة القدم أو يركبون دراجاتهم الهوائية، غير مدركين للخطر المحدق بهم في الهواء، وفق الأب المكلوم.

وفي عام 2022، بلغ إجمالي ما تم حرقه 139 مليار متر مكعب حول العالم، وفقاً لبيانات البنك الدولي.

ويعد العراق  ثاني أكثر دولة بعد روسيا التي تحرق الغاز المصاحب عالمياً، وقد بلغ مجمل ما تم احراقه في 2022 نحو 18 مليار متر مكعب، بحسب المصدر ذاته.

وانضم العراق عام 2017 إلى مبادرة عالمية أطلقها البنك الدولي، تقضي بوقف حرق الغاز بحلول 2030. 

وتؤكد الحكومة في بغداد سعيها إلى وقف حرق الغاز المصاحب واستغلاله لتشغيل محطات الطاقة، مما يقلل اعتمادها على الغاز المستورد من إيران، الضروري لإنتاج الكهرباء. 

وأعلن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، في مايو، أنه يسعى لإنهاء حرق الغاز المصاحب خلال 3 إلى 5 سنوات، لـ"إيقاف الآثار البيئية المدمرة لهذه العملية".

وتقدم وزارة النفط العراقية الدعم لقطاع الصحة في البلاد ومن بينها محافظة البصرة المعروفة بإنتاج النفط. وقد أعلنت وزارة الصحة في فبراير عن إجراءات لمكافحة السرطان، بينها اتفاق مع شركة نفط البصرة لبناء مركز للأورام. 

واضطر جلود، وهو أب لسبعة أبناء، لبيع مصوغات ذهبية وأثاثاً منزلياً، والحصول على قرض مصرفي، إضافة الى الاقتراض من أصدقاء، لتغطية علاج علي ثم جنازته. 

ويقول إنه على غرار آخرين، يعيشون قرب حقل النفط، لكن إمكاناتهم المادية لا تسمح لهم بالانتقال إلى مكان آخر. 

ونقلت شركة المحاماة الممثلة لجلود أنه وفقاً للقانون العراقي، يُمنع أن تكون مصافي النفط على مسافة ما دون 10 كيلومترات من منطقة سكنية. لكن "الأدلة" تشير في حقل الرميلة إلى أن حرق الغاز يتم على بعد 5 كيلومترات فقط من مجمعات سكنية. 

ويقول جلود: "نعيش هنا رغم الصعوبة والخوف من هذا المرض"، مشيراً إلى أنه يعتقد أن كثيرين في المنطقة أصيبوا بالسرطان نتيجة حرق الغاز.

ويضيف: "الهدف من هذه الدعوة (ضد بي بي) ليس فقط علي، وإنما التقليل من الغاز (المحترق)، وتأمين مستلزمات طبية للمرضى مجاناً، ومساعدة الفقراء غير القادرين على الانتقال إلى مكان آخر".