مبنى متضرر في أعقاب الهجمات الصاروخية على أربيل
مبنى متضرر في أعقاب الهجمات الصاروخية على أربيل

أثارت الشكوى التي تقدمت بها الخارجية العراقية إلى مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة بعد "العدوان الصاروخي الإيراني" الذي استهدف مدينة أربيل بشمال العراق، التساؤلات حول مدى أهمية تلك الشكوى والنتائج المتوقعة منها.

"الأولى في نوعها"

ويشير الباحث في الشأن العراقي، إياد العناز، إلى أن "الشكوى هي الأولى في نوعها التي تتقدم بها الحكومة العراقية فيما يتعلق بالاعتداءات الإيرانية على العراق".

ويعد ذلك "تطورا في مسار العلاقات الإيرانية العراقية"، باعتبار إيران "حليف استراتيجي للعراق"، لكن الاعتداء الإيراني على أربيل هو خارج نطاق العلاقات الدولية، ولم يراع قواعد القانون الدولي في التعامل والتعاون بين الدول، حسبما يوضح العناز لموقع "الحرة".

ويؤكد وجود "اتفاقات أمنية وسياسية بين البلدين، لكن إيران لم تحترم ذلك وخرقت سيادة العراق لأكثر من مرة".

ولذلك تقدمت بغداد بالشكوى التي كان يفترض أن تتقدم بها منذ سنوات بعد الاعتداءات الإيرانية المستمرة على إقليم كردستان، حسبما يشير العناز.

وكان الحرس الثوري الإيراني أعلن أنه قصف بصواريخ بالستية، ليل الاثنين-الثلاثاء، أهدافا في سوريا، وإقليم كردستان العراق.

وقال الحرس الثوري الإيراني أنه هاجم "مقر تجسس" لإسرائيل في إقليم كردستان العراق في وقت متأخر الاثنين، بجانب استهداف تنظيم داعش في سوريا أيضا.

وأكدت سلطات الإقليم مقتل "أربعة مدنيين" على الأقل وإصابة ستة آخرين بجروح، "حالة بعضهم غير مستقرة".

وفي سياق متصل، يوضح مدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية، غازي حسين، أن تقديم العراق لشكوى رسمية قد جاء بعد "تكرار العدوان الإيراني" على مدينة أربيل سواء بـ"المدفعية الثقيلة أو الدبابات أو الطائرات المسيرة".

وتلك الأعمال المتكررة بمثابة "عدوان صارخ" وتشكل "انتهاكا لسيادة العراق واستقلاله وسلامته الإقليمية وأمن الشعب العراقي"، وفق حديثه لموقع "الحرة".

ويشير حسين إلى أن ذلك العدوان ينتهك الفقرة الرابعة من المادة الثانية لميثاق الأمم المتحدة، والتي "لا تجيز استخدام القوة في العلاقات السياسية".

وتنص المادة على أن "يمتنع أعضاء الهيئة جميعا في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة".

وهناك "اتفاقات أمنية مشتركة وعلاقات دبلوماسية وثيقة بين بغداد وطهران"، وبالتالي كان يجب على إيران "تبادل أي معلومات تخص تهديد أمنها القومي مع الجانب العراقي عبر وزارة الخارجية والحوار الدبلوماسي وليس عبر الانخراط باستخدام القوة العسكرية في استهداف المدنيين"، حسبما يشدد حسين.

ومن جانبها، نددت وزارة الخارجية العراقية في بيان بـ"الاعتداءات" على أربيل، واستدعت سفيرها في طهران للتشاور.

كذلك ندد مستشار الأمن القومي العراقي، قاسم الأعرجي، بالادعاء "الباطل وغير الصحيح" بشأن وجود "مقر للموساد الإسرائيلي" في أربيل.

في المقابل، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، ناصر كنعاني، إن طهران تحترم سيادة الدول الأخرى ووحدة أراضيها لكنها في الوقت نفسه تستخدم "حقها المشروع والقانوني لردع تهديدات الأمن القومي".

وأضاف كنعاني أنه "بعد أن أخطأ العدو في حساباته، ردت إيران بقدراتها الاستخباراتية العالية بعملية دقيقة وموجهة ضد مقرات الجناة".

شكوى مباشرة

ومن جانبها، تشير المحامية السابقة في المحكمة الجنائية الدولية، ديالا شحادة، إلى أن العراق عضو بالأمم المتحدة ومجلس الأمن ولذلك فقد تقدم بالشكوى لـ"إجراء نقاش قد يتبعه تحرك لإصدار قرارات ملزمة وإجراءات تنفيذية بعد العدوان على أراضيه وانتهاك سيادتها".

واتخذت بغداد المسار القانوني السلمي للاحتجاج ومواجهة "العدوان الإيراني"، وسوف يحدد مجلس الأمن جلسة لمناقشة القضية، حسب حديثها لموقع "الحرة".

وقالت شحادة، إن هناك فرق بين رفع شكوى مباشرة إلى مجلس الأمن، وبين رفع شكوى إلى هيئات أممية أخرى.

وأوضحت أنه في حال رفع شكوى إلى مجلس حقوق الإنسان أو لمقررين مختصين بقضايا معينة مثلا، فإن الخطوات اللاحقة تكون عبر إصدار بيانات أو إجراء تحقيقات، وعلى إثرها تصدر توصيات قد ينتج عنها خطوات تنفيذية، وذلك يتم بعد عرضها ورفعها إلى مجلس الأمن.

وأضافت أن العراق رفع شكوى مباشرة إلى مجلس الأمن، خصوصا في ظل الخشية من تكرر العدوان الإيراني، دون مضيعة للوقت ودون رفع شكوى إلى هيئة أو وكالة أو جهاز أممي آخر، لأن المجلس لديه سلطة تنفيذية.

ماذا بعد "تقديم الشكوى"؟

والثلاثاء، أعلنت الخارجية العراقية، أنها رفعت شكوى بموجب رسالتين متطابقتين إلى الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن الدولي عبر الممثلية الدائمة لجمهورية العراق في نيويورك.

وحاول موقع "الحرة" التواصل مع مدير مكتب رئيس الوزراء العراقي، ربيع نادر، لمعرفة الخطوات المقبلة التي سوف تتخذها بغداد بهذا الشأن، لكنه لم يرد على المكالمات.

وعن النتائج المتوقعة لهذه الشكوى في حال عدم اعتراض الدول صاحبة حق النقض (الفيتو)، وهي أميركا وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين، قالت شحادة إن الخطوات العملية والتنفيذية تبدأ بشكل تدريجي، وتشمل التنديد بالاعتداء، واعتباره مخالفا لميثاق الأمم المتحدة، واتفاقية فيينا.

وتابعت أنه في حال صدور قرار فإنه قد يطلب من إيران الامتناع عن تكرار هذا الفعل، أو التعهد بالالتزام بميثاق الأمم المتحدة والاتفاقيات المرتبطة. وأشارت إلى أنه في حال عدم التزام إيران، قد تحصل نقاشات أعمق وأوسع لإصدار إجراءات تنفيذية رادعة أو عقابية.

ولفتت شحادة إلى أن مثل هذه الإجراءات نادرا ما تتخذ في حال انتهاك دولة لسيادة دولة أخرى، مستبعدة حصول أي إجراءات عقابية بحق إيران في مجلس الأمن بعد الشكوى العراقية.

ومن جانبه اكتفى المتحدث باسم نائب رئيس حكومة كردستان، قوباد طالباني، بالقول لموقع "الحرة" إن الأمر يخضع للتحقيق حاليا، دون الإفصاح عن المزيد من التفاصيل عن الخطوات التالية.

وفي رأي متوافق مع شحادة، قال العناز إن مجلس الأمن والأمم المتحدة سوف يدرسان الشكوى، لكن يتوقع ألا يكون لها تداعيات أو تأثير على "العلاقات الاستراتيجية العراقية الإيرانية".

ولدى طهران "الكثير من التأثير السياسي والاقتصادي داخل العراق"، لكن الشكوى سيكون لها "تأثير اعتباري" ويمتص حالة الغضب الشعبي داخل العراق، وفق الباحث في الشأن العراقي.

لكن حسين يتحدث عن "تداعيات متوقعة للشكوى التي تمثل محطة مهمة في وجه الاعتداءات الإيرانية على السيادة العراقية".

ورغم امتلاك إيران والعراق "علاقات دبلوماسية وثيقة"، فإن الاعتداء على السيادة العراقية يمثل "جريمة حرب" لا يمكن السكوت عنها أو تجاهلها، حسبما يوضح مدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية.

والأربعاء، قررت جامعة الدول العربية، عقد جلسة طارئة لمناقشة القصف الإيراني على مدينة أربيل، بحسبما أفادت الخارجية العراقية.

وقالت الوزارة العراقية في منشور على منصة "اكس"،  إن  الجامعة العربية ستعقد جلسة طارئة لمناقشة القصف الإيراني على أربيل، مشيرة إلى أن أمينها العام،  أحمد أبو الغيط، أدان الضربة.

وذكر المصدر ذاته، أن الجامعة ستعتمد قرارا بشأن "إدانة العدوان الإيراني على العراق ودعم موقف العراق وحقه المشروع في التأكيد على احترام أمنه وسيادته".

أكراد إيران

على مدى عقود، وجدت الجماعات الكردية الإيرانية المعارضة لطهران ملاذا في تضاريس إقليم كردستان الوعرة، وتناثرت في مخيمات، بعيدة نسبيا عن متناول النظام الإيراني، لكنها لم تكن يوما خارج دائرة اهتماماتها. 

بنى هؤلاء المقاتلون وعائلاتهم حياة جديدة، في ظل تسامح حكومات عراقية متعاقبة، وتحت أنظار القوى الدولية. لكن هذا التوازن الهش بات اليوم مهددا من جديد.

في 24 أبريل، أصدرت مستشارية الأمن القومي العراقية، التابعة لمجلس الوزراء، قرارا يحظر جميع أنشطة الأحزاب والجماعات الإيرانية المعارضة الموجودة على الأراضي العراقية. 

الوثيقة، التي وقعها مستشار الأمن القومي، قاسم الأعرجي، وجهت القوات الأمنية والعسكرية وهيئة المنافذ الحدودية وحكومة إقليم كردستان باتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ القرار، بما يشمل إغلاق مقار الجماعات الإيرانية المعارضة، ومنع أي نشاط سياسي أو إعلامي أو عسكري لها على الأراضي العراقية. والأهم من ذلك، حظرت استخدام الأراضي العراقية كمنصة للتحريض أو شن هجمات ضد إيران.

يستهدف القرار الفصائل الكردية الإيرانية الرئيسية التي يعود وجودها في إقليم كردستان إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين فرت من قمع نظام آية الله روح الله الخميني بعد ثورته عام 1979. وقد أُنشئت مقارها ومخيماتها، بموافقة نظام صدام حسين آنذاك، في مناطق مثل بازيان، وقسلان، وبمو، وزركويز، وسلسلة جبال قنديل.

ورغم طرد منظمة مجاهدي خلق الإيرانية من العراق في عام 2016، استمرت الفصائل الكردية الإيرانية في نشاطها في إقليم كردستان، مع أنها كانت قد تخلّت عن العمليات العسكرية انطلاقا من الأراضي العراقية، وركزت على العمل السياسي والإعلامي. إلا أن ذلك لم يمنع طهران من مهاجمتها مرارا.

في عام 2023، وقّع العراق وإيران اتفاقا أمنيا يقضي بنزع سلاح الجماعات الكردية الإيرانية، وإغلاق قواعدها الحدودية، ونقلها إلى مخيمات خاضعة لإشراف الحكومة العراقية داخل الإقليم. وقد تم تنفيذ بعض بنود الاتفاق، لكن دون أن يشمل القرار حظرا شاملا على تلك الجماعات. 

قرار بغداد الجديد، في المقابل، يذهب إلى ما هو أبعد من الاتفاق السابق.

تواصلت قناة "الحرة" مع مستشارية الأمن القومي العراقية للاستفسار حول آليات تنفيذ القرار، لكنها لم تتلق أي رد.

ويرى قادة المعارضة الكردية أن الحظر الجديد يمثل انتهاكا للاتفاقات السابقة والتفاهمات الدولية. 

ويصف خليل نادري، المتحدث باسم حزب حرية كردستان الإيراني، القرار بأنه "حرب نفسية" تشنها طهران.

وضيف قوله "لن يكون لهذا القرار أثر كبير، لأن تنفيذه يعني إلغاء الاتفاق الأمني لعام 2023، وهو أمر لا يصب في مصلحة العراق ولا إيران".

وحذّر نادري من أن استمرار الضغوط قد يدفع الأحزاب إلى إعادة النظر في التزاماتها. وأضاف: "لقد أوقفنا نشاطنا العسكري منذ سنوات، احتراما لقوانين الإقليم وحماية له من الهجمات الإيرانية. النظام الإيراني يسعى لخلق توتر بيننا وبين الإقليم، لكنه سيفشل".

يوجد حاليا نحو 10 أحزاب كردية إيرانية معارضة تنشط في إقليم كردستان، من بينها الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (حدكا)، وأجنحة حزب كومله الثلاثة، وحزب حرية كردستان (PAK)، وحزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK)، وفصائل أخرى. وتتمتع العديد من هذه الأحزاب بدعم شعبي واسع داخل كردستان الإيرانية.

وأكد أمجد حسين بناهي، القيادي في حزب كومله لكادحي كردستان - إيران، أن قوات الأسايش في محافظة السليمانية أبلغت أجنحة الحزب الثلاثة بوجوب إخلاء مقارها في مناطق زركويز وبانه كوره وزركويزله، والانتقال إلى منطقة سرداش، تنفيذا للاتفاق الأمني.

وقال بناهي لـ"الحرة": "لقد التزمنا بقرارات حكومة الإقليم، ولم نقم بأي خطوة تُعرّض المنطقة للخطر. لكن لدينا شرط أساسي: توفير مساكن مناسبة لعائلاتنا في المناطق الجديدة التي سنُنقل إليها".

ورغم تأكيده على أن الحظر سيؤثر على نشاط الأحزاب الكردية المعارضة في كردستان العراق، أشار بناهي إلى أن قوة هذه الأحزاب الحقيقية تكمن في وجودها داخل إيران، وفي قاعدتها الشعبية الواسعة.

ويرى بناهي أن توقيت إصدار الحظر يعكس ضعف النظام الإيراني. وأوضح أنه "كلما واجه النظام أزمة داخلية، سارع إلى استهداف المعارضة الكردية، لإيهام الشعب بأنه لا يزال قويا ومتماسكا. لذلك نرى أن تصعيده ضدنا هو دليل على أنه يعيش أزمة داخلية وخارجية مزدوجة".

يؤكد خبراء أن الاتفاق الأمني لعام 2023 لم ينصّ على حظر تام لتلك الجماعات، بل اقتصر على تحجيم نشاطها العسكري، وهو ما كانت الأحزاب قد التزمت به فعليا في السنوات الأخيرة.

ويقول الخبير الأمني العراقي، علاء النشوع، إن القرار يعكس التوترات المتزايدة في المنطقة، خاصة في ظل سياسة "الضغط الأقصى" التي تنتهجها الولايات المتحدة تجاه طهران. ويضيف أن النظام الإيراني يدرك أن عدم التزامه بالشروط الأميركية قد يدفع واشنطن لاستخدام ورقة المعارضة الكردية للضغط عليه. ولذلك طلب من العراق سرا اتخاذ هذا القرار.

ويشدّد النشو على أن قرار بغداد يبعث برسالة مزدوجة، إلى إقليم كردستان من جهة، وإلى المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة من جهة أخرى، مفادها أن العراق لا يمكن أن ينفصل عن الرؤية الاستراتيجية لإيران في منطقة تعيش وضعا أمنيا وعسكريا معقدا.

تتّهم طهران الجماعات الكردية بتنفيذ عمليات مسلحة وتنظيم احتجاجات في مدن كردية داخل إيران، أبرزها احتجاجات سبتمبر 2022، التي اندلعت إثر مقتل الشابة الكردية الإيرانية مهسا أميني على يد شرطة الأخلاق، بزعم مخالفتها قوانين الحجاب.

بالتزامن مع تلك الاحتجاجات، شن الحرس الثوري الإيراني هجوما واسعا على مخيمات اللاجئين الإيرانيين شمالي العراق، مستخدما صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، ما أسفر عن مقتل 17 شخصا على الأقل، وإصابة أكثر من 50، بحسب مصادر صحية محلية.

وبحلول نهاية عام 2024، قدّرت مصادر غير رسمية عدد اللاجئين الكرد الإيرانيين في إقليم كردستان العراق بنحو 35 ألف لاجئ، معظمهم من النساء والأطفال.

ولم تقتصر الحملة الإيرانية على القصف الصاروخي؛ فقد شملت أيضا عمليات توغل بري واغتيالات، بالإضافة إلى قصف مدفعي طال قرى ومزارع، وتسبب في تدمير واسع للغابات والبنية الزراعية، ونزوح مئات المدنيين في الإقليم.

واليوم، ومع صدور قرار الحظر من بغداد، تجد المعارضة الكردية الإيرانية نفسها أمام فصل جديد غامض محاصرة بين نظام يسعى لإسكاتها، وحكومة عراقية عالقة وسط حسابات الجغرافيا والسياسة الإقليمية.