مقاتلون من حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل - صورة أرشيفية - فرانس برس
مقاتلون من حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل شمالي العراق

تسبب الصراع المسلح بين حزب العمال الكردستاني التركي  (PKK)، والجيش التركي طيلة العقود الأربعة الماضية، في تهجير سكان 800 قرية، وسقوط مئات الضحايا من المدنيين في إقليم كردستان العراق، شمالي البلاد.

يتخذ حزب العمال الكردستاني، المصنف على لوائح الإرهاب الدولية، والجيش التركي من شمال العراق ساحة لصراع طويل بينهما.

تتمركز الجماعة، التي تُعارض سياسات أنقرة، في المناطق الجبلية الوعرة داخل إقليم كردستان، ولا سيما في مناطق قنديل وسنجار ومخمور. وتشكل هذه المناطق قاعدة شبه آمنة لعملياتها، لكنها تبقى عرضة لهجمات مستمرة من الجيش التركي.

تسبب وجود الجماعة الكردية في خلو مئات القرى المحيطة بجبال قنديل من سكانها، وكذلك الحال مع سكان قرى في حدود محافظتي أربيل ودهوك وإدارة زاخو.

اضطر هاشم عمر، وهو مواطن عراقي يسكن قرية كشان التابعة لقضاء باطوفا في إدارة زاخو في إقليم كردستان، إلى ترك القرية منذ أكثر من ثلاثة أعوام بسبب المعارك والقصف التركي.

يعيش عمر، الذي نزح مع سكان قريته، حاليا في مركز ناحية باطوفا، على أمل العودة بعد انتهاء الصراع.

يقول لموقع "الحرة": "تكبد سكان القرى الحدودية خسائر بشرية ومادية لا تُعد ولا تُحصى. قرانا تعرضت للقصف والتهجير، وأحرقت الجبال من قبل تركيا وإيران منذ عام 1991. قصفوا بيوتنا ومزارعنا وبساتيننا. حتى عيون الماء لم تسلم".

تنتشر عناصر الحزب الكردي على طول المثلث الحدودي العراقي التركي الإيراني، وصولا إلى الحدود العراقية السورية، وكذلك في جبل سنجار التابع لمحافظة نينوى.

يقول خبير العلاقات الدولية حسن أحمد مصطفى في مقابلة مع موقع "الحرة" إن "حزب العمال الكردستاني أنشأ قواعد عسكرية في منطقتي خوكورك وبهدينيان في إقليم كردستان عام 1984، وعزز وجوده بعد حرب الخليج عام 1991".

ويرى أن "وجود هذه الجماعة الكردية عطَّل العلاقات بين الأحزاب السياسية في كردستان العراق. سعى الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى الحد من عملياتها في المناطق الخاضعة لسيطرته، خشية من الانتقام العسكري التركي".

ويضيف مصطفى: "في المقابل، استخدم الاتحاد الوطني الكردستاني في بعض الأحيان، هذه الجماعة لمواجهة الحزب الديمقراطي. كل ذلك تسبب بتعقيد العلاقات بين الكرد، خاصة عندما سمح لحزب العمال بوجود محدود في السليمانية، مما أدى لاحقا إلى سيطرة مقاتلي العمال على جبال السليمانية".

ورغم مطالبة الحكومات المتعاقبة في الإقليم الكردي لحزب العمال الكردستاني، بعدم استخدام أراضيها لتنفيذ أي نشاطات سياسية أو عسكرية، لا يزال مستمرا في ذلك.

ويشير الخبير في العلاقات الدولية إلى أن "تركيا أسست في الفترة الممتدة من عام 1997 إلى العقد الأول من القرن الحالي قواعد عسكرية ومراكز مراقبة داخل كردستان العراق، خاصة في المناطق الحدودية مثل زاخو وأميدي. وكثفت أنقرة منذ عام 2019 عملياتها العسكرية التي تستهدف معاقل الحزب في قنديل وسنجار ومتينا، وأنشأت قاعدة عسكرية دائمة في الإقليم".

وبحسب إحصائيات شبه رسمية، أنشأت تركيا خلال السنوات الماضية أكثر من 87 قاعدة عسكرية داخل الأراضي العراقية على طول 200 كيلومتر من الحدود بين البلدين، منها 7 قواعد جديدة، أنشأتها خلال عملياتها العسكرية التي انطلقت في يونيو الماضي ضمن حدود منطقة برواري بالا في محافظة دهوك، بينما بلغ عمق توغلها 15 كيلومتراً، وهو أكثر بسبعة كيلومترات من العملية البرية السابقة التي كانت في عام 2021.

يتمتع إقليم كردستان بحكم شبه مستقل عن العراق وفق النظام الفدرالي الذي أقره الدستور العراقي النافذ لسنة 2005، لذلك تقع مسؤولية حماية الحدود على عاتق الحكومة الاتحادية في بغداد، التي أدرجت الجماعة الكردية على لائحة الأحزاب المحظورة.

وفي أغسطس الماضي، أعلن وزير الخارجية العراقي، فؤاد حسين، أن "وزيري الدفاع العراقي والتركي وقعا مذكرة تفاهم بشأن التعاون العسكري والأمني ومكافحة الإرهاب"، دون الإشارة إلى تفاصيل المذكرة التي قيل وفقا لتقارير، إنها تتضمن إجراءات متعلقة بحزب العمال الكردستاني.

ويعتقد الخبير الأمني والاستراتيجي، علاء النشوع، أن اختيار أراضي كردستان العراق ساحة للصراع، هدف مشترك بين العمال الكردستاني وتركيا، على حد قوله.

ويقول في مقابلة مع موقع "الحرة": "الجيش التركي يستخدم استراتيجية الهجوم المباشر على العمال الكردستاني ضمن أهداف الأمن القومي التركي، الذي يحرص على مقاتلته خارج جغرافيته، تجنباً للدخول في الفوضى التي تأخذ أشكالًا كثيرة من المواجهة والصراع، وقد تمتد إلى داخل العمق التركي".

ويضيف: "كان الخيار الأمني التركي، هو إبعاد كل قيادات الجماعة خارج الحدود، وهذا ما يُعرف بالمناورة على الخطوط الخارجية التي تتيح للقطعات التركية المرونة والحركة في اتجاه آمن من العمق، واستخدام كل المعدات في أرض المعركة".

وبحسب النشوع، يعتمد حزب العمال على تعبئة قتالية بمجموعات صغيرة، فإذا حاربت داخل الأراضي التركية فإنها ستكون لقمة سائغة للجهد الاستخباري التركي. لذلك، اختار مقاتلو هذه الجماعة الخروج من دائرة التطويق المباشر، إلى الانفتاح على خطوط بعيدة، وقرروا المواجهة في أراض غير مرصودة، تتيح لهم حرية الحركة والتنقل وسط تضاريس وعرة تسهل الغش والاختفاء، على حد قوله.

ويتزعم الحركة عبد الله أوجلان، الذي يُحبس انفرادياً في سجن آمرلي بتركيا منذ عام ١٩٩٩. وقبل أيام طرح رئيس حزب الحركة القومية التركي، دولت باهتشلي، مبادرة بشأن إطلاق سراحه، مقابل حل حزبه، لكن الجماعة الكردية لم تُبد أي موقف من المبادرة حتى اللحظة.

وجاءت المبادرة بعد هجوم شنه مسلحون على شركة (توساش) للصناعة الجوية والفضائية التركية، أدت إلى مقتل 5 أشخاص وإصابة 22 آخرين.

وتقول تركيا إن منفذي تلك العملية ينتمون لحزب العمال الكردستاني، ما دفع أنقرة لتنفيذ سلسلة هجمات على مواقع تابعة لحزب العمال الكردستاني في سوريا والعراق.

ويعتبر المحلل السياسي المختص بالشأن الكردي، هيرش بالاني، أن الصراع العسكري بين العمال الكردستاني والدولة التركية على أراضي إقليم كردستان العراق، هو صراع ناجم عن تاريخ من الطموح والمصالح السياسية والأمنية، وفقاً لتعبيره.

ويقول في مقابلة مع موقع "الحرة" إن "تركيا تسعى، بناءً على تاريخ الإمبراطورية العثمانية، إلى حماية مصالحها ونفوذها في العراق. كما أنها تعتبر القضية الكردية تهديداً لأمنها القومي. أما بالنسبة للعمال الكردستاني، الذي تحدث لفترة عن استقلال كردستان الكبرى كهدف له، فقد منح نفسه الحق في اتخاذ القرارات في جميع أجزاء كردستان، خاصة إقليم كردستان العراق".

ويتابع: "في المقابل، استمرت أنقرة في معارضة هذه المصالح، حتى وصلت إلى حرب دموية في التسعينيات ضد الإقليم، في محاولة القضاء عليه".

وحزب العمال الكردستاني (PKK) هو تنظيم سياسي وعسكري كردي، تأسس في عام 1978 بهدف "تحقيق حقوق الأكراد في تركيا". يُعتبر الحزب من أبرز الحركات الكردية في المنطقة.

أكراد إيران

على مدى عقود، وجدت الجماعات الكردية الإيرانية المعارضة لطهران ملاذا في تضاريس إقليم كردستان الوعرة، وتناثرت في مخيمات، بعيدة نسبيا عن متناول النظام الإيراني، لكنها لم تكن يوما خارج دائرة اهتماماتها. 

بنى هؤلاء المقاتلون وعائلاتهم حياة جديدة، في ظل تسامح حكومات عراقية متعاقبة، وتحت أنظار القوى الدولية. لكن هذا التوازن الهش بات اليوم مهددا من جديد.

في 24 أبريل، أصدرت مستشارية الأمن القومي العراقية، التابعة لمجلس الوزراء، قرارا يحظر جميع أنشطة الأحزاب والجماعات الإيرانية المعارضة الموجودة على الأراضي العراقية. 

الوثيقة، التي وقعها مستشار الأمن القومي، قاسم الأعرجي، وجهت القوات الأمنية والعسكرية وهيئة المنافذ الحدودية وحكومة إقليم كردستان باتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ القرار، بما يشمل إغلاق مقار الجماعات الإيرانية المعارضة، ومنع أي نشاط سياسي أو إعلامي أو عسكري لها على الأراضي العراقية. والأهم من ذلك، حظرت استخدام الأراضي العراقية كمنصة للتحريض أو شن هجمات ضد إيران.

يستهدف القرار الفصائل الكردية الإيرانية الرئيسية التي يعود وجودها في إقليم كردستان إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين فرت من قمع نظام آية الله روح الله الخميني بعد ثورته عام 1979. وقد أُنشئت مقارها ومخيماتها، بموافقة نظام صدام حسين آنذاك، في مناطق مثل بازيان، وقسلان، وبمو، وزركويز، وسلسلة جبال قنديل.

ورغم طرد منظمة مجاهدي خلق الإيرانية من العراق في عام 2016، استمرت الفصائل الكردية الإيرانية في نشاطها في إقليم كردستان، مع أنها كانت قد تخلّت عن العمليات العسكرية انطلاقا من الأراضي العراقية، وركزت على العمل السياسي والإعلامي. إلا أن ذلك لم يمنع طهران من مهاجمتها مرارا.

في عام 2023، وقّع العراق وإيران اتفاقا أمنيا يقضي بنزع سلاح الجماعات الكردية الإيرانية، وإغلاق قواعدها الحدودية، ونقلها إلى مخيمات خاضعة لإشراف الحكومة العراقية داخل الإقليم. وقد تم تنفيذ بعض بنود الاتفاق، لكن دون أن يشمل القرار حظرا شاملا على تلك الجماعات. 

قرار بغداد الجديد، في المقابل، يذهب إلى ما هو أبعد من الاتفاق السابق.

تواصلت قناة "الحرة" مع مستشارية الأمن القومي العراقية للاستفسار حول آليات تنفيذ القرار، لكنها لم تتلق أي رد.

ويرى قادة المعارضة الكردية أن الحظر الجديد يمثل انتهاكا للاتفاقات السابقة والتفاهمات الدولية. 

ويصف خليل نادري، المتحدث باسم حزب حرية كردستان الإيراني، القرار بأنه "حرب نفسية" تشنها طهران.

وضيف قوله "لن يكون لهذا القرار أثر كبير، لأن تنفيذه يعني إلغاء الاتفاق الأمني لعام 2023، وهو أمر لا يصب في مصلحة العراق ولا إيران".

وحذّر نادري من أن استمرار الضغوط قد يدفع الأحزاب إلى إعادة النظر في التزاماتها. وأضاف: "لقد أوقفنا نشاطنا العسكري منذ سنوات، احتراما لقوانين الإقليم وحماية له من الهجمات الإيرانية. النظام الإيراني يسعى لخلق توتر بيننا وبين الإقليم، لكنه سيفشل".

يوجد حاليا نحو 10 أحزاب كردية إيرانية معارضة تنشط في إقليم كردستان، من بينها الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (حدكا)، وأجنحة حزب كومله الثلاثة، وحزب حرية كردستان (PAK)، وحزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK)، وفصائل أخرى. وتتمتع العديد من هذه الأحزاب بدعم شعبي واسع داخل كردستان الإيرانية.

وأكد أمجد حسين بناهي، القيادي في حزب كومله لكادحي كردستان - إيران، أن قوات الأسايش في محافظة السليمانية أبلغت أجنحة الحزب الثلاثة بوجوب إخلاء مقارها في مناطق زركويز وبانه كوره وزركويزله، والانتقال إلى منطقة سرداش، تنفيذا للاتفاق الأمني.

وقال بناهي لـ"الحرة": "لقد التزمنا بقرارات حكومة الإقليم، ولم نقم بأي خطوة تُعرّض المنطقة للخطر. لكن لدينا شرط أساسي: توفير مساكن مناسبة لعائلاتنا في المناطق الجديدة التي سنُنقل إليها".

ورغم تأكيده على أن الحظر سيؤثر على نشاط الأحزاب الكردية المعارضة في كردستان العراق، أشار بناهي إلى أن قوة هذه الأحزاب الحقيقية تكمن في وجودها داخل إيران، وفي قاعدتها الشعبية الواسعة.

ويرى بناهي أن توقيت إصدار الحظر يعكس ضعف النظام الإيراني. وأوضح أنه "كلما واجه النظام أزمة داخلية، سارع إلى استهداف المعارضة الكردية، لإيهام الشعب بأنه لا يزال قويا ومتماسكا. لذلك نرى أن تصعيده ضدنا هو دليل على أنه يعيش أزمة داخلية وخارجية مزدوجة".

يؤكد خبراء أن الاتفاق الأمني لعام 2023 لم ينصّ على حظر تام لتلك الجماعات، بل اقتصر على تحجيم نشاطها العسكري، وهو ما كانت الأحزاب قد التزمت به فعليا في السنوات الأخيرة.

ويقول الخبير الأمني العراقي، علاء النشوع، إن القرار يعكس التوترات المتزايدة في المنطقة، خاصة في ظل سياسة "الضغط الأقصى" التي تنتهجها الولايات المتحدة تجاه طهران. ويضيف أن النظام الإيراني يدرك أن عدم التزامه بالشروط الأميركية قد يدفع واشنطن لاستخدام ورقة المعارضة الكردية للضغط عليه. ولذلك طلب من العراق سرا اتخاذ هذا القرار.

ويشدّد النشو على أن قرار بغداد يبعث برسالة مزدوجة، إلى إقليم كردستان من جهة، وإلى المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة من جهة أخرى، مفادها أن العراق لا يمكن أن ينفصل عن الرؤية الاستراتيجية لإيران في منطقة تعيش وضعا أمنيا وعسكريا معقدا.

تتّهم طهران الجماعات الكردية بتنفيذ عمليات مسلحة وتنظيم احتجاجات في مدن كردية داخل إيران، أبرزها احتجاجات سبتمبر 2022، التي اندلعت إثر مقتل الشابة الكردية الإيرانية مهسا أميني على يد شرطة الأخلاق، بزعم مخالفتها قوانين الحجاب.

بالتزامن مع تلك الاحتجاجات، شن الحرس الثوري الإيراني هجوما واسعا على مخيمات اللاجئين الإيرانيين شمالي العراق، مستخدما صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، ما أسفر عن مقتل 17 شخصا على الأقل، وإصابة أكثر من 50، بحسب مصادر صحية محلية.

وبحلول نهاية عام 2024، قدّرت مصادر غير رسمية عدد اللاجئين الكرد الإيرانيين في إقليم كردستان العراق بنحو 35 ألف لاجئ، معظمهم من النساء والأطفال.

ولم تقتصر الحملة الإيرانية على القصف الصاروخي؛ فقد شملت أيضا عمليات توغل بري واغتيالات، بالإضافة إلى قصف مدفعي طال قرى ومزارع، وتسبب في تدمير واسع للغابات والبنية الزراعية، ونزوح مئات المدنيين في الإقليم.

واليوم، ومع صدور قرار الحظر من بغداد، تجد المعارضة الكردية الإيرانية نفسها أمام فصل جديد غامض محاصرة بين نظام يسعى لإسكاتها، وحكومة عراقية عالقة وسط حسابات الجغرافيا والسياسة الإقليمية.