مشهد عام للعاصمة بغداد. أرشيف - رويترز
مشهد عام للعاصمة بغداد. أرشيف - رويترز

أثار قرار رئيس مجلس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، القاضي بتكليف، حميد الشطري، برئاسة جهاز المخابرات، اهتماماً واسعاً لدى مختلف الأوساط داخل البلاد وخارجها، ليصبح اسم الشطري محور حديث عدة وسائل إعلام، لاسيما بعد أن بقي هذا المنصب يدار بالوكالة لعدة سنوات برغم أهميته الاستراتيجية.

وقال الناطق الرسمي بإسم الحكومة العراقية، باسم العوادي، إن هذا التكليف يأتي استكمالاً لدعم عمل الجهاز وخدمة للعراق وحفظ أمنه واستقراره، لما يتمتع به الشطري من الخبرة والأداء المتميز في المجال الأمني.

ويرى الخبير الأمني، علاء النشوع، أن اختيار الشطري لرئاسة جهاز المخابرات جاء بناءً على خبرته في إدارة مناصب أمنية عدة بضمنها خلية الصقور الاستخبارية التي كانت تعمل على مكافحة الإرهاب بالتنسيق مع أجهزة أمنية خارجية، إذ يعتمد جهاز المخابرات على إدارة العمليات الأمنية الخارجية لتأمين الجبهة الداخلية للبلاد.

وأكد النشوع أن الأحداث والتطورات التي تشهدها المنطقة دفعت رئيس الوزراء العراقي إلى أختيار إدارة أصيلة لجهاز المخابرات الوطني الذي بقي عدة سنوات يدار بالوكالة، سيما وأن أحداث سوريا تنعكس بشكل مباشر على العراق، فقراءة المشهد في الوقت الراهن تتطلب جهداً استباقياً فاعلاً لإجهاض أي مخاطر أمنية أو سياسية ربما ترجع على العراق بشكل سلبي، وتداركها لا يمكن أن يتم إلا عبر جهاز المخابرات.

ويضيف أن اختيار الشطري لا يخرج من دائرة التوافقات والضغوط السياسية للإطار التنسيقي سيما وأنه يُحسب على حزب الدعوة الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء العراقي بالتالي فإن هذا التكليف يأتي ضمن توجهات الأحزاب الشيعية والفصائل المسلحة الموالية لإيران.

فيما يشير إلى أن عملية الاختيار السريعة هذه تندرج تحت ضغط داخلي وإقليمي، واجهه رئيس الوزراء السوداني ما دفعه للإسراع بالتكليف من دون طرح أكثر من شخصية تخضع للدراسة والنقاش، خاصة وأن هذا المنصب هو من استحقاق المكون السُني حسب قوله.

ويؤكد أن جهاز المخابرات له أهمية بالغة تتعلق بالأمن القومي العراقي وحتى على الصعيد الداخلي في مسألة تصفية الخصوم السياسيين وإقصاء الذين يعارضون سياسة الدولة واستراتيجياتها، وهذه الشخصية التي اختيرت تلبي هذا الأمر وتترجمه على أرض الواقع.

سيرته الذاتية

حميد رشيد فليح ساهي الشطري، وُلد في محافظة ذي قار جنوبي العراق، وهو مسؤول أمني عراقي بارز، شغِل عدة مناصب مهمة في الأجهزة الأمنية العراقية.

تولى منصب مدير عام الاستخبارات ومكافحة الإرهاب في وزارة الداخلية العراقية في يناير عام 2021، وقاد خلية الصقور الاستخبارية التي وصفت بأنها من أكثر الوحدات الاستخبارية فعالية في العراق، وفي نوفمبر 2021 تم تعيينه معاونا لرئيس جهاز الأمن الوطني من ثم رئيساً للجهاز واستمر في المنصب حتى يوليو 2023، حيث نقل إلى مستشارية الأمن القومي كمستشار فيها.

وفي ديسمبر 2024 أصدر رئيس الوزراء السوداني قراراً بتعيين الشطري رئيساً لجهاز المخابرات العراقي.

ويُعد الشطري، مقرباً من الإطار التنسيقي وهو تحالف سياسي ذات توجه إسلامي شيعي يضم مجموعة من القوى والأحزاب الشيعية وهو التحالف الذي شكّل الحكومة العراقية الحالية برئاسة السوداني في 27 أكتوبر 2022 بعد أزمة سياسية أعقبت الانتخابات البرلمانية المبكرة في أكتوبر 2021.

أما بالنسبة لإنجازات الشطري والمهام التي أشرف عليها، فقد قاد عمليات أمنية نوعية عبر خلية الصقور الاستخبارية، كانت قد أسفرت عن إحباط عدد كبير من المخططات الإرهابية واعتقال قادة بارزين في تنظيم داعش وغيره.

كما عمل على تطوير أسس التعاون بين المؤسسات والوحدات الأمنية العراقية لتعزيز تبادل المعلومات الاستخبارية، فيما ساهم في تحسين أداء جهاز الأمن الوطني واعتماد الجهد التقني في مكافحة التنظيمات المتطرفة على رأسها تنظيم داعش، إضافة إلى محاربة الفساد الداخلي خلال قيادته للجهاز والرفع من كفاءة العاملين فيه.

إدارة جهاز المخابرات

يعتقد عضو مجلس النواب، عبد الرحيم الشمري، في حديثه لموقع "الحرة" أن خلو جهاز المخابرات من رئيسه وإدارته بالوكالة كانت إشكالية إدارية وهو عرف سيئ اعتادت عليه الدولة العراقية في مؤسساتها للتفرد بالسلطة، لكن في النهاية اختيرت رئاسة أصيلة للجهاز وهذا من شأنه تفعيل أدوات الجهاز وتسهيل تعامل الدول الأخرى مع العراق، لاسيما في مجال التعاون عبر المعلومات في مكافحة التهديدات الأمنية.

ويرى الشمري أن هذه المرحلة حرجة بالنسبة للعراق وما يحصل في المنطقة من تداعيات وأحداث، وأنه لا ينبغي لدولة أن يدار جهاز المخابرات فيها بالوكالة، ما استدعى تعيينه لما تتطلبه هذه التطورات في المنطقة، والعراق عنصر فاعل فيها عبر العمل الأمني والجهد المخابراتي.

ويؤكد أن الشطري يمتلك خبرة في القطاع الأمني، وكان قد حقق إنجازات أمنية، لكن جهاز المخابرات له خصوصية تختلف عن بقية الأجهزة الأمنية التي تولى مهامها سابقاً، وتحقيق أهداف الجهاز بحماية البلاد من الأخطار القائمة، يراد لها العمل بمهنية عالية برفقة فريق متخصص وأن يعتمد الجهاز على الجهد التقني، معتبراً أن نجاح الشطري يرتهن بإبعاد الجهاز عن التدخلات السياسية بكافة أشكالها.

وأوضح أن تعيين الشطري لإدارة المخابرات جاء كحاجة أمنية في ظل هذه الظروف العصيبة التي تمر فيها منطقة الشرق الأوسط بعيداً عن حسابات التوافق السياسي بين الأحزاب السياسية التي شبه انسحبت من المشهد السياسي بعد أحداث سوريا وتضاءلت تدخلاتها بمثل هذا الشأن.

استثمار في أمن العراق

المحلل الاستراتيجي المقرب من الإطار التنسيقي، وائل الركابي، يؤكد لموقع "الحرة" أن جهاز المخابرات مؤسسة أمنية لها دور كبير وبالغ الأهمية في حماية الدولة من أي تهديدات ومخاطر أمنية وعسكرية، ولا ينبغي لها أن تدار بالوكالة وتحقق أهدافها على يد رئيس مجلس الوزراء المثقل بالجوانب التنفيذية.

ويبيّن أن هذا التكليف يأتي بالتزامن مع المستجدات الأمنية والسياسية على الساحة الإقليمية، والعراق دولة مهمة في المنطقة، ويتطلب أمنه القومي جهداً مخابراتياً يواكب هذه الأحداث ويكشف خباياها بإدارة مهنية، معتقداً أن تعيين الشطري لإدارة جهاز المخابرات توجه سليم خاصة وأنه تسلم مناصب أمنية حساسة ونجح في إدارتها.

ويشير الركابي إلى أن تعيين الشطري خطوة تهدف إلى تعزيز القدرات الاستخبارية والأمنية للعراق في مواجهة التحديات الراهنة، وهذا التكليف لم يأت وفقاً للمحاصصة الحزبية والتوافقات السياسية، بل أن شخصية الشطري متفق عليها من جميع الأطراف لاسيما وأنه نجح في إدارة هذه الهيئات والأجهزة بطريقة كفوءة، معتقداً أن المرحلة الحالية تحتاج مثل هذه الشخصيات لإدارة مؤسسات الدولة.

وعن أسباب إدارة جهاز المخابرات بالوكالة لأربع سنوات يقول الركابي إن سنتين منها في وقت ولاية رئيس الوزراء السابق، مصطفى الكاظمي، هو من كان يدير جهاز المخابرات قبل توليه منصب رئاسة الوزراء فأبقى على إدارة الجهاز تحت يده خشية من أن يسيطر أحد على الجهاز ويتحكم بمفصل مهم في الدولة.

وبعد تولي السوداني رئاسة الحكومة استمرت إدارة الجهاز بالوكالة نظراً للتحديات الكبيرة التي كانت تواجهها الدولة منها التحديات الأمنية، وفي ظل تحسن الأوضاع تم اتخاذ قرار بتعيين الشطري، الذي يمتلك المؤهلات اللازمة لإدارة هذا الجهاز ويعتبر مهنياً على الأقل، وفقاً لوصفه، وبذلك يبعد رئيس الوزراء هذه المؤسسة الأمنية المهمة عن المحاصصات والشخصيات الانتهازية.

وأكد الركابي أن قرار تعيين الشطري لا تعنى به الفصائل المسلحة العراقية ولا تتدخل في مثل هذه القرارات، خاصة أن عمل جهاز المخابرات يختص بالجهد الأمني خارج الحدود، وأن هذه الإجراءات بعيدة عن رؤى تلك الفصائل، بحسب قوله.

مخاطر التوترات الإقليمية

الخبير في السياسات الدولية، علي عبد الزهرة، أكد أن الأحداث الأخيرة في المنطقة، وآخرها إسقاط نظام الأسد وسيطرة مجاميع مسلحة مدعومة من تركيا على السلطة في سوريا، تشير إلى تطورات خطيرة ربما تهدد العراق، سيما وأن هناك 6 معتقلات في سوريا تحتوي على عناصر وقادة من داعش، وربما بأي وقت يتم كسر السجون وقد ينذر ذلك بحدوث هجوم جديد على العراق مشابه لسيناريو عام 2014.

ويؤكد عبد الزهرة أن هناك حاجة ماسة لاحتواء هذا الخطر من خلال ثلاثة أركان الأول سياسي والثاني دبلوماسي والثالث أمني، ويأتي على رأسه جهاز المخابرات، بالنظر إلى الخطر الداهم القادم من خارج الحدود.

وقال إن إدارة هذا الجهاز بالوكالة قد تنتج مشكلات خطيرة، ولذلك قررت الحكومة العراقية اختيار إدارة أصيلة للجهاز استناداً لتلك المخاطر.

ويرى أن في مثل هذا التوقيت القرارات لا تتم من قبل رئيس الوزراء فقط بل بمشورة وتوجيه من الحاضنة السياسية ممثلة بالإطار التنسيقي ليكون القرار محصن سياسياً، وسابقاً كان الشطري يتمتع بعلاقات وطيدة مع حزب الدعوة والتيار الصدري وحالياً قريب من الإطار التنسيقي.

وبالرغم من ذلك، فإن تكليف الشطري لم يكن ضمن خيارات الفصائل المسلحة التي كانت تمهد وتدعم ترشيح، ليث الخزعلي، لرئاسة جهاز المخابرات، وهو شقيق الأمين العام لحركة عصائب أهل الحق، قيس الخزعلي، وحصلت ضغوط سياسية حالت دون تكليفه، بالتالي فإن تعيين الشطري يأتي مخالفاً لإرادة تلك الفصائل لكنها أخذت في حساباتها أن هذه المرحلة لا ينبغي لها أن تشهد تصعيداً سياسياً.

ويشير عبد الزهرة إلى أن مسألة إدارة المناصب بالوكالة لاسيما الأمنية منها تندرج تحت إطار تخبط أصحاب القرار وسوء إدارتهم لمؤسسات الدولة، ما يرجع بتأثيرات سلبية على أمن البلاد خاصة فيما يتعلق ببناء علاقات مخابراتية ومعلوماتية مع دول الجوار التي تحتاج سنوات للوصول إلى قاعدة تعاون رصينة.

حازم صاغية

تسلّل العراق إلى الكاتب والمثقف اللبناني حازم صاغية في طفولته من باب "العروبة ووحدة العرب" وبسبب علاقة البيت الذي تربّى فيه بحزب البعث.

صاغية المولود عام 1951 في لبنان، حمل العراق في انشغالاته الثقافية والسياسية ما يقارب السبعين عاماً، وأسَالَ في الكتابة عن العراق وأحواله حبراً كثيراً، ترجمه في مقالات وتحليلات نقدية وكتب خصصها للعراق وتاريخه ومآلات مستقبله.

في  2003 بعد سقوط نظام صدّام حسين، أصدر صاغية كتابه "بعث العراق: سلطة صدّام قياماً وحطاماً"، الذي عرض حكاية حزب البعث في العراق منذ بداياته الأولى عام 1949 حتى سقوط النظام.

وعرض أيضا تحليلاً لسياسات البعث ودوره في إحكام قبضته على الحكم في العراق وتأثيره "الكارثي" بحسب وصف صاغية، على حياة ملايين العراقيين.

"العراق أبعد من العراق في أسئلته وتحدياته، كما انطوت عليها قصة البعث- قصتنا جميعاً بمعنى من المعاني"، يكتب صاغية في مقدمة كتابه. حول هذا العراق، الأبعد من نفسه، حلّ صاغية ضيفاً على منصة "ارفع صوتك" التابعة لـ"الحرة" في يوليو الماضي، في حوار موسّع، يتخلله قراءة نقدية لماضي العراق وحاضره، ومحاولة استشراف للتحديات المستقبلية التي تنتظره.

من أين حضر "الهمّ العراقي" إلى حازم صاغية، ولماذا يشغل حيزاً ليس بقليل من كتاباته؟

جاءني العراق من أمكنة كثيرة. أمّا المكان الأوّل فتلك القصص التي كانت تُروى في بيتنا عن قريب لنا، هو الكاتب الناصريّ اللاحق والراحل نديم البيطار. فهو سافر إلى العراق، ولم أكن قد وُلدت، طلباً للدراسة والعيش في ظلال الملك غازي بن فيصل الأوّل الذي شبّهتْه الخفّة والحماسة العربيّتان بغاريبالدي، وقيل إنّه سيوحّد "أمّتنا" على النحو الذي وُحّدت فيه إيطاليا.

فإبّان عهد غازي القصير وُصف العراق بأنّه "بيادمونت العرب"، من قبيل القياس على تلك الإمارة الشماليّة التي حكمها "بيت سافوي"، ومنها انطلقت حركة التحرير من النمسويّين تمهيداً للوحدة القوميّة الإيطاليّة. ويبدو أنّ نديم، الشابّ والقوميّ العربيّ المتحمّس، أصرّ بعد عودته على اعتمار "الفيصليّة" التي درج على لبسها حينذاك شبّان قوميّون عرب، وذلك وسط اندهاش أهل القرية ممّن لم يكونوا قد سمعوا بفيصل وغازي ولا لبسوا قبّعات من أيّ نوع.

كان لتلك المرويّات عن نديم ورحلته ممّا تداوله كثيراً أهل بيتنا، أن وسّعت مخيّلتي لبلد اسمه العراق يضجّ بصُورٍ ومعانٍ غائمة الدلالة إلاّ أنّها واضحة الوجهة، وما الوجهةُ تلك إلاّ العروبة ووحدة العرب التي يُحجّ إليهما هناك.

وبسبب علاقة بيتنا بالبعث، باتت أسماء نوري السعيد وعبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف أسماء بيتيّة: الأوّل شتمناه، والثاني والثالث أحببناهما قبل أن نكرههما. والمشاعر حيال العراقيّين مشاعر عراقيّةٌ، بمعنى أنّها قويّة وحادّة ومتقلّبة، تماماً كما المشاعر الرومنطيقيّة.

وبشيء من التعميم أسمح لنفسي بالقول إنّ العراقيّ أشدّ العرب رومنطيقيّةً، وهو ما نلمسه في قسوته ورقّته، وفي أغانيه وأشعاره، وفي تديّنه إذا تديّن وإلحاده متى ألحد. وهكذا، حين حصل انقلاب 14 تمّوز الجمهوريّ في 1958، شعرت بفرح في بيتنا مردّه إلى أنّ أصدقاء جمال عبد الناصر أطاحوا نوري السعيد، صديق كميل شمعون. وحين حصل انقلاب 14 رمضان 1963، وكان لي من العمر ما يتيح لفرحي أن يستقلّ عن فرح أهلي، أحسست أنّ العراق مصدرُ ثأرنا من الانفصال السوريّ وممّا اعتبرناه خيانة الشيوعيّين وقاسم للقوميّة والوحدة العربيّتين.

وجاء اهتمامي بالعراق من تعرّفي إلى عراقيّين كثيرين في بريطانيا، كان أوّلهم الصديق الراحل فالح عبدالجبار، ولم يكن آخرهم الصديق كنعان مكيّة. ومن خلالهم  تحوّلت المعرفة بالعراق إلى أشباح وكوابيس تُروى عن حكم البعث وعن أفعال صدّام حسين – "السيّد النائب" ثمّ "السيّد الرئيس" ثمّ "السيّد الله".

ومن خلال تجارب سياسيّين وحزبيّين أتيح لي أن أعرفهم عن كثب، كالصديقين الراحلين هاني الفكيكي، وهو بعثيّ سابق، وعامر عبد الله، وهو شيوعيّ سابق، بتُّ أملك ما يشبه توثيق الفظاعات التي يرويها عراقيّون آخرون أقلّ ضلوعاً منهما في السياسة. فهنا يعثر السامع والناظر على تجارب شاملة تتعدّى السياسة والعقائد إلى آلام البشر الشخصيّة ومآسيهم.

والشمول المذكور مرآةٌ تعكس حقيقة نظام صدّام بوصفه أقرب نماذجنا العربيّة إلى التوتاليتاريّة. ففي ذاك اللامعقول بدا مشروعاً أن يسأل المرء نفسه "هل يوجد فعلاً هذا الكائن المدعو صدّام حسين أم أنّ الإرث الميثولوجيّ لما بين النهرين هو ما يحضّ العراقيّين على اختراعه كيما يؤسطروا حياتهم؟".

وجاءني العراق أيضاً من شعر كثير، تقاسمَ أبياته شعراء انجذبت إلى قصائدهم في هذه المرحلة من حياتي أو تلك، لكنّ المؤكّد أنّ أشدّهم أثراً كان بدر شاكر السيّاب الذي لا يزال الحبّ لعراقه ولجيكوره يلازمني حتّى اللحظة.

"بعث العراق" ربما يكون الكتاب الأكثر تخصصاً في تأريخ ظاهرة البعث العراقي، وقد خصصت كتاباً آخر للبعث السوري. ما الذي يمكن أن يتعلمه قارئ من جيل الألفية الجديدة حول هذا التاريخ؟

 ما يمكنني التحدّث عنه هو ما تعلّمته أنا، وهو أنّ البعث كان أقوى جسورنا في المشرق العربيّ الآسيويّ إلى الكارثة التي لا نزال نرزح تحتها، كما كان، عربيّاً، ثاني أقوى جسورنا إليها بعد الناصريّة.

لقد جمع البعث بين حداثة الحزب والعقيدة وقدامة القبيلة والخرافة، ما جعله يُطبق علينا من جهات كثيرة. لكن ما يرعبني أنّ الدور الفظيع للبعث، بوصفه الطرف الذي صادر تاريخ العراق وسوريا، وأفسد البلدين وألغى احتمالاتهما، لا يستوقف الكثيرين بوصفه هذا، بل في أحيان كثيرة لا يستوقف بعض معارضي البعث وضحاياه ممّن لا زالوا يرونه حركة تحرّر أخطأت الوسيلة لكنّها لم تخطىء الهدف، أو يرونه قاطرة لهيمنة طائفيّة يُردّ عليها بهيمنة طائفيّة معاكسة.

هل خرج العراق من تداعيات حزب البعث، أم لا يزال يعاني؟

هذه أنظمة تدمّر الماضي والحاضر والمستقبل بيد واحدة: الماضي بكتابتها للتاريخ، والحاضر بقمعها وقهرها السكّان المواطنين، والمستقبل بتفتيتها المجتمع وسدّها باب الاحتمالات.

بهذا المعنى، لا أظنّ أنّ العراق يخرج "من تداعيات البعث" إلاّ بمباشرة واحدٍ من اثنين: إمّا مراجعة وطنيّة راديكاليّة صارمة تطال القواسم المشتركة بين البعث وخصومه، لا سيّما الأطراف الراديكاليّة الشيعيّة الموالية لإيران، أو تطوير الفيدراليّة العراقيّة وإكسابها مزيداً من الصدقيّة والجديّة، بحيث تبدأ كلّ واحدة من الجماعات حياتها السياسيّة في مواجهة أبناء جلدتها من قامعيها ومُضطهِديها بعيداً من التذرّع بالآخر الطائفيّ والإثنيّ. والخياران، للأسف، ضعيفان جدّاً.

هل كان يمكن لنظام البعث أن يسقط من دون غزو عسكري أميركي؟ هل كانت هناك طرق أخرى لإسقاطه؟

لا أظنّ ذلك، بدليل أنّ ذاك النظام عاش ما بين 1968 و2003، وخاض خلال تلك المرحلة عديد الحروب ولم يسقط. لكنّ هذا الواقع، على ما فيه من مأسويّة، لا يكفي لتبرير مبدأ التدخّل لإسقاط النظام، ولا يكفي خصوصاً لتبرير الأخطاء والحماقات الهائلة التي رافقت ذاك التدخّل.

 هل كان خاطئاً قرار "اجتثاث حزب البعث" الذي أصدره الحاكم الأميركي بول بريمر بعد سقوط النظام؟ وكيف يجب على العراقيين التعامل مع التركة الثقيلة للحزب؟

يصعب على من يسمّي نفسه ديمقراطيّاً أن يوافق على سلوكٍ أو إجراء اسمه "اجتثاث"، وبالنظر إلى تاريخ الأحقاد الطائفيّة التي رسّخها نظام صدّام، لم يكن من الصعب توقّع انقلاب ذاك الاجتثاث اجتثاثاً للسنّيّة السياسيّة في العراق.

فليكن بعثيّاً من يؤمن بـ"الوحدة والحريّة والاشتراكيّة"، ولا تكون يداه ملوّثتين بالدم والفساد. أمّا الحياة السياسيّة نفسها فتستطيع أن تتولّى تنظيف نفسها بنفسها. غير أنّ مبدأ كهذا يبدو اليوم بعيداً جداً بسبب التعفّن الذي يضرب الحياة السياسيّة والوطنيّة والإدارة الإيرانيّة النشطة لهذا التعفّن.

 بعد أكثر من عشرين عاماً على سقوط البعث العراقي، لا يزال حضوره في الشارع العربي لافتاً، خصوصاً في الأردن ولبنان، حيث يمكن رؤية صور صدام حسين في كثير من الأماكن، كما أن "الترحم" على زمن صدام شائع على مواقع التواصل الاجتماعي. ما تفسيرك لهذه الظاهرة؟

لا أظنّ أنّ حضور البعث، كحزب وكأيديولوجيا هو الظاهرة اللافتة. اللافت أمران كثيراً ما يتقاطعان، أوّلهما شعور بالمظلوميّة السنيّة المحتقنة، وهو ما تتقاسمه الصداميّة مع الحركات الأصوليّة والراديكاليّة السنيّة على أنواعها. ومن هذه المظلوميّة تأتي فكرة التحدي ورد التحدي بوصفها "ديانة" أنتجها موت صدام وظروف إعدامه. وتزدهر نظرة كهذه على ضوء قراءة البعض مآسي سوريا ومآسي غزة بوصفها مآسي سنية لا يوجد طرف سني قويّ يرفعها عن كاهل السنّة.

أمّا الأمر الثاني فتلخّصه النتائج البائسة لتجربة العراق بعد تحريره من صدّام وحكمه، ما يرى البعض فيه سبباً وجيهاً للترحّم عليهما، إذ هل يُعقل احتمال كلّ تلك المآسي وبذل كلّ تلك الأكلاف للوصول إلى بلد على هذا النحو؟

يُعتبر العراق اليوم في أكثر فتراته السياسية ما بعد ٢٠٠٣ "استقراراً"، بعد سنوات من العنف والفوضى. ما التوازنات التي أرست هذا "الاستقرار" النسبي برأيك، وهل يمكن البناء عليه؟

لا أظنّ ذلك لأنّ هذا "الاستقرار" تعبير عن تجميد للحياة السياسيّة، وهو مقرون بجعل طهران مصدر التحكيم الأخير في الشأن الشيعيّ. أمّا عنصر الإزعاج الذي مثّلته انتفاضة أواخر 2019 فعُطّل بالقوّة، فيما المكوّنان الآخران، الكرديّ والعربيّ السنّي، يلزمان الحدود التي أملاها تقسيم العمل القائم.

تحضر في العراق أزمة إنتاج النخب السياسية السنية، في وقت يبدو أن التطرف والإرهاب يملآن، في أحيان كثيرة، الفراغ الذي يتركه غياب هذه النخب. ما سبب عدم قدرة العراق على إنتاج زعامة سنية منذ سقوط صدام، وهل الخيارات محدودة إلى هذه الدرجة؟

يشبه وضع السنية السياسيّة العراقيّة وضع المسيحية السياسية اللبنانية قبل خروج الأمن والجيش السوريين من لبنان سنة 2005، أي التهميش الذي يبتر العلاقة بالسياسة كما يبتر الحراك السياسيّ في داخل الجماعة المهمّشة.

وأظنّ، مع توسّع حالة المَيْلَشَة في العراق كما في عموم المشرق العربي، أن السياسة تغدو أقرب إلى الاستحالة، ولا يتسع المجال، إذا اتسع، إلاّ للمداخلات المتطرفة الإرهابية وشبه الإرهابية.

 تحل في العراق هذه الأيام الذكرى العاشرة على اجتياح داعش، والذكرى السابعة على تحرير مدينة الموصل (وقت إجراء الحوار). هنا تحضر إشكالية الأقليات ومصائرها، هل يمكن للعراق أن يتعافى ويستعيد تنوعه الإثني والطائفي. أم أن المسألة أبعد من داعش؟

كانت "داعش" تعبيراً مكثفاً وحاداً وشديد البدائية عن انسداد أبواب السياسة، وعن اتخاذ المنازعات شكلاً يجمع بين العنفية وتعدي الإطار الوطني. وواقع كهذا يُستأنف بأشكال ألطف، والجميع يدفعون أكلاف ذلك، لا سيما الأقليات الأضعف والأصغر، خصوصاً في ظل تماسك جماعة الأكثرية (الشيعيّة) وتسلحها وتواصلها المباشر مع إيران، فضلاً عن الوعي الطائفي النضالي لفصائلها.

في المسألة الكردية، كيف تقيم تجربة الحكم الذاتي وعلاقة أربيل بالحكومة الاتحادية في بغداد. وهل يشكل العنصر الاقتصادي مأزقاً لفكرة الاستقلال الكردي؟

هناك سياسة من التحايُل على الحقوق الفيدراليّة للكرد، والمالُ بعض أشكال هذا التحايُل الذي يستكمله الابتزاز الآيل إلى استضعاف الكرد عبر تعييرهم بعلاقاتهم مع الولايات المتّحدة واتّهامهم الذي لا يكلّ بعلاقات مع إسرائيل.

في الوقت ذاته، وهو مصدر لارتفاع أسهم التشاؤم، لم ينجح الكرد في بناء تجربة أرقى من تجارب العرب، تجربة تكون أقلّ قرابية واعتماداً على الرابط الدموي مع ما يتأدى عن ذلك من إضعاف للشفافيّة، أو أقدر على توحيدهم من السليمانيّة إلى أربيل في نموذج بديل واعد.

هذه حال مدعاة للأسى، لكن ليس لليأس، لظنّي أنها قابلة للإصلاح والاستدراك في زمن لا يطول كثيراً، أو أن هذا ما آمله وأرجوه.

كيف تقرأ الدور الإيراني في العراق؟ وهل ترى أن العراق يشكل جبهة جدية من جبهات محور الممانعة؟

لا نبالغ إذا قلنا إنّ الدور الإيرانيّ في العراق يعادل منع العراق من التشكّل. أما جرّه لأن يصير جبهة من جبهات الممانعة فجديته الأكبر تكمن في هذا الهدف بالضبط، أي في إبقائه بلداً متعثّراً ومتنازعاً داخلياً ومرتَهَناً لطهران، أمّا إذا كان المقصود بالجدية فعاليته العسكرية كجبهة ممانعة فهذا ما تحيط به شكوك كثيرة.

وفي هذا لا تُلام إيران بل يُلام العراقيّون الذين تسلّموا في 2003 بلداً كبيراً يملك شروط القوّة والغنى، فأهدوه إلى جيرانهم. وهي واقعة تنبّه مرة أخرى إلى مدى تغلّب الرابط المذهبيّ العابر للحدود في منطقة المشرق على الرابط الوطنيّ.

هل من دور تلعبه دول الخليج العربي في العراق لموازنة الحضور الإيراني؟

لا أعرف. أظن أنها، من خلال متابعة إعلامها وفي حدود ما هو متاح لها دبلوماسياً، تحاول ذلك.

بعد هجوم السابع من أكتوبر في إسرائيل، عاد إلى الواجهة الحديث عن الإخوان المسلمين في العراق، واتصالهم بالقضية الفلسطينية. هنا يحضرني سؤالان: الأول عن علاقة العراق بالقضية الفلسطينية وهل هي في صلب اهتمامات الشارع العراقي أم أنها مادة للاسثمار السياسي؟ والسؤال الثاني: هل ترى أن تجربة "الإخوان" ممكنة في عراق اليوم؟

بطبيعة الحال يتفاعل العراقيّون بقوّة، شأنهم شأن باقي المشارقة، مع القضية الفلسطينية. لكنني أظن، وفي البال تاريخ الحقبة الصدامية وما تلاها من أعمال ثأرية وعنصرية نزلت بفلسطينيي العراق، أنّ المسألة الطائفية هي التي تقرر اليوم هذا التفاعل، وهي التي توظفه بما يلائمها.

أليس من المريب أن البيئة التي هاجمت الفلسطينيّين في 2003 و2004 واتهمتهم بالصدامية كما أخذت على صدام إهداره أموال العراقيين على فلسطين والفلسطينيّين، هي التي تخوض اليوم معركة غزّة!؟ أمّا الإخوان المسلمون العراقيون فلا أملك اليوم ما يكفي من معلومات عن أحوالهم بما يتيح لي الرد على السؤال، لكنّني أظن أن فرصة لعب الإخوان دوراً أكبر متاحة وممكنة مبدئياً في ظل غياب قوى سياسية سنية منظمة وفي المناخات التي تطلقها حرب غزة ودور حركة حماس ذات الأصل الإخواني فيها.

إذا أجريتَ مراجعة نقدية لرؤيتك السياسية حول العراق، هل ترى أنك اخطأت في مكان ما؟ أين؟

بطبيعة الحال أخطأت كثيراً. فإذا كان المقصود أطوار الماضي، حين كنت متعاطفاً مع الناصرية والبعث ثم إبان ماركسيتي، فكلّ ما فعلته وقلته كان خطأ. وأمّا إذا كان القياس على وعيي الراهن، أي ما يعود إلى قرابة 45 عاماً إلى الوراء، فأظن أن الأخطاء لم تكن من نوع "إستراتيجيّ" إذا صحّ التعبير، بل طالت درجات الحماسة والاندفاع وسوء التقدير في بعض الأحيان.

برأيك هل يمكن للعراق أن يستقر ويأخذ سيادته الكاملة في ظل تجربة ديمقراطية رائدة، أم أن الأوان قد فات على ذلك؟

ليس هناك ما "يفوت" في ما أظن، لكن الحديث في المستقبل هو ما تعلمنا التجارب أن نتروى ونتردد كثيراً فيه. ما يمكن قوله إن تجارب كبرى فاتت وتعويضها يستلزم جهوداً جبارة لا يبدو لي أن ثمة ما يشير إليها أو يوحي بها راهناً.