صورة أرشيفية من داخل حي البتاويين وسط العاصمة العراقية بغداد
صورة أرشيفية من داخل حي البتاويين وسط العاصمة العراقية بغداد

يستنكر أكرم حبايب، الذي يعيش ويعمل في البتاوين منذ عام 2009، تصوير الحي على أنه "أخطر الأماكن" في العاصمة العراقية بغداد.

"أقضي أغلب ساعات النهار هناك، وأحيانا كنت أغلق محلي الساعة الثانية بعد منتصف الليل، أو أذهب إليه الساعة الخامسة فجرا.. أعتبر نفسي من سكّان الحي"، يقول أكرم في اتصال هاتفي مع موقع "الحرة".

ساهمت تغطيات إعلامية، يصفها أبناء الحي بأنها غير منصفة، وتصريحات أمنية يقولون إنها مبالغ فيها، عن "أنواع الجريمة ومستوياتها"، بشيوع "سمعة سيئة" لهذا الحي العريق. وتداول البعض أوصافا للحي تشبه عناوين الروايات البوليسية، مثل "العالم السفلي، معقل الجريمة، قاع المدينة، مدينة الممنوعات... إلخ".

في أبريل الماضي، انطلقت حملة أمنية وخَدَمية في البتاوين، اعتقلت أثناءها السلطات أكثر من 300 شخص، وأزالت تجاوزات عن الأرصفة ونظفت الشوارع، بحسب البيانات الرسمية.

وخلال مقابلة صحفية مع وكالة الأنباء العراقية (واع) أواخر سبتمبر الماضي، قال وزير الداخلية العراقي عبد الأمير الشمري، إن "منطقة البتاوين كانت مرتعا لعصابات الخطف والتزوير والاتجار بالبشر والاتجار بالأعضاء البشرية والمخدرات".

وأضاف أن الحملة الأمنية أدت إلى "انخفاض في مستوى الجريمة"، و"تم تطهير المنطقة تماماً من هذه العصابات"، وفق تعبيره.

جغرافيا البتاوين

يصف الصحفي العراقي، محمود الحسناوي، منطقة البتّاوين بأنها "الداون تاون الحقيقية لبغداد"، فهي تنقسم لشقين هما البتاوين الأولى والبتاوين الثانية، ويفصل بينهما شارع "تونس" وساحة "النصر".

كان ‏أغلب سكان "الأولى" وهي الأقرب جغرافيا لمنطقة "الباب الشرقي" و"ساحة التحرير"، سودانيون ومصريون، أقاموا ‏في بغداد خلال ثمانينيات القرن الماضي، ولا يزال كثيرون منهم يعيشون في الحي.

المنطقة الثانية هي الأقرب لـ"ساحة الفردوس" و"ساحة كهرمانة"، يضيف الحسناوي، وكان سكانها خليطا من العراقيين  المسيحيين والمسلمين واليهود، إلا أن أغلبهم رحل عنها طوعا أو قسرا في منتصف القرن العشرين، وبعد عام 2003 لأسباب عديدة، وقُتل كثير من المصريين والسودانيين في الحرب الطائفية بين عامي (2006- 2008).

من بقي في الحي مِن المسيحيين، منعتهم ظروفهم الماديّة من المغادرة، رغم أنهم يواجهون مشكلة في ترميم وإصلاح منازلهم، بسبب القيود القانونية على المباني التراثية.

نشأ الحيّ في محلّة قديمة كانت تُدعى "بستان الخس"، وتقع خارج حدود مدينة بغداد جنوبَ بابها الشرقي، بحسب تقرير على موقع "بغداد اليوم" المحلي.

أما سبب تسميتها بـ"البتاوين" فيعود للمزارعين الذين نزحوا من قرية "بت" الواقعة في ناحية النهروان شمالي محافظة ديالى، وأقاموا في الحي منذ بداية القرن التاسع عشر، كما يُطلق عليه أيضاً "كرّادة البتاويين"، وفق ما ذكر عماد عبد السلام رؤوف في كتابه "معالم بغداد في القرون المتأخرة".

حي البتاويين كما تُظهره خرائك غوغل وأكد حدوده لـ"الحرة" إعلامي عراقي

الحملة الأمنية

يكتسي صوته بنبرة غضب مكتوم وهو يعلق عبر الهاتف على "قائمة الجرائم" التي قرنها وزير الداخلية بحي البتاوين. "شلون كدرت أعيش كل هذي السنوات بحي مثل هذا؟"، يتساءل أكرم.

يقول شرطي، فضل عدم ذكر اسمه لأنه غير مخول بالتصريح للإعلام، إن "التصنيفات الرسمية للجرائم تختلف عن الفهم الشائع عنها لدى عامة الناس".

يتابع الشرطي المتمركز في البتاوين منذ 6 سنوات أن "تركيز السلطات في البتّاوين، ينصب على المتورطين في تجارة المخدرات، والمطلوبين للعدالة الذين قد يلجأون للاختباء في الحيّ".

شارك في الحملة الأمنية التي جرت أواخر أبريل، وكان مع عناصر المراقبة وليس المنفذين للمداهمة والاعتقال. يقول الشرطي "أغلب الذين قُبض عليهم متهمون بارتكاب مخالفات قانونية وسرقات وعمليات نصب وتزوير واحتيال وتعاطي المخدرات".

ويشير إلى أن التسوّل يُعدّ من جرائم الاتجّار بالبشر. "مثلاً عائلة عندها أربعة أو خمسة أطفال، يقوم الأب بتشغيلهم مع أمهم في التسوّل. وإذا قام شخص مثلا ببيع كليته، فإنها تعدّ جريمة متاجرة بالأعضاء".

صورة من أمام صالون حلاقة أكرم حبايب في البتاوين

أتى أكرم، 34 عاما، إلى البتاوين من محافظة كربلاء باحثا عن الرزق، ويملك اليوم ثلاثة محال تجارية ومبنى سكنيا في الحي. يقول إن الحملة الأمنية أثرت على أعماله بشكل سلبي دون أن يُنكر آثارها الإيجابية المتمثلة في إزالة التجاوزات على الأرصفة وتنظيف الشوارع بشكل دوري.

يوضح أنه عرض محلين للإيجار كان يبيع فيهما الملابس النسائية والرجالية بالإضافة لمواد التجميل، بسبب تأثر المبيعات. "كنت أعتمد على الزوّار في محل لحلاقة، مثلا يأتون من المحافظات حتى يتونسون (للترفيه عن أنفسهم)، ويحجزون في فندق رخيص، ويذهبون للسهر في الملاهي أو الحانات وشرب الكحول حيث هذه المظاهر ممنوعة في مناطقهم، ويقومون بزيارة محلي لتسريحة شعر أو الحلاقة، وكان الشغل ممتاز".

صادق خريج جامعي يعيش خارج البتاوين. يصف نفسه بأنه "مشروع فنان" في مجال الغناء، ويسعى لتحقيق حلمه. يقول لـ"موقع الحرة" إنه زار البتاوين بعد الحملة الأمنية، ومن خلال حديثه مع أصدقائه ومعارفه وجد البعض متفائلاً، وآخرين ممتعضين من نتائجها على مصدر رزقهم.

يضيف "البعض تعود على حركة زيارات قوية من الخارج خصوصاً محال المشروبات، لكنّ أي محل يبدأ عمله في ساعات المساء تضرر بعد الحملة".

في مايو الماضي، أوضح اللواء خالد محنا، المتحدث باسم وزارة الداخلية، أن "عملية البتاوين ليست أمنية فحسب إنما خدمية أيضاً، الغرض منها تعزيز الأمن و تقديم الخدمات وإعادة إحياء المنطقة التي من المؤمل أن تكون واجهة حضارية ومنطقة مُشرقة في بغداد".

تعليقا على حديث محنّا، وتصريحات حكومية أخرى تتعهد بتحويل البتّاوين لمنطقة تجارية حيويّة في قلب العاصمة العراقية، يقول الصحافي محمود الحسناوي، وهو على صلة ببعض أهالي البتّاوين ويزور مع أصدقائه مطاعم ومقاهي شعبية على أطرافها بين حين وآخر: "أنا غير مقتنع بالوعود الحكومية؛ لصعوبة تنفيذ ذلك، فهناك أملاك شخصية وليس من السهل استملاكها من المواطنين".

ويعتقد أن هناك دافعاً سياسياً غير معلن للعملية الأمنية في البتاوين، وهو "طمع جماعات مسلّحة في الهيمنة على المنطقة عبر الاستثمار وتحويلها لمراكز تجاريّة، وهذا عملياً يقوّض الجريمة ويخلّص بغداد من أكثر الأحياء تعقيداً، لكنّه أيضاً باب فساد كبير ومورد اقتصادي مهم للمليشيات المسلحة".

زار الحسناوي البتاوين بعد الحملة الأمنية، ويصف أحوالها في حديثه معه مع"موقع الحرة": "الحيّ اليوم أفضل بكثير من ناحية الناس الموجودين فيه.. كما تم إغلاق جميع محلات المشروبات الكحولية غير المرخصة والبارات والمطاعم التي تقدم المشروبات الكحولية غير المرخصة".

صورة التقطها أكرم من داخل حي البتاوين أثناء حديثنا معه، سبتمبر الماضي

يتفق أكرم حبايب مع الحسناوي في ما يخص صعوبة استملاك العقارات التراثية أو الفارغة والاستفادة منها لصالح تحسين المنطقة، فمعظم ملاكها يعيشون خارج العراق، وليس من السهل تسوية عقاراتهم المهجورة في ظل البيروقراطية المتفشية في دوائر الدولة.

قال إنه يتحدث عن تجربة حقيقية عن عقار يعيش مالكه في الولايات المتحدة. "ذهبنا أنا والموَكَل منه لاستخراج الموافقات من أمانة بغداد وجهات أخرى وبعد توقيع عشرات الأوراق ودفع ملايين الدنانير العراقية، لم نحصل على الموافقة، وبقي المبنى على حاله".

ويؤكد أكرم أن "غالبية المباني التي كانت مملوكة لليهود في البتاوين منهارة بشكل شبه كامل حتى أنها لا تصلح للترميم"، فضلا عن أن "هناك ورثة متعددين سواء يهود أو مسيحيين للمباني القائمة بشكل عام، وقد لا يعيشون في نفس الدولة ومن الصعب جدا تحصيل موافقة أو وكالة للبيع والاستملاك".

لاحقاً بعد إنجاز الحملة الأمنية، أعلنت وزارة الداخلية أنها "ضبطت أملاكاً ودوراً مُغتَصبة تم الاستيلاء عليها بشكل غير قانوني في البتاويين"، ودعت أصحاب هذه الأملاك الأصليين لمراجعة مركز شرطة السعدون الذي يقع داخل الحي، وجلب الأوراق أو الأدلة الثبوتية، لكي يتمكنّوا من استرجاع حقوقهم المسلوبة.

صانع محتوى عراقي يرصد مشاهد من البتاويين من سيارته قبل عام

منطقة شعبية "لا أكثر"

يتميز الحي في كونه مسكناً ومكان عمل لكثير من العراقيين الذين تعود أصولهم لمحافظات أخرى، وذوي خلفيات دينية وقومية وطائفية متنوعة، حتى أن هناك جنسيات غير عراقية تسكنه، كل ذلك جعل البتاوين بحسب أكرم حبايب "أفضل مكان للاختباء".

لذلك، يضيف "اختبأ فيه كثير من المطلوبين للعدالة ومرتكبي الجرائم أو الذين يمارسون أعمالا غير قانونية، الذين لا يمكن القبض عليهم بسهولة".

ولأكرم زوجة وأطفال. لكن لماذا هم لا يعيشون في البتاوين؟ يقول أكرم "يومياً هناك حملات تفتيش أمنية، يشملون بها الجميع، وقد تطالنا السمعة السيئة إذا داهموا بيتنا مثلاً".

يضيف الحلاق بنوع من الحماس "والله تعيش بيه ملك ماكو أي خطر"، مضيفاً "أحياناً أغادر المحل الساعة 3 فجراً، لم يرفع أي شخص السلاح بوجهي ولم أتعرض للسرقة ولا لأي شيء خطر".

يقول أكرم "في كل عام خلال موسم الزيارة الأربعينية للإمام الحسين أقضي وقتاً كبيراً في كربلاء وأستقبل الزوّار من محافظات أخرى وأتواصل مع الأصدقاء، وحين يعرف أي منهم مكان عملي يصمت.. وحتى بعد أن أشرح لهم عن تجربتي لا يقتنعون تماماً".

العواصف الترابية في العراق

بالنسبة للعراق، هذا عام العواصف الترابية، يقول خبير بيئي. 

في منتصف أبريل غصت مدن في الوسط والجنوب، بعاصفة رملية هي الأشد تاريخ العراق الحديث.

أكثر من 3700 شخص عانوا من حالات اختناق، وفقا لإحصاءات رسمية.

العاصفة، التي انطلقت من صحراء السعودية، صبغت السماء باللون البرتقالي، وشلت حركة السير إذ تقلصت معها الرؤية إلى أقل من 50 مترا، فأجبرت السلطات على إغلاق مطارات رئيسية في عدد من المدن. 

وتعزو تقارير منظمات دولية، تفاقم تأثير التغير المناخي في العراق إلى ارتفاع حاد في درجات الحرارة، حيث تتجاوز موجات الحر الصيفية عادة 50 درجة مئوية (122 درجة فهرنهايت)؛ وإلى نقص في المياه، انخفض معه نصيب الفرد من الموارد المائية إلى 55 متر مكعب سنويا، مقارنة بأكثر من 2000 متر مكعب قبل نحو عقدين.

ومن بين الأسباب جفاف شريان الحياة - دجلة والفرات - في بلاد ما بين النهرين، وتحولهما إلى ما يشبه مجاري مائية ملوثة.

ويدعو خبراء بيئة عراقيون السلطات إلى التحرك سريعا لوقف زحف الصحراء الحثيث نحو المدن. ويحذرون من تأثير العواصف على حياة المواطنين اليومية.

يتوقع، عمر عبد اللطيف، عضو مرصد "العراق الأخضر" المتخصص بشؤون البيئة، ازدياد العواصف الغبارية، هذا العام، لقلة هطول الأمطار. ورجح أن يشهد العراق بين 150 و 200 يوم مغبر خلال العام الجاري.

يقول عبداللطيف إن الخطط الحكومية لمواجهة تغير المناخ "بطيئة جدا". ويصف، في حديث لـ"الحرة"، تغيُّرات المناخ في العراق بأنها "سريعة جدا". 

ويضيف أن وزارة البيئة والوزارات المعنية لم تتعامل بجدية مع ظاهرة التغير المناخي منذ البداية، "ومازال تنفيذ الخطط الخاصة باحتواء أزمة التغير المناخي في العراق بطيئا".

ويلفت عبداللطيف إلى عامل آخر "خطير" من العوامل المسببة للعواصف.

"استنزاف خزين المياه الجوفية،" يوضح عبد اللطيف، "فإن كثيرين بدأوا باستخدام المياه الجوفية في الزراعة مطمئنين جدا، دون معرفتهم أنهم يستنزفون خزين البلاد من المياه".

وارتفعت درجات الحرارة بمقدار 5 درجات، وفقا للخبير البيئي، في البصرة وفي المحافظات الجنوبية خلال الأعوام القليلة الماضية.

وهناك احتمال تسجيل ارتفاع جديد لدرجات الحرارة خلال العام الحالي والأعوام القادمة، ما سيؤدي إلى تبخر كميات أكبر من المياه ما يعني مزيدا من الأضرار على القطاع الزراعي والحياة عموما، خصوصا في المناطق الجنوبية من البلاد.

ويقول المتحدث باسم وزارة البيئة العراقية، لؤي المختار، في حديث لوكالة الانباء العراقية الرسمية، في 12 أبريل، إن "معظم العواصف الترابية تأتي من خارج الحدود بنسبة 50% الى 60%، وجزء منها يتكون داخل الحدود".

واستبعد المختار حصول عواصف ترابية كثيرة هذا العام، "وحتى إذا هبت فلن تكون تأثيراتها حادة أو شديدة، إثر الرطوبة وهطول بعض الأمطار في الأشهر الأخيرة من الربيع الحالي".

وكانت الدائرة الفنية في وزارة البيئة، قد أعلنت في بيان عام 2022 عن خطة تتضمن جملة من الحلول التي كان يجب القيام بها لتفادي تأثير العواصف الترابية.

وتضمنت الخطة زيادة مساحة الغطاء النباتي، وإنشاء الغابات التي تكون مصدات للرياح من أشجار مناسبة قوية الجذوع وسريعة النمو وقليلة الحاجة للمياه وتتحمل درجات حرارة مرتفعة.

وقالت، حينها، إن هذه الحلول تتطلب أولا إجراء دراسة تتضمن تحديد نوع العواصف الترابية ومواقع اختلال الضغط الجوي ونوع الأشجار. 

وقالت الدائرة الفنية في وزارة البيئة، في بيانها عام 2022، إنها كانت بصدد البحث في إمكانية تخصيص مبلغ 100 مليون دولار كمرحلة أولى لمشروع الحزام الأخضر، ودراسة استخدام مياه المجاري لسقي الأشجار غير المثمرة.

ولمعرفة  آخر التطورات في تنفيذ تلك الخطة، اتصل موقع "الحرة" بالمتحدث باسم وزارة البيئة، لؤي المختار، لكنه لم يجب على أي من أسئلة الموقع.

ويشير الصحفي المختص في قضايا المناخ، مرتضى حميد، إلى أن المناطق الجنوبية من العراق هي الأكثر تضررا جراء تغير المناخ.

ويوضح حميد لـ"الحرة" أن "انخفاض مناسيب المياه أثر على واقع التربة وقلص الزراعة في مدن جنوب العراق، ووصلت نسبة تقليص المساحات الزراعية إلى نحو 50% مقارنة بالخطط الزراعية السابقة. وانحسرت مستويات مياه الأهوار، الأمر الذي دفع السكان المحليين، الذين كانوا يمارسون المهن التراثية ويحافظون عليها، إلى النزوح والهجرة، فضلا عن فقدان هذه المناطق نسبة كبيرة من ثروتها الحيوانية أيضا".

فقدت محافظة ذي قار الجنوبية وحدها ما يقرب من 8000 رأس من الجاموس، هلكت بسبب الجفاف وانخفاض مناسيب مياه الأهوار، وفقا لحميد.

وأدى الجفاف إلى اختفاء العديد من أنواع السمك، وشحة عدد آخر منها كأسماك البني والقطان.

واختفت من "طبيعة جنوب العراق" أنواع من الطيور المائية. ويلفت حميد إلى أن نحو 20 نوعا من الطيور المهاجرة من سيبيريا ومناطق شرق آسيا، كانت تهاجر إلى الأهوار في الربيع سنويا، لم تعد تأتي الآن.

ويعتبر العراق، وفق الأمم المتحدة، خامس البلدان الأكثر تعرضا للتدهور المناخي عالميا، نظراً للظواهر المناخية العنيفة التي تعصف به منذ نحو عشر سنوات.

وأشارت إحصائيات صادرة عن الأمم المتحدة إلى أن العراق شهد عام 2021 ثاني أكثر مواسمه جفافاً منذ 40 عاماً، بسبب الانخفاض القياسي في هطول الأمطار. 

وعلى مدى السنوات الأربعين الماضية، انخفضت، بنحو 40%، تدفقات المياه في نهري الفرات ودجلة، اللذين يوفران نحو 98% من المياه السطحية في العراق.

ويعزو خبير الإستراتيجيات والسياسات المائية عضو هيئة التدريس في جامعة دهوك، رمضان حمزة، أسباب تعمق مظاهر التغير المناخي ومن ضمنها ازدياد العواصف الترابية، إلى سوء إدارة الموارد المائية والاستمرار في اتباع الطرق التقليدية في الزراعة التي تستهلك كميات كبيرة من المياه، وانعدام الغطاء الأخضر، وعدم التوسع في الزراعة سواء في زراعة النخيل أو الزراعات الأخرى، وعدم إنشاء الأحزمة الخضراء التي تقلل من العواصف الغبارية.

ويؤكد حمزة على أن عدم تعامل العراق - ودول المنطقة - مع هذه العوامل بشكل جدي، تسبب في زيادة تأثيرات تغير المناخ في العالم بشكل عام ومنطقة الشرق الأوسط المعرضة لتغير المناخ بشكل خاص.

ويتوقع حمزة في حديثه مع لـ"الحرة" أن يشهد العراق مزيدا من العواصف، وتتكرر بزيادة، لأن زيادة رقعة التصحر في المنطقة يؤدي إلى زيادة في تردد العواصف الترابية بشكل عام".

وبحسب حمز، يتطلب الحد من تأثيرات تغير المناخ في العراق جملة من الإجراءات والخطوات، تأتي في مقدمتها إدارة الموارد المائية والبدء بزراعة البادية الغربية على الأقل بالأعلاف وتوفير المياه لها من مياه البزل الموجودة من بعض الآبار في المنطقة وسدود الحصاد المائي.

ويتابع "هذه الخطوات ستساعد في زراعة البادية الغربية من العراق بشكل مكثف وإدارة الموارد المائية للاستفادة من الزراعات الموجودة. حاليا هناك تجربة للعتبتين الحسينية والعباسية وتوسعهما في الزراعة في محافظة كربلاء وسط العراق".

لكن حمزة يحذر في الوقت ذاته من أن هذه المشاريع قد تشكل استنزافا للمياه الجوفية، مشيرا إلى أن العراق بحاجة إلى إدارة أو موازنة مائية دقيقة، تحصي كميات المياه الداخلة إلى البلاد والمياه السطحية والمياه الجوفية، إلى جانب معالجة مياه الصرف الصحي الخارجة من المدن واستخدامها في الزراعة خاصة زراعة الأشجار غير المثمرة كسقي الأحزمة الخضراء والأعلاف وغيرها.

ويلفت خبير الاستراتيجيات والسياسات المائية إلى أن العراق لم يكن جادا في المعالجة، وإنما تعامل معها شكليا مثل حضور المؤتمرات والادلاء بتصريحات دون وجود معالجة حقيقة.

"لهذا ستكون الكارثة أكبر ولن يكون بالإمكان تحمل تداعياتها".

"بدأ العراق بتصفير الخزين الاستراتيجي للسدود للاستفادة منه لرية الفطام لمحصولي القمح والشعير". ويحذر حمزة من أن موسم الصيف المقبل سيكون صعبا جدا على العراقيين من ناحية ارتفاع درجات الحرارة والعواصف الغبارية وقلة المياه".

وفي تقرير نشرته منظمة الهجرة الدولية (IOM) في نوفمبر 2023 على موقها، قال رئيس بعثة المنظمة في العراق، جيورجي جيغاوري، إن "تغير المناخ في العراق ليس مجرد مشكلة بيئية. ومن المحتمل أن تتحول إلى أزمة إنسانية. فهو يغذي الاستغلال ويساهم في التنقل القسري".

ووفق التقرير سجل برنامج المنظمة الدولية للهجرة لتتبع حالات الطوارئ المناخية في العراق، نزوح أكثر من 130,000 شخص بين الأعوام 2016 و2023 بسبب الآثار السلبية لتغير المناخ في مناطقهم الأصلية. 

وأشارت المنظمة إلى هجرة سكان 10 مناطق في قضاءي الناصرية وسوق الشيوخ في محافظة ذي قار الجنوبية بالكامل.

ولفت إلى أن ازدياد موجات الهجرة من الريف إلى الحضر تأتي استجابة للتدهور البيئي والمخاطر الطبيعية بمعدل ينذر بالخطر، حيث تبحث الأسر عن عمل في المناطق الحضرية أو تضطر إلى إرسال أطفالها للعمل في المدن للتغلب على فقدان الدخل.