فرقة "سومريات" العراقية خلال أحد عروضها في العاصمة بغداد
فرقة "سومريات" العراقية خلال أحد عروضها في العاصمة بغداد- من حساب الفرقة على فيسبوك

"لا معنى للخلفيات القومية والطائفية في الفرقة، فهي تذوب معا لتشكل الهوية العراقية الجامعة"، تقول شمس سمير (20 عاماً) وهي مطربة وعازفة عود في "سومريات".

وفي خليط قومي وعرقي وطائفي منسجم ومتناغم، قوامه 60 امرأة تغني وتعزف في آن واحد، تظهر فرقة "سومريات" على أهم المسارح في العاصمة، بغداد، بعد عامين ونصف فقط من تأسيسها، كأن باعها من الزمن عقود.

يقود الفرقة المايسترو العراقي علاء مجيد، الذي عاد لوطنه بعد سنوات من الاغتراب في أوروبا، مدفوعاً بحبّه للموسيقى العربية الذي لازمه حتى وهو بعيد عن بلده.

"سومريات" التي تأسست عام 2022، تجمع عازفات ومطربات عراقيات أصغرهن عمرها 12 عاماً، وجميعهن شابات من خريجات أو طالبات المعاهد الموسيقية في العراق، مثل مدرسة الموسيقى والباليه، وكلية الفنون الجميلة، ومعهد الدراسات الموسيقية.

وبينهن حاملات شهادات عليا في الموسيقى، وخريّجات كليات الأدب واللغة، أو طالبات في مقاعد كلية طب الأسنان في بغداد.

هؤلاء الشابات، هنّ كما يقول المايسترو ورئيس الفرقة علاء مجيد "حفيدات النساء العراقيات العظيمات وسليلات الملكة شبعاد"، حيث يمثلن اليوم وجه العراق "المتحرر والمتحضّر والمتمدّن، المنفتح على العالم".

وبالتوازي مع مشهدية الصوت المتآلف والتجانس الشعوري الذي يظهر في الوجوه النابضة بالمرح والشغف، مع الموسيقى الاحترافية التي تصدح بها مختلف الآلات بعضها مهدد بالنسيان مثل آلة السنطور والجوزة، يأتي الزيّ ليكمّل الصورة عبر الرمزيات التي يحملها من حضارات بلاد الرافدين.

في الوقت ذاته، لا يخلو هذا المشهد الجمالي من التحديّات، فالفرقة لغاية الآن تعمل بجهود طوعية على مختلف المستويات.

 

 

لماذا كانت "سومريّات"؟

لم تكن فرقة "سومريات" الأولى التي يقودها المايسترو مجيد ويقدمها للجمهور العربي وحتى الغربي، فقد أسس فرقة "طيور دجلة" عام 2009 أثناء إقامته في السويد، وبعد انتقاله للعاصمة البريطانية، لندن، أسس فرقة "الغناء العربي" وأكاديمية الغناء العربي، ليمضي هناك خمس سنوات قبل العودة للعراق.

"انتمائي لوطني وإيماني بأولوية العمل فيه، أعادني"، يقول مجيد، مبيناً أنه يقود فرقتين اليوم، هما "سومريات" والفرقة الوطنية للتراث الموسيقي. وكلتا الفرقتين قدمتا عروضاً حضرها آلاف العراقيين في بغداد ومدن أخرى.

وكان مقرراً تقديم عروض لسومريات في 26 و27 سبتمبر الماضي، لكن تم إلغاؤها نتيجة التصعيد العسكري بين إسرائيل وحزب الله الذي أدى لمقتل أكثر من 1500 لبناني وعمليات نزوح ولجوء طالت أكثر من مليون شخص في داخل وإلى خارج لبنان.

حين عاد للعراق، وجد مجيد عشرات النساء المبدعات من خريجات المعاهد الموسيقية في العراق، ولكن دون فرصة تبرز حضورهن كمطربات وعازفات وتقدّمهن للجمهور، فقرر أن يشكّل فرقة للنساء فقط، اختار لها اسم "سومريات".

يشرح مجيد لموقع "الحرة": "اخترت اسم سومريات، لأن أقدم آلة موسيقية عرفت في سومر قبل حوالي 6 آلاف عام، وأقدم مطربة في سومر كانت تغني وتعزف على القيثارة كان اسمها ننتو".

وخط الفرقة كما يؤكد المايسترو هو "الفن الملتزم"، لذلك فإنهن لا يقدمن العروض في أي مكان.

ورسالة الفرقة ليست فنية فقط، بحسب مجيد، مضيفاً "هي رسالة تمدّن وتحضّر وانفتاح للعالم، وأن المرأة العراقية مبدعة".

المايسترو العراقي علاء مجيد خلال أحد عروض الفرقة

تتدرب الفرقة ثلاث مرات أسبوعياً، وجميعهن بما فيهم المايسترو مجيد، يعملون بشكل طوعي، دون أي تمويل أو مردود مالي.

يلفت مجيد إلى أن أغلب المصروفات بدءاً بالوصول إلى التدريب حتى أجهزة الصوت والإضاءة والتصوير وغيرها من متطلبات وتبعات العروض من "إنفاقنا الشخصي".

ويقول: "هذا تحدّ كبير لنا، فبعد عامين ونصف لا مردودات مادية أو دعم مالي من أي جهة، لكن وزارة الثقافة العراقية وعدتنا بأن تضم الفرقة لإحدى مؤسساتها، وهذا سيضمن تحسين أوضاع الفرقة المالية".

بقيادة المايسترو علاء مجيد.. فرقة سومريات تنثر سحرها على خشبة المسرح الوطني على أنغام "يالجمالك سومري" و"تعال لحبك انا...

Posted by ‎فرقة سومريات الموسيقية‎ on Saturday, February 17, 2024

 

تراث عربي متنوع

70 في المئة مما تقدمه الفرقة اليوم هو تراث موسيقي عراقي، وهو أيضاً خليط ثقافي يعكس مختلف مكوناته من جنوبه لشماله، وبأكثر من لغة. وهذا ليس فقط على مستوى الأغاني والألحان، فالعضوات أيضاً من مختلف المكونات.

لكن الطاغي نوعاً ما في العروض الموسيقية لـ"سومريات" هو التراث البغدادي، بحسب المايسترو مجيد. ويبيّن أن هدف الفرقة الأساسي تقديم كل ما هو جميل وقديم من مختلف الدول العربية، فبين عرض وآخر، تغني إحدى المطربات من تراث المغرب أو الجزائر أو مصر أو لبنان، وغير ذلك.

وهذا الأمر آخذ بالتوسع مع طول مسيرة الفرقة وتعدد عروضها. وقد غنت الفرقة بالفعل من كلاسيكيات الموسيقى العربية لفيروز وعبد الحليم حافظ وأم كلثوم، على سبيل المثال.

تغني شمس من بغداد باللغتين التركمانية والتركية إضافة للعربية، وتظهر في هذا الفيديو بأغنية تركية.

وتعتبر في حديثها مع "الحرة" أن الموسيقى لا توحد فحسب أبناء المجتمع الواحد فقط، فهي "لغة عالمية" تقطع حدود اللغة بألحانها وإيقاعاتها، لتصل إلى قلب المستمع مباشرة.

"حتى الطفل الذي لم يبدأ التكلم بعد، تجدينه يرقص ويشعر بالفرح لمجرد سماع أنغام موسيقية"، تتابع شمس التي تخرجت من مدرسة الموسيقى والباليه، وتدرس حالياً طب الأسنان في الجامعة الأميركية.

المطربة والعازفة شمس سمير خلال أحد عروض فرقة "سومريات"

 

"عائلة واحدة"

بين فيديو وآخر يسجّل أغاني الفرقة خلال عروضها المتنوعة، نجد دائماً الابتسامة لا تفارق وجوه الشابات، إما يتبادلنها أو يُظهرنها تأثراً ببهجة اللحن أو بجمال الصوت الغنائي، وهو ما يظهر على وجه المايسترو نفسه.

وحين تغني جميعهن المقاطع الكورالية، يبدو الصوت واحداً وموحداً كأنه ترنيمة عراقية مألوفة.. كيف كان كل هذا التجانس والانسجام خلال عُمر الفرقة القصير جداً؟ 

يقول رئيس الفرقة علاء مجيد لـ"الحرة": "هناك علاقة ودية وطيبة بين جميع الشابات، لديهن حب لما يفعلنه وأيضاً هدف واحد، وأنا لا أقيّد الابتسامات وإظهار مشاعرهن بحرية فهذا جزء من العمل الإبداعي الجمالي".

والفرقة "تعني لي كثيراً، ولولا الود بينهن والعلاقة الإيجابية بيننا جميعاً، لضاعت الابتسامة"، يتابع مجيد.

هذا الأمر تؤكده عضوات الفرقة اللواتي تحدثن لـ"الحرة". تقول الطفلة ماري سلمان (13 عاماً) من بغداد، وهي عازفة بيانو، "أحب في الفرقة روح التعاون الكبيرة كأننا عائلة واحدة، وحبي للموسيقى جعلني أنتمي لسومريات".

وتعزف ماري مذ كان عُمرها أربعة أعوام، حيث لاحظ والداها أنها تحرّك أصابعها بطريقة العزف حين كانت تسمع الموسيقى والأغاني في البيت، فقررت أمها تسجيلها في معهد للموسيقى، وحالياً هي طالبة في مدرسة الموسيقى والباليه.

من جهتها، تقول شمس سمير "رغم تنوعنا وقدومنا من مناطق مختلفة داخل العراق، إلا أننا لا نميز بين بعضنا البعض، وحين نجلس معاً نشكّل عائلة واحدة هي العراق".

فاطمة عزيز (20 عاماً) وهي من بغداد أيضاً وعازفة كمان في الفرقة، تعبّر لـ"الحرة" عن سعادتها في كونها جزءاً من "سومريات"، ذلك لدورها في "إبراز إمكانيات النساء العراقيات في مجال الموسيقى، بعد أن كان ذلك محدوداً جداً".

وتشير الطالبة في كلية الفنون الجميلة، إلى مشاركتها تحديداً في تقديم أغنية "قارئة الفنجان" للمطرب المصري الراحل عبد الحليم حافظ، خلال أحد العروض.

فاطمة رؤوف عزيز، طالبة في كلية الفنون الجميلة وعازفة كمان في "سومريات"

في السياق ذاته، تعرب العازفة على آلة الجوزة، ليان عبد الأمير (19 عامًا)، عن سعادتها البالغة لكونها جزءاً من فرقة سومريات، بالقول: "شعوري لا يوصف، هذه تجربة فنية عظيمة جدا بالنسبة لي". 

وتضيف الطالبة في معهد الدراسات الموسيقية ببغداد، أنها اختارت هذه الآلة لـ"فرادتها وقلة عدد النساء اللواتي يعزفنها في العراق".

"أردت أن أتميز بها وأطمح للاحتراف على خطى العازفة والمطربة هزار بسام (في سومريات أيضاً)،" تضيف ليان.

وتشير إلى أنها قدمت العديد من عروض العزف المنفرد، خصوصا خلال حفلات مدرسة الموسيقى والباليه. 

والجوزة هي آلة وترية تقليدية، تعتبر أساسية في موسيقى المقامات العراقية. وسميت بذلك لأن صندوقها الصوتي يُصنع من قشرة جوز الهند.

ثوب "سومري"

ترتدي العضوات في فرقة "سومريات" زيّاً خاصاً بهن، أبدعته مصممة الأزياء الكردية روشن. يقول المايسترو مجيد إنه "يحمل رسم القيثارة السومرية، وكُتب اسم الفرقة عليه باللغة المسمارية أقدم لغات الكون".

أما طوق الرأس، الذي ترتدينه عضوات الفرقة، فهو مطابق تماماً لتاج الملكة شبعاد "فهؤلاء حفيداتها العراقيات" بحسب مجيد.

من مقتنيات عثر عليها في قبر الملكة السومرية شبعاد- المتحف البريطاني

العراق

في زوايا معتمة تحت الأرض، وفي مناطق عسكرية مغلقة لا تدخلها حتى الدولة، تتوسع بصمت إمبراطورية تسليح تقودها إيران من قلب العراق.

ليست مجرد شحنات تمر عبر الحدود، بل مصانع متكاملة، وخبراء تحت غطاء دبلوماسي، وتكنولوجيا حربية متقدمة تُبنى وتُختبر داخل الأراضي العراقية ـ وكل ذلك تحت مظلة هيئة الحشد الشعبي.

من الطائرات المسيّرة الانتحارية إلى صواريخ "رعد 1" بعيدة المدى، لم تعد هذه الأسلحة تُصنع في طهران فحسب، بل أيضا في جرف الصخر والزعفرانية وعين التمر والنهراون، لتغذي صراعات في اليمن، وسوريا، ولبنان. 

والنتيجة؟ عراق محاط بالاتهامات، غارق في شبكات السلاح، ومهدد بالتورط في حروب لا تعنيه.

ورغم محاولات الحكومة العراقية التأكيد على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، يظهر الواقع على الأرض عكس ذلك، مع عشرات الميليشيات التي لا تزال تحتفظ بترسانتها من الأسلحة وتعمل كذراع إقليمي لطهران.

في خضم الحرب ضد تنظيم داعش قبل بعض سنوات، استطاعت إيران نقل جزء من تكنولوجيتها العسكرية إلى العراق، وأسست بنية تحتية لصناعة الأسلحة وتخزينها، بالتعاون مع الفصائل العراقية المسلحة الموالية لطهران.

تنتج مصانع السلاح التابعة لمديرية الإنتاج الحربي في هيئة الحشد الشعبي طائرات مسيرة وصواريخ بالستية متنوعة المديات، وتطور دبابات ومدرعات روسية وأنظمة اتصالات رقمية وغرف تحكم وسيطرة، إلى جانب مدافع ثقيلة وقذائف وقطع غيار وأسلحة متوسطة وخفيفة وذخائر.

ورغم حديث هيئة الحشد الشعبي عن تطوير قدرات تسليحية أحيانا، اعتذر العديد من السياسيين وحتى الخبراء العراقيين المقربين من أحزاب السلطة والمعارضين أيضا، من الحديث عن الموضوع.

ويرجح خبراء وسياسيون تحدث معهم موقع "الحرة" التكتم عن الموضوع ناتج الخوف من التعرض للاستهداف أيدي مخابرات الحرس الثوري الإيراني التي تتولى "بالتنسيق مع المليشيات العراقية ملف حماية الخبراء الإيرانيين ومواقع صناعة الأسلحة والصواريخ.

ولمعرفة تفاصيل الصناعات الحربية في هيئة الحشد الشعبي، تواصل موقع "الحرة"، 

واعتذر  كريم الكناني، مسؤول العلاقات في هيئة الحشد، عن التصريح، قائلا إنه "ليس مخولا" التصريح عن هذا الموضوع، بينما لم يجب المتحدث الرسمي للهيئة، مؤيد الساعدي، على أسئلة "الحرة".

في المقابل، يشير القيادي في حزب الحرية الكردستاني الإيراني المعارض، خليل نادري، إلى أن إيران ما زالت تواصل تزويد مليشياتها في العراق بالسلاح، وترسل عبر العراق السلاح وقطع الغيار إلى ميليشياتها في اليمن ولبنان.

ويضيف نادري لموقع "الحرة" أن "الحرس الثوري يتبع طريقتين لتزويد المليشيات في العراق والمنطقة بالسلاح: الأولى هي إرسال الأسلحة بشكل مباشر، والثانية إرسال قطع الغيار والخبراء المختصين بصناعة الأسلحة إلى هذه البلدان".

ويلفت نادري إلى أن قطع غيار الأسلحة تصل على شكل قطع متفرقة كي لا تثير الشكوك بينما يدخل الخبير الإيراني تحت غطاء موظف دبلوماسي وينتقل فيما بعد إلى موقع صناعة الأسلحة.

ويشير نادري إلى أن الأسلحة التي يصنعها الحشد  الشعبي في العراق، وخاصة الطائرات والصواريخ، لم تكن خاصة بتسليح المليشيات داخل العراق فحسب، بل زود الحرس الثوري مليشيات الحوثي وحزب الله اللبنانية بها.

وتتوزع مصانع سلاح الحشد الشعبي، وفقا لنادري، في مناطق متفرقة من العراق، منها مصانع تحت الأرض مخفية تمام عن الأنظار، وأخرى في مناطق عسكرية مغلقة لا تستطيع حتى الجهات الحكومية العراقية دخولها، ومنها المصانع الواقعة في بلدة جرف الصخر جنوب غربي العاصمة بغداد.

ويضيف نادري "تحتضن بلدة جرف الصخر مواقع رئيسية لصناعة الصواريخ ومحركاتها وإنتاج وقودها. وتنتج هذه المواقع صواريخ قصيرة المدى إلى جانب إنتاج الصواريخ البالستية واختبارها، بينما تتمركز في بلدة الزعفرانية جنوب شرقي بغداد صناعة صواريخ أرض ـ أرض وقذائف الهاون الثقيلة".

ويشير نادري إلى أن بلدات عين التمر في محافظة كربلاء، والنهراون في بغداد، تحتضن هي الأخرى مصانع صواريخ ومخازن خاصة بتخزين هذه الصواريخ إلى جانب مصانع خاصة بالذخائر ومخازنها أيضا.

ووفق القيادي الكردي الإيراني، أنشأ الحرس الثوري مصنعا لإنتاج الصواريخ ومنها صاروخ "رعد1"، وهو من فئة الصواريخ بعيدة المدى الذي يعرف بإمكانياته الكبيرة في تجنب الدفاعات الجوية.

واستعرضت هيئة الحشد الشعبي طائرات مسيرة قالت إنها من صناعاتها الحربية، خلال الاستعراض العسكري الذي نظمته بمناسبة الذكرى السابعة لتأسيسها عام 2021.

وأشارت "قناة العالم" الإيرانية في تقرير مصور عن الاستعراض، إلى أن الطائرات المسيرة التي استعرضها الحشد كانت إحداها شبيهة بطائرات "سايا" الإيرانية وطائرات "صماد 3"، التي تستخدمها مليشيات الحوثي اليمنية في هجماتها، وهي طائرات انتحارية.

وفي استعراض لها عام 2022، كشفت هيئة الحشد عن أسلحة جديدة ومتطورة، وأشارت مواقع عراقية وأخرى إيرانية قريبة من الحرس الثوري، إلى أن أبرز الأسلحة التي استعرضها الحشد شملت منظومة حسيب والراصد للقيادة والتحكم في الطائرات المسيرة، ودبابات 72T الروسية، التي أجرت عليها شركة كرار الإيرانية تعديلا تمثل بإضافة الدروع الجانبية لها، إلى جانب استعراض أجهزة تشويش، وأبراج اتصالات متنقلة حديثة.

وتكشف معلومات دقيقة حصل عليها موقع "الحرة" من حزب الحرية الكردستاني المعارض، عن وجود العديد من الشركات الإيرانية المختصة بالصناعات العسكرية مرتبطة بالحشد الشعبي، وتعمل فرق مهندسيها وخبرائها داخل مصانع أسلحة الحشد.

من تلك الشركات شركة "رستافن ارتباط" التي تشكل جزءا من الصناعات الدفاعية الإيرانية، وهي مختصة بتوفير خدمات الاتصال والمعدات المختصة بالاتصالات والمنظومات الإلكترونية وقطع غيار الأسلحة للقوة الجوية التابعة للحرس الثوري ومجموعة صناعات الصواريخ البحرية الإيرانية، إلى جانب الرادارات.

وإلى جانب "رستافن ارتباط"، تنشط في هذا المجال شركة "فناور موج خاور"، المعروفة بـ"فناموج"، المختصة بصناعة الصواريخ وتجربتها وهي شركة تصميم وصناعة كافة أنواع الصواريخ ومكوناتها.

وتشير معلومات "حزب الحرية" الكردستاني الإيراني إلى أن شركة شاهد لصناعات الطيران موجودة أيضا في العراق، وهي شركة إيرانية مختصة بتصميم وصناعة المروحيات والطائرات المسيرة، وتنقل هذه الشركة طائراتها المسيرة من طراز "شاهد101" و"شاهد136" على شكل قطع إلى داخل العراق ليتم تجميعها داخل مصانع الحشد الشعبي.

وضمن متابعته لملف صناعة السلاح الإيراني في العراق، تواصل موقع "الحرة" مع قيادي في أحد الأحزاب العراقية القريبة من الإطار التنسيقي، الذي اشترط عدم الإشارة الى اسمه أو اسم حزبه مقابل الحديث عن ملف صناعات الحشد الشعبي الحربية.

وفي عام 2018، نقلت رويترز في تقرير استقصائي عن مصادر إيرانية وعراقية وغربية "أن طهران قدمت صواريخ باليستية لجماعات شيعية تقاتل بالوكالة عنها في العراق، وإنها تطور القدرة على صنع مزيد من الصواريخ هناك لدرء الهجمات المحتملة على مصالحها في الشرق الأوسط ولامتلاك وسيلة تمكنها من ضرب خصومها في المنطقة".

وخلال السنوات الماضية، تسببت أسلحة المليشيات بإحراج العراق دوليا عبر هجماتها المتكررة على قواعد عسكرية ومصالح أميركية في إقليم كردستان ومناطق العراق الأخرى وسوريا، واستهدافها للداخل الإسرائيلي.

وعلى الرغم من أن الحكومة العراقية تؤكد باستمرار سعيها لحصر السلاح بيدها، بما في ذلك سلاح المليشيات المسلحة، لكن دون جدوى فهذه المليشيات ما زالت متمسكة بأسلحتها.

وقال مستشار رئيس الوزراء العراقي للعلاقات الخارجية، فرهاد علاء الدين، في تصريح لموقع "الحرة" في أبريل الماضي، إن رئيس الوزراء، محمد شياع السوداني، أكد في أكثر من مناسبة التزام العراق الثابت بحصر السلاح بيد الدولة، وضمان خضوع جميع التشكيلات المسلحة، بما في ذلك هيئة الحشد الشعبي، بشكل كامل للقائد العام للقوات المسلحة.

وأوضح علاء الدين أن "الحكومة تمضي بخطى مدروسة نحو استكمال هيكلة المنظومة الأمنية، من خلال حوارات بنّاءة مع مختلف الأطراف الوطنية، بهدف تعزيز سلطة الدولة، وحماية السلم والاستقرار، ومنع أي محاولات لزجّ العراق في صراعات إقليمية لا تخدم مصالحه".

ويرى السياسي العراقي المستقل، مثال الآلوسي، أن هدف إيران من تصنيع المسيرات والصواريخ محليا بأيادي عراقية داخل العراق هو إطلاق يد المليشيات فوق الدولة والقيام بإرهاب الأطراف العراقية لغرض ابتزازها أو السيطرة عليها، وابعاد مسؤولية هذا الإرهاب عن طهران.

ويضيف الآلوسي لموقع "الحرة"، "ينبغي فهم أن عمليات تصنيع السلاح الإيراني خارج إيران تجري ضمن شراكة كبرى تعتمد على المال العراقي والغطاء والنقل بمساهمة عراقية وكذلك العاملين والمصنعين، والجميع شركاء في رسم صورة تحكم طهران بالإرهاب الإقليمي".

وأضاف أن "إيران تعمل بأصابعها العراقية لتنفيذ أهدافها ومنها إعادة تسليح حزب الله اللبناني والجماعات الأخرى الموالية لها في المنطقة".

وتنضوي تحت جناح الحشد الشعبي أكثر من 70 ميليشيا مسلحة معروفة، إلى جانب عشرات من الميليشيات غير المعروفة، التي أشرف الحرس الثوري الإيراني عبر جناحه الخارجي "فيلق القدس" على تأسيسها في أوقات مختلفة، وقد شاركت غالبية هذه الفصائل خلال السنوات الماضية في الحرب الأهلية في سوريا ضمن صفوف المليشيات الإيرانية.

وأعلنت مساندتها لحزب الله اللبناني وشنت العديد من الهجمات الصاروخية على أهداف داخل إسرائيل خلال عامي 2023 و2024 قبل إعلانها إيقاف الهجمات مؤقتا في نهاية العام الماضي 2024.

ويعتقد المحلل السياسي في مركز "رامان" للبحوث والاستشارات، شاهو قرداغي، أن خطاب قيادات الحشد الشعبي وذهابهم سابقا للقتال خارج العراق يبين أن جزءا من هذه الأسلحة، رغم ادعاء استخدامها للدفاع عن العراق فقط، انتهت بيد فصائل موالية لإيران خارج العراق، سواء في سوريا أو غيرها.

ويوضح قرداغي لموقع "الحرة" أن "وصول هذه الأسلحة إلى فصائل غير عراقية خطر حقيقي يهدد بتوريط العراق في صراعات ومشاكل خارجية هو في غنى عنها خاصة في ظل حالة الهدوء والاستقرار وتوفير الخدمات التي يعيشها البلد خلال الفترة الحالية".

ويؤكد قرداغي على أن إيران تستغل الأراضي العراقية كقاعدة خلفية لتسليح وتمويل أذرعها المسلحة في المنطقة، فهي تُدخل خبراء وسلاح عبر حدود غير خاضعة لسيطرة الدولة، وتستخدم الفصائل كغطاء لتمرير السلاح إلى مليشياتها في سوريا ولبنان واليمن، مما يورط العراق في صراعات إقليمية لا ناقة له فيها ولا جمل.