في صيف قاسٍ، جفّت أرضه وسقطت تحت وطأة التصحر في محافظة ذي قار، كان الفلاح، حاتم حميد، الذي يعيش في قرية العكرات ضمن قضاء الشطرة، ينظر بحزن إلى أرضه التي فقدت خصوبتها بسبب شح المياه والجفاف.
وبقيَّ حاتم أشهراً طويلة يعيش على أمل توفر المياه من دون جدوى، وأخذ يعتمد على بيع المواشي التي يمتلكها إلى أن استنفذها كلها، وبعد أن خسر مصدر رزقه ومدخراته، لم يعد أمامه سوى الهجرة.
في أحد صباحات الصيف، قرر مغادرة قريته متوجهاً إلى البصرة لازدياد فرص العمل فيها، باحثاً عن أمل جديد رغم المخاطر، علّه يجد فرصة عمل تعيل أسرته، لم يحظَ بفرصة عمل كما كان يحلم، كالعمل في الموانئ وماشابه ذلك، إلى أن أضطر في آخر المطاف لتقبل الواقع.
بدأ حاتم يعمل كسائق أجرة في شوارع البصرة، بعد أن كان مزارعاً على أرض تبلغ 30 دونماً. كان يزرع الحنطة والشعير والطماطم والخيار، لكنه يواجه الآن ظروفاً معيشية صعبة، ويعيش في منزل مهدد بالإخلاء، ويطالب الحكومة بتعويضه وحل أزمة التصحر ودعم الزراعة ليتمكن من العودة إلى عمله.
في ذات السياق يتحدث المزارع، يعقوب الموسوي، بحرقة عن تدهور الزراعة في العراق بسبب أزمة المياه التي أدت إلى الجفاف والتصحر، اللذين دمرا أرضه التي كانت تُزرع بالحنطة والشعير والنخيل، في محافظة النجف جنوب البلاد.
كان الموسوي يملك أكثر من 250 نخلة على مساحة 6 دونمات، لكن العدد تراجع إلى 60 نخلة على دونم ونصف، بسبب شح المياه وارتفاع ملوحتها،
ويؤكد إذا ما استمر الحال على ماهو عليه، فسيترك الزراعة ويتجه لعمل آخر، مناشداً الحكومة اتخاذ إجراءاتها لحل أزمة المياه، وتوفير الدعم للمزارعين عبر القروض الميسرة، وتوفير أدوات الري الحديثة لارتفاع أسعارها في الأسواق المحلية فضلاً عن تعويض الأضرار لإعادة إحياء القطاع الزراعي.
سياسات إدارة الموارد وتغير المناخ.. العوامل المحورية وراء أزمة المياه في العراق
الخبير في الشأن الزراعي، عادل المختار، يبيّن أن أزمة المياه في العراق بدأت في عام 2018، عند اكتمال بناء سد "إليسو" التركي، سيما وأن أنقرة باشرت بعملية ملء هذا السد، ماجعل الأزمة تشتد في العراق حينها، لأن الإطلاقات المائية من تركيا للعراق قبل إنشاء السد التركي، كانت تصل إلى نحو 70 مليار متر مكعب سنوياً.
أما حالياً لاتتجاوز هذه الإطلاقات 40 مليار متر مكعب سنوياً، أي نحو 300 متر معكب في الثانية ،سيما على حوض نهر دجلة، كما أن وضع نهر الفرات متدهور منذ سنوات عديدة ويشهد حالة خطيرة تتعلق بنقص الإطلاقات بشكل ملحوظ.
ويوضح الخبير الزراعي أن الخزين المائي في نهاية شتاء العام الماضي قد وصل إلى 21 مليار متر مكعب، وحالياً يبلغ الخزين 13 مليار متر مكعب بسبب قلة الإيرادات المائية من دول المنبع، ما يعني أن العراق اضطر إلى دفع إطلاقات من خزينه الاستراتيجي لتوفير المياه لقطاع الزراعة وهذا تطور خطير، وفي صيف عام 2023 وصل الخزين المائي إلى 5 مليار متر مكعب وهو أسوء خزين في تاريخ العراق.
ويُعتبر الخزين الحالي "13 " مليار متر مكعب، متوسطاً. لكن إذا ماشهد العراق نقص في الأمطار هذا العام ستزداد أزمة المياه لان وزارة الموارد المائية ستضطر إلى دفع 200 مليون متر مكعب في اليوم من خزينها حتى توازن إحتياجات القطاع الزراعي وهذا سينعكس سلباً على الخزين إن استمر تحجيم الإطلاقات المائية من تركيا.
وترجع أزمة المياه في العراق إلى أسباب أساسية تتضمن تأثيرات التغيّر المناخي الذي خلف أزمة دولية تعصف بدول العالم، والعراق من الدول التي تشهد قلة في الأمطار، لذلك يُعد العراق خامس أكبر دولة متضررة من الجفاف في العالم.
إضافة إلى انخفاض الإيرادات المائية من دول المنبع إلى أقل من 300 متر معكب في الثانية بينما كانت سابقاً تزيد عن 600 متر مكعب في الثانية، كما أن سوء إدارة الموارد المائية يعتبر أحد أهم أسباب الأزمة التي تشهدها البلاد، بسبب هفوات في السياسة المائية والزراعية.
يرافق هذه الأسباب، عملية التوسع الزراعي غير المنتظم، وارتفاع مستوى تلوث المياه بسبب تصريف النفايات الصناعية إلى الأنهار، ما قلّل صلاحيتها للاستخدام، فضلاً عن قطع إيران نحو 42 نهراً ورافداً تساهم بنحو 12 بالمئة من إطلاقات العراق المائية، وبات العراق يعتمد بشكل كبير على الأمطار في الزراعة.
ويؤكد المختار أنه خلال العام الماضي، أنتج العراق أكثر من 6 مليون طن من الحنطة، إذ وصلت المساحة الزراعية إلى نحو 13 مليون دونم وهذه نتيجة جيدة، والعام الذي سبقه كان الإنتاج أكثر من 5 مليون طن من الحنطة بذات المساحة، وبرغم هذا فإن البلاد تواجه خطراً داهماص لايستهان به، إذ وصل التصحر لمراحل عالية، بلغت نحو 50 في المئة من الأراضي الزراعية في العراق، وهذا الأمر يتطلب وقفة جادة لتدارك هذه الأزمة وفقاً لحديثه.
شح المياه في العراق.. أزمة صامتة وتداعيات بيئية تهدد مستقبل البلاد
حذر الخبير المائي، تحسين الموسوي، من أن العراق يذهب إلى منزلق خطير نتيجة شح المياه، وسط غياب الإدراك من الفاعل السياسي بخطورة هذه الأزمة، مع مواصلة المضي بالحلول الترقيعية التي اعتُمدت كمعالجات استراتيجية، ما أسهم بتفاقم أزمة المياه.
وعلى الرغم من تدهور الوضع المائي، إلا أن العراق لم يتوصل حتى الآن إلى اتفاقية تلزم دول المشاركة المائية بإطلاق حصصه المائية، بسبب ضعف المفاوض العراقي والأزمات السياسية التي شهدها البلد.
ويفصل الموسوي تداعيات أزمة شح المياه في العراق، بأنها تسببت بنقص حاد في المياه الصالحة للشرب، كما دفعت الأزمة إلى ارتفاع نسبة التلوث بشكل كبير، وربما سيشهد العراق كوارث بيئية مستمرة، تكلف معالجتها مبالغ طائلة، فيما يضيف أن نسبة المساحات الصالحة للزراعة في العراق تقدر بنحو 40 مليون دونم، والمساحة المستثمرة منها تبلغ مابين " 18 - 20 " مليون دونم.
ودفع شح المياه إلى تقليصها لنحو " مليوني " دونم فقط تُزرع حالياً، إضافة إلى جفاف منطقة الأهوار، وازدياد مساحات التصحر سيما وأن الأراضي المتصحرة في العراق بلغت نحو 70 في المئة وفقاً لتقارير رسمية حسب قوله، وأيضاً جفاف البحيرات وتضرر روافد النهر، وازدياد نسبة ملوحة المياه، فضلاً عن نفوق الأسماك والسلاحف.
وأخطر هذه التداعيات هجرة الفلاحين من الريف إلى المدينة، وهذا يؤثر على السلم المجتمعي نتيجة الضغط على البنية التحتية، ومزاحمة سكان المدن على فرص العمل.
ومثال ذلك منطقة الأهوار جنوب العراق، التي كانت تسكنها قرابة 10 الآف عائلة، هجرتها 6 آلاف عائلة إلى مختلف مدن البلاد، وهذه الأرقام في تزايد نتيجة ما واجهته من مشاكل أكبرها شح المياه.
ويضيف الموسوي أن استهلاك الزراعة يصل لنحو 85 في المئة من المياه، بسبب طرق الري السيحي، وتستهلك الصناعة 5 في المئة والعمليات النفطية أيضاً 5 في المئة، أما "احتياجات المواطنين" فتبلغ قرابة 5 بالمئة.
وأدت تغيّرات المناخ إلى ارتفاع كبير في درجات الحرارة، مايخلف نسبة تبخر تقدر بأكثر من 5 مليار متر مكعب من الخزين المائي.
وبشأن الحلول المقترحة، يقول الموسوي أن المعالجات ينبغي لها أن تأخذ جانبين بعين الاعتبار، خارجي وداخلي.
وفيما يخص الجانب الأول، على العراق أن يكثف مفاوضاته، ويعززها بمفاوضين متمرسين مع دول المنبع ويعطي ذلك أولوية عالية، ويستثمر كل نقاط القوة لديه كملفي التجارة والأمن، سيما مع تركيا التي تزود العراق بنسبة كبيرة من الإيرادات المائية، ويتحرك صوب المجتمع الدولي في هذا الإطار.
أما الجانب الداخلي فيتطلب الأمر إعادة النظر بجدية في السياسة المائية والزراعية، لكون إستهلاك المياه يفوق الإيرادات، وإعداد خطط زراعية حسب كمية الإيرادات المائية، وتحلية مياه البحر وتنقية المياه العادمة، فضلاً عن رفع الملوثات وإعادة تدوير المياه. كما أن هناك حاجة ملحة لاستخدام التقنيات الحديثة في الري وتأسيس مجلس وطني لإدارة المياه ويكون الملف بيد رئيس الوزراء حصراً.
نقص الدعم يهدد القطاع الزراعي والفلاحين
أكد رئيس اتحاد الجمعيات الفلاحية في العراق، وليد الكريطي، في تصريح لموقع "الحرة"، أن الدعم الحكومي الموجه لقطاع الزراعة ضعيف جداً، ولا يتناسب مع حجم أهميته الاستراتيجة، ما يؤدي إلى إلحاق خسائر مالية كبيرة ترهق مئات الفلاحين، وتضطرهم للهجرة إلى المدن بحثاً عن فرص عمل بديلة.
فيما يواجه المزارعون الذين يهاجرون إلى المدينة تحديات جديدة، أبرزها صعوبة إيجاد فرص عمل مناسبة لهم، فضلاً عن غلاء الإيجارات وارتفاع أسعار العقارات.
كما أشار الكريطي إلى أن مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، التي تعتمد على الري التقليدي والري السيحي، مثل بساتين النخيل والحمضيات، قد خرجت من الخطة الزراعية بسبب غياب الاهتمام الحكومي.
وأضاف الكريطي أن الجفاف أصبح يمثل تحدياً كبيراً، حيث وصلت نسبة الجفاف إلى حوالي 40 في المئة، نتيجة قلة الدعم الحكومي. ويشير إلى أبرز التحديات التي يواجهها الفلاحون، مثل غياب الدعم الحكومي بتوفير المعدات الحديثة كالآلات الزراعية، " الحاصدات والساحبات"، إضافة إلى عدم توفر قروض ميسرة للمزارعين، تكون متاحة للجميع بسبب التعقيدات الإدارية، وغياب الدعم في مجال الري المتطور، الذي يوفر استهلاك المياه وكذلك النقص في توفير الأسمدة والبذور المدعومة من الدولة، إذ ماتزال أزمة شح المياه بدون حلول جذرية.
فيما يعتمد نجاح الزراعة في العراق بشكل كبير على الدعم الحكومي، يؤدي غيابه إلى مشاكل كبيرة في القطاع الزراعي.
وعلى الرغم من الاتصالات المتكررة والملحة، لم تجب وزارة الموارد المائية على طلب الحرة، بهدف تسليط الضوء على خططها الآنية والمستقبلية وإجراءاتها لمعالجة أزمة المياه في العراق، وماهي الرؤى التي تمضي فيها الوزارة لضمان توفير الموارد المائية اللازمة لدعم قطاع الزراعة الذي يعاني العديد من المشاكل.
