مشهد عام للعاصمة بغداد. أرشيف - رويترز
مشهد عام للعاصمة بغداد. أرشيف - رويترز

بين العاصمة بغداد ومدينتهم الناصرية في الجنوب، يخوض ناشطون مدنيون من أبناء محافظة ذي قار صراعاً مسكوتاً عنه، إثر اعتقالات مفاجئة وصفت بـ "التعسفية" لمئات من المتظاهرين بدعاوى "ماسة بأمن الدولة".

التهمة التي وجهت إلى المعتقلين من أبناء المدينة هي :"الدعوة للاحتجاج، والتحريض على التظاهر، وزعزعة الاستقرار والأمن في المحافظة"، بحسب لجنة الدفاع عن متظاهري انتفاضة تشرين في بغداد.

اللجنة أبلغت "الحرة" أن عدد المعتقلين الذين تم تحويل أماكن احتجازهم وتسفيرهم بظروف أمنية مشددة إلى بغداد 24 شخصاً، منهم تدريسيان وحملة شهادات عليا، وذلك بحجة سلامة التحقيق ومقتضيات الأمن العام ولسوء الأوضاع الأمنية في المحافظة.

وعلى الرغم من أن الاعتقالات جاءت على خلفية معلومات من الاستخبارات من خلال مجساتهم ومتابعة منشورات وصفحات النشطاء على مواقع التواصل المتمثلة بالدعوة إلى التظاهر والوقفات الاحتجاجية للمطالبة بالحقوق المشروعة في أكتوبر الماضي، تقول اللجنة: "تفاجأنا بأن التحقيق جرى عن أحداث حصلت خلال تظاهرات تشرين 2019. وكذلك التحقيق عن أحداث لم تحصل بعد وإنما ممكنة الحصول مستقبلاً وهذا مخالف للقانون".

إجراء استباقي

وأكدت اللجنة على أن الاعتقال تم: "كإجراء استباقي للتظاهرات التي كان من المزمع تنظيمها في 18 أكتوبر الماضي والتي اعتبرتها الجهات الأمنية بأنها تحريض على التظاهر غير السلمي".

وبعد عمليات الاعتقال التي طالت عشرات المتظاهرين أطلق سراح عدد منهم لثبوت عدم قيامهم بأي نشاطات تحريض، ولعدم ثبوت تورطهم بأعمال شغب أو بحرق مقرات الأحزاب أو غلق الطرق والدوائر الحكومية التي حصلت عام 2019.

وترى اللجنة أن الموضوع يعتبر معقدا وغير مبرر ومسيس، والدعوات للتظاهر ليست جديدة، وتتم الدعوة إليها منذ سنوات، ولم تحصل عمليات اعتقال بهذه الطريقة وبتهمة التحريض المسبق.

وتعتبر اللجنة أن ما حصل في الناصرية مع بعض المتظاهرين "سابقة خطيرة" خصوصاً إذا ما تم الحكم على المعتقلين عن هذه التهم الكيدية، مؤكدة على أن المادة القانونية المرقمة 197 من قانون العقوبات التي اتهم بها المتظاهرون "تتضمن العديد من المواد التي تتعارض مع أحكام الدستور الذي يكفل حرية التعبير عن الرأي والتظاهر السلمي والتجمع وانتقاد السلطة وتقويم الأداء الحكومي، علماً أن العقوبة استناداً لهذه المادة ممكن أن تصل للسجن أكثر من خمس سنوات".

وتضرب اللجنة المثل بإحدى الحالات التي "اعتقل فيها أحد أبناء الناصرية لأنه علق على منشور لأحد النشطاء، وكان ناقدا للعمل الحكومي، والتعليق كان قبل أحداث أكتوبر 2019".

ترغيب وترهيب

فقد الناشط المدني، عباس كامل، شقيقه في "مجزرة جسر الزيتون" ويرى أن هناك "غبن بحق المدينة"، وقال "لم تتم محاكمة أي شخص من قتلة المتظاهرين، وحتى المتهم الوحيد تم إطلاق سراحه من قبل محكمة التمييز رغم الحكم عليه بالمؤبد من قبل محكمة ذي قار".

ويرى كامل أن ما يحصل في الناصرية "خرق لحقوق الإنسان الأساسية، وخرق للدستور العراقي الذي يحمي حقوق العراقيين في التظاهر السلمي بعيداً عن العنف والسلاح".

وبحسب كامل فإن الأحزاب المنضوية ضمن الحكومة العراقية "لجأت لفض الاحتجاجات عبر أسلوب الترغيب والترهيب مع المتظاهرين، وذلك عبر إغرائهم بالوظائف والمناصب، ومن رفض منهم أصبح مطارداً، وهو أسلوب كارثي لإدارة الأزمة".

وانتقد أُسلوب الحكومة "التعسفي" في إلقاء القبض على بعض المتظاهرين، ضارباً المثل بطريقة اعتقال التربوي، حسن المدرس، في مقر عمله وأمام طلبته، وشملت الاعتقالات "مؤثرين من أبناء المدينة تم نقلهم إلى بغداد، واعتقالات عشوائية أُطلق بعدها سراح الكثيرين بعد تفتيش هواتفهم".

وبعد هذه الحملات أضيفت إلى مطالب المحتجين الخدمية مطالب جديدة وهي "إطلاق سراح المعتقلين وإسقاط التهم ضدهم، عدا من يثبت تورطهم بأحداث عنف، ومحاسبة قتلة الشباب المتظاهرين والعابثين بالمال العام".

معاناة

الناشط المدني في مدينة الناصرية، كرار الوجاني، يتحدث لـ"الحرة" عن المعاناة التي يواجهها ناشطون في المدينة، ضاربا المثل بالاعتقال التعسفي للناشطة المدنية، دعاء الأسدي، وهي متخصصة تحليلات مرضية وكانت من أوائل المشاركين في احتجاجات أكتوبر 2019 ولم تتخلى عنها حتى اليوم.

وقال الوجاني: "أُلقي القبض على دعاء الأسبوع الماضي في مقر عملها بالمستشفى، وقامت القوات بجرها أمام الجميع وإيداعها في مقر مكافحة إرهاب الناصرية بتهمة التحريض على التظاهر، وضمن المادة 197 من القانون".

وأضاف أن هذا أمر "غير لائق، خصوصاً وأن المقر لا يتوفر فيه قسم خاص للنساء، فوضعت في محجر ليومين. وحده الضغط المجتمعي لأبناء المدينة ساهم بإطلاق سراحها".

وتابع قائلا إن الموضوع بأكمله "مجرد تصفية حساب سياسية لجميع المتظاهرين والناشطين، وهي محاولة بائسة لإعادة الاحزاب التي تم طردها إلى المدينة من جديد".

وبالنسبة لوضع بعض الشباب الناشطين في المحافظة، وخصوصاً الأسماء المعروفة بحسب الوجاني "إما هاربين خارج البلاد أو خارج المحافظة، أو معتقلين بتهم تتعلق بالإرهاب". لكن مع ذلك يقول بإصرار واضح: "مع كل ما يحصل ورغم أننا لا نملك سوى أصواتنا مقابل من يمتلكون السلطة والمال السياسي، إلا أننا سنستمر بالعمل والاحتجاج حتى تحقيق مطالبنا في توفير الخدمات، وإيقاف نهب المال العام عبر المكاتب الاقتصادية للأحزاب التي طردت من المدينة وتحاول العودة دون جدوى لأننا نقف ضدها".

مخاوف

أعداد من تم إصدار مذكرات إلقاء قبض بحقهم في الناصرية منذ عام 2019 وحتى الآن يتراوح ما بين 800 و900 شخص، بحسب لجنة الدفاع عن المتظاهرين في الناصرية.

وتقول اللجنة إن الأوامر "تم إصدارها بموجب معلومات من الاستخبارات حول قيامهم بحرق مقرات الأحزاب وديوان المحافظة أو قطع الطرق (...) دون وجود دليل ملموس أو إلقاء القبض بالجرم المشهود وهم في محل الجريمة".

وكما أبلغت اللجنة "الحرة" فإن القضاء في المحافظة "كان عادلاً" حيث تم تشكيل هيئة قضائية "أطلقت سراح كل من لم تجد دليلاً ملموساً بحقه على القيام بأي أعمال عنف".

أما المشكلة التي تواجه الكثير من المتظاهرين في الناصرية "فهي عدم رغبتهم بتسليم أنفسهم إلى مكافحة الإرهاب، لأنهم يرفضون التعامل معهم أسوة بالمتهمين بعمليات إرهابية"، بالإضافة إلى خشيتهم "من أن يتم الضغط عليهم وإجبارهم على الاعتراف عبر أساليب تحقيق مرفوضة من قبلهم، ويطالبون بالسماح لهم بتسليم أنفسهم إلى مراكز الشرطة".

وتوضح اللجنة أن التهم الموجهة للمتظاهرين وفق المادة 197 من قانون العقوبات كان يتم التعامل وفقها مع جرائم الإرهاب قبل إصدار قانون (4 إرهاب) وهي أيضا "مادة مرفوض التعامل بها معهم من قبلهم".

من جهة أخرى "هناك أوامر إلقاء قبض صدرت وفق المادة 342 من قانون العقوبات وجميعها بالحق العام، إلا جريمتين وفق المادة 405 التي صدرت وفق الحق الشخصي على خلفية أحداث ساحة الحبوبي عام 2020، وتم اعتقال متهمين بقتل شخصين من التيار الصدري".

وأحداث ساحة الحبوبي التي تحدثت عنها اللجنة جاءت بعد اقتحام مجموعة من التيار الصدري التابعة لرجل الدين الشيعي البارز، مقتدى الصدر، لساحة الاعتصام في مدينة الناصرية، وثتل آنذاك ثمانية متظاهرين وجرح 81 آخرين، فيما قتل عنصران من التيار.

الكثير من أوامر إلقاء القبض كما بينت اللجنة "ليست جديدة، ولكن تم تفعيلها". وطوال تلك الفترة منذ إصدارها وحتى تنفيذها في أكتوبر الماضي "لم يكن لأصحاب الشأن علم بها، وكانوا يتنقلون في المحافظة بكامل حريتهم".

ناشط مستعد لتسليم نفسه

التقت "الحرة" واحداً من المتهمين بقضايا الحق الشخصي الذي تحدثت عنه لجنة الدفاع عن المتظاهرين في الناصرية وهو الناشط، ولي السعيدي.

يرفض السعيدي وهو هارب من تنفيذ أمر إلقاء القبض التهم المنسوبة إليه، ويؤكد أنه "لا توجد أي أدلة على ما يقال، إلا اعتراف انتزع بالقوة من أحد المتهمين في القضية. والذي أشار إلى عشرة أشخاص من المتظاهرين كانوا يمتلكون أسلحة، بالإضافة إلى شاهدين من الجهة التي سقط منها القتيلين".

ويقول السعيدي إن الناصرية "مستهدفة لكونها مركز ثقل رئيسي في الاحتجاجات وخصوصاً ساحة الحبوبي. ومن أهم ما يميزها أنه حين يجري أي تحرك ضد شباب التظاهرات، فإن جميع ناشطي وشباب المدينة يخرجون حتى من الأقضية والنواحي للمساندة".

وأضاف أن ما يميز المدينة "هو صعوبة السيطرة عليها من قبل الأحزاب، بسبب العامل الاجتماعي. وهذا يأتي رغم حقيقة أن كثير من الأحزاب خرجت من هذه المدينة بالذات، ومع ذلك فمن الصعب أن يهيمن عليها حزب معين أو لون سياسي محدد".

وتابع قائلا إنه مستعد لتسليم نفسه وفق شروط تتلخص بـ"تشكيل فريق قانوني يتجه إلى القضاء لبيان وجود أدلة ملموسة من عدمه"، وأن يتم ذلك عبر "مراكز الشرطة وحسب الرقعة الجغرافية"، رافضا تسليم نفسه إلى "مكافحة الإرهاب لأنها جريمة بحقه"، وهو لا يضمن حياته هناك".

والاثنين أفرجت السلطات العراقية عن خمسة معتقلين في بغداد وفق مواد قانونية كان يعاقب على أساسها المنتمون للتنظيمات الإرهابية.

ومع ذلك، فإن ما حصل وما يزال يحصل بصمت ضد بعض الناشطين المدنيين في الناصرية بحسب لجنة الدفاع عن متظاهري انتفاضة تشرين في بغداد "شكل تراجعاً كبيراً، وانتهاكا صارخاً للدستور وللاتفاقيات والعهود الدولية المصادق عليها والخاصة بحقوق وحريات الإنسان وحقه في التعبير عن رأيه والتظاهر السلمي"، وهو يعني أن الناشطين "لن يتمكنوا من التظاهر مستقبلاً، بل وحتى انتقاد الحكومات الاتحادية أو المحلية خوفاً من هذه الإجراءات التعسفية والدعاوى الكيدية".

الفصائل المسلحة الموالية لطهران في العراق تشكلت بدعم مالي وعسكري إيراني (رويترز)
الفصائل المسلحة الموالية لطهران في العراق تشكلت بدعم مالي وعسكري إيراني (رويترز)

قالت صحيفة "التايمز" البريطانية إن إيران نقلت صواريخ أرض أرض بعيدة المدى إلى وكلائها في العراق، يمكن أن يصل مداها لدول أوروبية.

ونقلت الصحيفة عن مصادر استخبارية إقليمية، لم تسمّها، القول إن الأسلحة نقلت إلى ميليشيالت موالية لإيران في العراق الأسبوع الماضي.، مضيفة أن هذه هي المرة الأولى التي تمتلك فيها ميليشيا متحالفة مع إيران صواريخ أرض-أرض بعيدة المدى في العراق.

وأشارت المصادر إلى أن عملية التسليم جرت عبر القوة الجوية التابعة للحرس الثوري الإيراني، مبينة أن الصواريخ يمكنها استهداف مناطق تمتد لغاية أوروبا.

وتابعت المصادر أن نوعين آخرين من الصواريخ، هما "قدس 351" المجنحة وصواريخ "جمال 69" الباليستية، جرى تهريبها إلى العراق الأسبوع الماضي، وكلاهما بمديات أقصر من صواريخ أرض-أرض.

وقال مصدر استخباراتي إقليمي للصحيفة إن "إيران نقلت مؤخرا صواريخ إلى الميليشيات الشيعية في العراق، بما في ذلك نماذج جديدة ذات مدى أطول، وهي صواريخ لم تُمنح لتلك الميليشيات في الماضي".

ووصف المصدر التحرك الإيراني بأنه "خطوة يائسة قد تعرض استقرار العراق للخطر".

ويتناقض هذا التطور مع التقارير التي وردت هذا الأسبوع من مسؤولين عراقيين وقادة كبار قالوا إن الميليشيات المدعومة من إيران في العراق "مستعدة لتسليم أسلحتها" لتجنب صراع محتمل مع الولايات المتحدة.

لكن مصدر دبلوماسي في المنطقة أبلغ صحيفة "التايمز" أن "الجهود التي لوحظت في آخر 48 ساعة لإنشاء صورة تُظهر أن الميليشيات تقوم بتسليم أسلحتها هي مجرد خدعة".

ولم يرد المتحدث باسم الحكومة العراقية على اتصالات موقع "الحرة" المتكررة وطلب مكتوب أرسل عبر الهاتف للتعليق على ما ورد في تقرير صحيفة "التايمز".

وتشكلت الفصائل المسلحة الموالية لطهران في العراق بدعم مالي وعسكري إيراني في فترة فوضى أعقبت الإطاحة بنظام صدام حسين في 2003.