جانب من تشييع جثامين بعض ضحايا "فاجعة الحمدانية" (وكالة الأنباء العراقية، واع)
جانب من تشييع جثامين بعض ضحايا "فاجعة الحمدانية" (وكالة الأنباء العراقية، واع)

لم تكن فاجعة الحريق الذي أتى على صالة للأفراح في الحمدانية بمحافظة نينوى شمالي العراق،  المأساة الأولى من هذا النوع التي تشهدها البلاد في الأعوام القليلة الماضية، وسط مخاوف من أن لا تكون الأخيرة بسبب استمرار الأسباب التي أدت إليها، وفق ما يرى الكثير من الخبراء والمحللين المتخصصين في قضايا الفساد.

وكانت وزارة الصحة العراقية قد أفادت بمقتل نحو 100 شخص وإصابة أكثر من 150 آخرين، إصابات بعضهم شديدة الخطورة، إثر الحريق الذي قال مسؤولون حكوميون إنه حدث بسبب نقص تدابير السلامة والأمان واستخدام مواد سريعة الاشتعال في المبنى.

وذكر المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان، الخميس، نقلته وكالة الأنباء العراقية (واع)، أن "رئيس الوزراء محمد شياع السوداني تابع ميدانياً، تقديم العلاج للمصابين في حادثة حريق قضاء الحمدانية"، ووجه بتوفير "جميع مستلزمات العلاج دون تلكؤ، ونقل الحالات الحرجة على الفور إلى خارج العراق للتشافي".

وأضاف البيان أن رئيس الوزراء "عقد اجتماعاً، وأكد فيه توجيهاته بمواصلة تفتيش المباني العامة وقاعات المناسبات والمطاعم والفنادق، وفحص شروط السلامة العامة والاحتياطات وإجراءات الوقاية من الحرائق والحوادث المحتملة".

وشدد  السوداني "على تحمل مديري الوحدات الإدارية مسؤولية التأكد من سلامة هذه الإجراءات"، موجها بـ"إنزال أقصى العقوبات القانونية بحق المقصرين والمهملين المتسببين بحادثة الحريق الأليمة".

وغداة حريق الحمدانية، أفاد مسؤولون حكوميون باعتقال 14 شخصا، من بينهم أصحاب قاعة المناسبات، ووعدوا بإجراء تحقيق سريع وإعلان النتائج خلال 72 ساعة، وفق رويترز.

مآس تتكرر

وكان العراق قد شهد العديد من المآسي في الأعوام الأخيرة، من بينها حرائق كبيرة خلّفت عشرات القتلى ومئات المصابين، كحادثة حريق مستشفى "ابن الخطيب" في بغداد شهر أبريل عام 2021، الذي أسفر عن مقتل نحو 80 شخصا وأكثر من 100 جريح.

كما أسفر حريق مستشفى "الحسين" في محافظة ذي قار جنوبي العراق في العام نفسه، عن مقتل أكثر من 90 شخصاً وإصابة ما يزيد عن 110 آخرين.

وكان انعدام شروط السلامة والمباني المخالفة والإهمال، من العوامل الرئيسية لاندلاع هذه الحرائق.

وفي اتصال هاتفي مع موقع "الحرة"، تحدث رئيس لجنة الصحة والبيئة في البرلمان العراقي، النائب ماجد شنكالي، عن وجود أسباب "مباشرة وغير مباشرة" فيما يتعلق تحديدا بـ"فاجعة الحمدانية".

وأوضح: "العوامل المباشرة كانت تتمثل في بناء صالة الأفراح من مواد سريعة الاشتعال، وهي مواد محظورة بالأساس، كما أنه جرى استخدام ألعاب نارية داخل القاعة، والتي كانت مرخصة للاستعمال في الهواء الطلق وليس في أماكن مغلقة".

وتابع: "ما حدث بهذا الشأن نجم عن أخطاء فادحة وكارثية، وكان يجب ألا يتم إعطاء الموافقات لإدارة الصالة، بحيث جرى تجاوز القوانين واللوائح التي تضمن السلامة العامة".

وفي نفس السياق، رأى الرئيس الأسبق للجنة النزاهة الحكومية، موسى فرج، في تصريحات إلى موقع "الحرة"، أن "الكثير من التجاوزات وشبهات الفساد تقف وراء تلك الحوادث التي تكررت في العراق، وتسببت في خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات العامة والخاصة".

وأردف: "العراق شهد آلاف الحرائق مؤخرا، لكن يتم فقط تسليط الضوء على الكوارث التي تسببت في وفاة عشرات الضحايا، كما في حصل في حادثة الحمدانية الأخيرة، وقبلها بعض الحرائق المفجعة في مستشفيات".

19 ألف حريق

وكانت مديرية الدفاع المدني العراقي قد أحصت، في بيان، "عدد حوادث الحريق في العراق منذ بداية العام الجاري حتى تاريخ 13 أغسطس 2023، وكشفت عن وقوع أكثر من 19 ألف حريق".

وهو رقم يقل كثيراً، كما جاء في البيان، عن إحصاء عام 2022، الذي وصلت فيه الحرائق إلى "أكثر من 32 ألفاً في عموم المحافظات، عدا إقليم كردستان".

وبحسب البيان، فإن تلك الحرائق اندلعت "داخل مبان حكومية وتجارية ومصانع ومعامل ومخازن ودور سكنية وأراض زراعية وحقول وعجلات (سيارات) وغيرها".

وفيما يتعلق بالأسباب، أوضح البيان أنها تنوعت "ما بين التماس كهربائي، إذ إن 13 ألفاً و297 حادثاً وقع نتيجة تذبذب التيار الكهربائي الوطني والشبكات العنكبوتية للأسلاك الكهربائية المتدلية للمولدات الأهلية، لتشكل 47 في المئة من مسبّبات اندلاع حوادث الحريق في العراق".

وأشار إلى أن إحصائية عام 2022 "تعتبر الأعلى إذا ما قورنت مع السنوات الثلاث السابقة، إذبلغ عددها خلال عام 2020، 29658 حادثاً، فيما كان عددها عام 2021 31533 حادثاً".

وطالت تلك الحرائق "مستشفيات ومبان ومخازن تجارية ومجمعات سكنية، فضلا عن مئات من الهكتارات الزراعية، وخصوصا حقول القمح شمالي وجنوبي البلاد".

أما عدد الوفيات التي حصدتها حوادث الحرائق خلال السنوات الثلاث، فبلغ حوالي 855 شخصاً.

أسباب وعوامل

وتعليقا على ما سبق، يتفق الإعلامي والكاتب السياسي العراقي، مازن صاحب، في حديثه إلى موقع "الحرة"، في أن الأسباب دائما "تتمثل في قلة الامتثال لشروط السلامة من الحرائق في الأماكن العامة".

وأضاف: "هناك عدم امتثال لقانون الدفاع المدني ما دامت إدارة مثل هذه الأماكن تخضع لجماعات سياسية مسلحة.. هذا ما حصل في غرق العبارة وسط نهر دجلة في الموصل، وما حصل في هذه القاعة".

وعلى نفس المنوال، طالب النائب شنكالي بإجراء "تحقيق إداري معمق في حادثة الحمدانية وغيرها، ومنع التجاوزات لأي من الجهات والفصائل السياسية، ومن ثم العمل على تجاوز أمثال تلك المخالفات، خاصة أنني أعتقد أن جهات متنفذة ساهمت في الحادثة الأخيرة"، حسب تعبيره.

وأضاف "يجب أن يكون تحقيق إداري معمق بعيدا عن توجيه الاتهامات المسبقة لهذا الطرف السياسي أو ذاك، وبعد ذلك فرض سيادة القانون والاستفادة من الخطأ الكارثي الأخير".

من جانبه، رأى فرج أن "شبهات فساد مؤكدة تقف وراء تلك الحوادث".

وأردف: "هناك حرائق ناجمة عن الفساد المتعلق بالإهمال والرشاوى، لتجاوز الكثير من شروط السلامة الصارمة التي كان يجب مراعاتها عند تشييد الأبنية، سواء مستشفيات أو صالات أفراح أو مبان حكومية أو مراكز تجارية".

وأضاف شنكالي: "لا شك بأن الفساد مستشر ومتغول في العديد من مفاصل الوزارات والمؤسسات الحكومية، وبالتالي لا مناص عن تطبيق القوانين والإجراءات التي تكافح هذه الظواهر السلبية، التي تهدد حياة الناس وصحتهم وأحوالهم المعيشية".

وعن تلك الشبهات، أوضح الإعلامي صاحب، المتخصص أيضا في قضايا الفساد: "شبهات الفساد تبدأ في إجازة أي مبنى من دون  خضوعه لشروط السلامة من الحرائق، ناهيك عن شروط السلامة العامة".

وتابع: "ما دام الفساد السياسي والمجتمعي ينتج الفساد الإداري والمالي، فإن الآمال المرتقبة في تفادي مثل هذه الكوارث تبقى من الآمال البعيدة، لأن أسباب وجودها متوفرة".

وختم بالقول: "المطلوب هو القيام بحملات شعبية للتحشيد والمناصرة في محاسبة الجهات التنفيذية، والتأثير على الجهات الرقابية والسياسية، لعكس اتجاه عقارب الأحداث نحو الحد من هذه الكوارث".

وفي سياق متصل، أكد فرج الذي كان له باع طويل في مكافحة الفساد خلال فترة ترؤسه لجنة النزاهة، : "ضروري أن يكون هناك خبراء وموظفون مؤهلون، لديهم خبرات واضحة في كشف مكامن الخلل والفساد في كافة دوائر الدولة".

وتابع: "لدينا قوانين تقر وتساعد على مكافحة الفساد، رغم الحاجة إلى إقرار المزيد منها، لكن نحن أيضا بحاجة إلى الأدوات المناسبة لتنفيذها، حتى لا ندور في حلقة مفرغة، أو أن يصبح الأمر مثل خزان ماء فيه مدخل ومخرج، وبالتالي إن كانت مكافحة الفساد بكمية 10 لترات، إن صح التشبيه، يكون قد دخل الخزان 20 لترا، فتضيع كل الجهود هباء".

الفصائل المسلحة الموالية لطهران في العراق تشكلت بدعم مالي وعسكري إيراني (رويترز)
الفصائل المسلحة الموالية لطهران في العراق تشكلت بدعم مالي وعسكري إيراني (رويترز)

قالت صحيفة "التايمز" البريطانية إن إيران نقلت صواريخ أرض أرض بعيدة المدى إلى وكلائها في العراق، يمكن أن يصل مداها لدول أوروبية.

ونقلت الصحيفة عن مصادر استخبارية إقليمية، لم تسمّها، القول إن الأسلحة نقلت إلى ميليشيالت موالية لإيران في العراق الأسبوع الماضي.، مضيفة أن هذه هي المرة الأولى التي تمتلك فيها ميليشيا متحالفة مع إيران صواريخ أرض-أرض بعيدة المدى في العراق.

وأشارت المصادر إلى أن عملية التسليم جرت عبر القوة الجوية التابعة للحرس الثوري الإيراني، مبينة أن الصواريخ يمكنها استهداف مناطق تمتد لغاية أوروبا.

وتابعت المصادر أن نوعين آخرين من الصواريخ، هما "قدس 351" المجنحة وصواريخ "جمال 69" الباليستية، جرى تهريبها إلى العراق الأسبوع الماضي، وكلاهما بمديات أقصر من صواريخ أرض-أرض.

وقال مصدر استخباراتي إقليمي للصحيفة إن "إيران نقلت مؤخرا صواريخ إلى الميليشيات الشيعية في العراق، بما في ذلك نماذج جديدة ذات مدى أطول، وهي صواريخ لم تُمنح لتلك الميليشيات في الماضي".

ووصف المصدر التحرك الإيراني بأنه "خطوة يائسة قد تعرض استقرار العراق للخطر".

ويتناقض هذا التطور مع التقارير التي وردت هذا الأسبوع من مسؤولين عراقيين وقادة كبار قالوا إن الميليشيات المدعومة من إيران في العراق "مستعدة لتسليم أسلحتها" لتجنب صراع محتمل مع الولايات المتحدة.

لكن مصدر دبلوماسي في المنطقة أبلغ صحيفة "التايمز" أن "الجهود التي لوحظت في آخر 48 ساعة لإنشاء صورة تُظهر أن الميليشيات تقوم بتسليم أسلحتها هي مجرد خدعة".

ولم يرد المتحدث باسم الحكومة العراقية على اتصالات موقع "الحرة" المتكررة وطلب مكتوب أرسل عبر الهاتف للتعليق على ما ورد في تقرير صحيفة "التايمز".

وتشكلت الفصائل المسلحة الموالية لطهران في العراق بدعم مالي وعسكري إيراني في فترة فوضى أعقبت الإطاحة بنظام صدام حسين في 2003.