العراق شهد موجة احتجاجات في 2019 مناهضة للفساد والمحاصصة - AFP

تثير المحاصصة وعمليات الفساد المستشرية في العراق منذ سنوات، رغم إعلان الحكومات المتعاقبة إصرارها على معالجة هذه الملفات، قلقًا متزايدًا من تآكل مؤسسات الدولة وتعطيل عملها، مما يهدد استقرار العملية السياسية التي باتت تواجه تحديات وجودية.

في ظل هذا الواقع، تتصاعد دعوات التيارات السياسية والمعارضين إلى ضرورة اتخاذ إجراءات حازمة وجذرية لاحتواء هذه الآفة المتجذرة، بما في ذلك إجراء حوار وطني شامل يعيد بناء الثقة بين مكونات الشعب العراقي ويؤسس لمرحلة جديدة من الشفافية والمساءلة.

الفساد مستشر

وتصنف منظمة الشفافية الدولية، المعنية بمراقبة الفساد، العراق اليوم ضمن 25 دولة هي الأكثر فسادًا في العالم، إذ تهيمن هذه الآفة على أغلب مؤسساته.

وتشير تقارير منظمة الشفافية الدولية إلى أن العراق احتل عام 2023 المرتبة السابعة عربيًا و153 عالميًا من مجموع 189 دولة مدرجة ضمن قائمة المنظمة، فيما أفرزت سياسة المحاصصة الحزبية إقصاء وتهميش الكفاءات وعرقلة جهود بناء دولة تقوم على المساواة وتحقيق العدالة.

ووفقًا لأرقام رسمية نشرت عام 2020 ونقلتها وكالة "فرانس برس"، فإن سوء الإدارة في العراق كان السبب وراء اختفاء أكثر من 400 مليار يورو خلال قرابة 20 عامًا، ذهب ثلثها إلى خارج البلاد.

وكانت مبعوثة الأمم المتحدة في العراق، جينين بلاسخارت، قد صرحت في أكتوبر 2022: "يمثل الفساد المستشري سببًا جذريًا رئيسيًا للاختلال الوظيفي في العراق"، قبل أن تؤكد أنه "لا يمكن لأي زعيم أن يدّعي أنه محمي منه".

وفي أكتوبر 2024، نقلت وكالة الأنباء العراقية عن رئيس مجلس الوزراء، محمد شياع السوداني، تأكيده أهمية التنسيق العالي بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية للمضي قدمًا في ملف مكافحة الفساد، مشددًا على أن الحكومة وضعت ملف مكافحة الفساد ضمن أولويات عملها.

ويعتبر الناشط المدني، حميد جحجيح، أن غياب الإرادة السياسية والرغبة لدى التيارات المشاركة في صناعة القرار في إصلاح المنظومة السياسية يحدّ من الحلول اللازمة للتغيير.

وقال جحجيح، لموقع "الحرة"، إن دعوات بعض السياسيين لمحاربة الفساد والمحاصصة والطائفية هي مجرد خطاب إعلامي، لأن هؤلاء هم من يديرون العملية السياسية، فكيف يمكن لهم تحقيق ذلك؟

وأضاف أن المواطن العراقي مستاء من آلية إدارة الدولة وأصبح مقتنعًا أن هذه النخب السياسية عاجزة عن إجراء إصلاحات أو أي تغيير في النظام السياسي القائم.

وشهد العراق في أكتوبر 2019 احتجاجات واسعة ضد الفساد والمحاصصة وسوء الخدمات والبطالة، استمرت لأشهر اعتصم خلالها عشرات الآلاف في ساحة التحرير في بغداد ومحافظات الوسط والجنوب.

ويعتقد جحجيح، وهو أحد المشاركين في "مظاهرات تشرين"، أن الحوار الوطني ومواثيق الشرف ليست حلًا، لأن القوى السياسية تجلس يوميًا إلى طاولة واحدة وترتبط بمصالح مشتركة، ليتساءل الناشط عن "جدوى الحوار الوطني".

دعوات لحوار وطني

وكان ساسة من المكون السني، بينهم رئيس مجلس النواب الأسبق محمود المشهداني، ونائب رئيس الوزراء الأسبق صالح المطلك، وأسامة النجيفي، وسليم الجبوري، قد دعوا في بيان مشترك صدر منتصف ديسمبر الجاري إلى حوار وطني صريح وجاد لتحديد جوانب الخلل في العملية السياسية وإدارة الدولة، وإصلاح الخلل التشريعي الذي يناقض الدستور. كما حذروا من مخاطر جر العراق إلى أتون حرب أهلية.

ويقول السياسي السني، عمار العزاوي، إن الفساد مستشرٍ وينخر المؤسسات الحكومية والبنية الاقتصادية للبلاد، رغم الإجراءات الحكومية الحثيثة لمحاربته.

وأشار العزاوي، في حديث لموقع "الحرة"، إلى أن الاتفاقات السياسية فرضت المحاصصة كحل للحفاظ على التوازن في تقاسم المناصب السياسية والمؤسساتية، بغية تجاوز الحديث عن الطائفية المجتمعية.

وأوضح أن لكل حزب رؤيته وسياساته الخاصة، سواء أكانت علمانية، إسلامية، راديكالية، أو ليبرالية، وهي متفاوتة في عملية التطبيق والممارسة.

وأكد العزاوي على أهمية مشاركة النخب السياسية والمجتمعية والأكاديمية في حوار وطني بغية التصالح والتقارب ورأب الصدع بين جميع المكونات، معربًا عن أمله بأن تتوصل مختلف التيارات إلى نبذ الخلافات وبناء بلد جامع لجميع المكونات.

المحاصصة لا تفرز دولة قوية

ويتفق عضو ائتلاف دولة القانون، حسين المالكي، على أن الفساد مستشرٍ، ووصفه بالآفة الخطيرة التي تهدد كل مفاصل الدولة ومؤسساتها. وأكد أن المحاصصة أنهكت المنظومة الحكومية، وأنه لا يمكن بناء دولة مدنية قوية بالاعتماد على المحاصصة.

وأشار إلى أن ائتلاف دولة القانون يقف ضد الفساد، وأكد أن المكون الشيعي يرحب دائمًا بالحوار الوطني البناء والمثمر، بعيدًا عن التشنجات الطائفية والقومية والحزبية، شرط أن يكون للحوار جدوى وينسجم مع الوضع السياسي في البلاد، وتركز مخرجاته على مصلحة الدولة والمواطن.

العراق أمام مفترق طرق خطير

السياسي الكردي وعضو الحزب الديمقراطي الكردستاني، محمد زنكنة، يرى أن العراق يسير نحو مستقبل مجهول، مشيرًا إلى تفاقم الصراعات السياسية بين المكونات الأساسية المُشكِلة للحكومة: "الشيعة، السنة، والأكراد"، وحتى داخل المكون الواحد، حيث يتصرف الطرف ذو الأغلبية وفق سياسة الانتقام.

وأضاف زنكنة، لموقع "الحرة"، أن العراق يقف على مفترق طرق خطير، معتبرا أن التطورات في سوريا تؤثر بشكل أو بآخر عليه، نتيجة تدخل ميليشيات لا تأتمر بأوامر الدولة في شؤون دول الجوار.

وأشار إلى أن العراق بحاجة إلى إرادة وطنية لإعادة صياغة بناء الدولة، محذرًا من مخاطر انفجار الصراع الطائفي في حال تخلى المجتمع الدولي والولايات المتحدة عن دعم العراق.

واعتبر زنكنة أن الحوار الوطني لن يكون مفتاحًا لحل الخلافات والصراعات في العراق، وقال إن جولات الحوار المتعددة والمواثيق والاتفاقيات التي أبرمت بين المكونات العراقية خلال عقدين لم تُنفذ أي من مخرجاتها. وأشار إلى أن أكثر من خمسين مادة دستورية لم تُطبق بعد.

ويعتقد زنكنة أن العملية السياسية في العراق بحاجة إلى إعادة تأهيل بمساعدة دولية، مشيرًا إلى ضرورة لعب الولايات المتحدة دورًا أكبر في إعادة تشكيل العملية السياسية بناءً على الدستور.

سياسة تهميش وإقصاء الأقليات

السياسي التركماني، عدنان التونجي، قال إن التركمان لا يزالون يتعرضون للتهميش والتمييز، رغم مرور أكثر من عقدين على سقوط النظام السابق. وأشار إلى أن سياسة المحاصصة وإقصاء الآخر تجذرت داخل البنية السياسية في العراق، وهي تسير بالبلاد نحو المجهول.

ويعتقد التونجي أن الحوار الوطني أمر مطلوب، شرط أن تكون النوايا صادقة ووطنية. وحذر من مخاطر الوضع الإقليمي وتبعاته السلبية على العراق، داعيًا إلى نبذ الخلافات وحماية البلاد من الدخول في صراعات وحروب جديدة.

المحاصصة الوجه الأبرز للمشهد السياسي العراقي

ويقول المحلل السياسي، عصام الفيلي، لموقع "الحرة"، إن الفساد والمحاصصة والطائفية هي الوجه الأبرز للمشهد السياسي في العراق منذ عام 2003.

وأضاف أن جميع القوى السياسية ساهمت في استشراء هذه الآفة الثلاثية وإرساء جذورها، وليس هناك جهة سياسية تتبنى الكفاءات المستقلة لمشروع بناء دولة.

واعتبر أن جميع المكونات تتحمل مسؤولية تقويض النظام الديمقراطي في العراق، لافتًا إلى أن التقاطعات والخلافات بين المكونات المشاركة في الحكومة تبرز عندما تتضارب المصالح الحزبية والسياسية، مما يؤدي إلى تبادل الاتهامات بالطائفية والمحاصصة.

وأشار إلى أن المواطن يبحث عن دولة مؤسسات وخدمات، متسائلًا: "أين أنا من أولويات الطبقة السياسية؟"

ويرى الفيلي أن دعوة مكون معين إلى حوار وطني في هذا الوقت قد تحمل رسالة ضغط على مكون آخر، مما قد يُفسر على أنه محاولة للاستفادة من المتغيرات في المنطقة لتحقيق مكاسب سياسية أكبر.

ودعا القوى العراقية إلى إعادة النظر في سياسة إدارة الدولة وأخذ العبرة مما وصفه بـ"تسونامي التغيير" الذي ضرب المنطقة، مع احتمال أن يطال العراق.

مذكرات تفاهم لإنشاء محطات إنتاج كهرباء في العراق
مذكرات تفاهم لإنشاء محطات إنتاج كهرباء في العراق

وقعت السلطات العراقية الأربعاء، مذكرات تفاهم بين غرفتي التجارة العراقية والأميركية والتي تفضي إلى إنشاء أكبر محطة إنتاج كهرباء في العراق.

وحضر توقيع مذكرات التفاهم، رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني والتي تتضمن مذكرة تفاهم مع شركة "جي إي فيرنوفا" لمشاريع لمحطات إنتاج الطاقة ستكون الأوسع والأحدث في تاريخ العراق، بحسب بيان لمكتب رئيس الوزراء.

وتنتج هذه المحطات "الغازية المركبة" بحدود 24 ألف ميغاواط، والتي ستستخدم "الغاز والنفط الثقل في عمليات الإنتاج.

كما تم التوقيع على مذكرة بين وزارة الكهرباء ومجموعة "يو تي جي رينيوبال" لإنشاء مشروع متكامل للطاقة الشمسية بسعة 3 آلاف ميغاواط، وأنظمة تخزين طاقة البطاريات تصل إلى 500 ميغاواط/ ساعة، وتحديث خطوط نقل وتوزيع الكهرباء.

 

إضافة إلى إنشاء ما يصل إلى 1000 كم من البنية التحتية الجديدة لنقل التيار المباشر عالي الجهد.

ولا تقتصر هذه الاتفاقيات على التنفيذ إذ تتضمن نقل التكنولوجيا، والتدريب، والتشغيل، والصيانة.

بدائل وفرص.. العراق بين تبعات العقوبات وأزمة الطاقة
العقوبات الأميركية المفروضة على إيران تزداد قوة، إذ تواصل واشنطن منع العراق من الحصول على إعفاءات جديدة لاستيراد الغاز الإيراني، في وقت يعتمد العراق بشكل أساسي على هذا الغاز لتشغيل المحطات التي تمثل المصدر الرئيس للطاقة الكهربائية في البلاد.

وفي الملتقى الذي نظمته غرفة التجارة الأميركية العراقية الأربعاء في بغداد، كشف نائب رئيس مجلس الوزراء لشؤون الطاقة وزير النفط حيان عبد الغني السواد، أن الوزارة تعمل على استثمار أكثر من 70 في المئة من الغاز المحترق، وصولا لاستثمار كامل للغاز المنتج قبل العام 2030.

وخلال استقبال وفدا اقتصاديا من غرفة التجارة الأميركية، وعددا من رؤساء الشركات والمستثمرين الأميركيين، قال رئيس الوزراء، السوداني إن "العراق ينتج 4 ملايين برميل نفط في اليوم، لكن الغاز المصاحب يحرق، وفي الوقت نفسه نستورد الغاز لتشغيل محطات الكهرباء"، بحسب وكالة "واع".

وأشار إلى أنه تم البدء في "تنفيذ عقود مع شركات عالمية وسوف يتوقف حرق الغاز مطلع 2028"، مؤكدا أن "العراق من الدول العشر الأولى في العالم بمخزون الغاز الطبيعي".

وبين السوداني، أن "هناك من يرسم صورة سلبية عن الوضع في العراق، وهو أمر غير منصف وغير دقيق، حيث إن العراق شهد دخول شركات استثمارية عديدة لتنفيذ مشاريع في مجالات الطاقة والسكن والصناعة والزراعة، وبلغت قيمة الإجازات الاستثمارية 88 مليار دولار".

ويواجه العراق منذ أوائل تسعينات القرن الماضي معضلة نقص هائل في الطاقة الكهربائية بعد تدمير شبكته الوطنية خلال حرب الخليج الثانية التي نشبت بعد احتلال العراق للكويت عام 1990، وما تبعها من حصار اقتصادي (1990-2003) وهي الفترة التي شهد العراق خلالها انقطاعات مبرمجة ومتباينة للطاقة في بغداد والمحافظات، حتى وصلت إلى قطع الكهرباء لأكثر من عشرين ساعة في اليوم الواحد.

ولم تنجح مشاريع رفع إنتاج الطاقة الكهربائية في العراق التي أقيمت بعد عام 2003، بل أدت الى زيادة اعتماد العراق على الغاز المستورد من إيران لتلبية حاجة مشاريع الطاقة، فيما يتم هدر الغاز المصاحب لعميات استخراج النفط الخام عبر حرقه مسببا خسائر بملايين الدولارات يوميا دون تحقيق أي استفادة منه.

ويستورد العراق من إيران 50 مليون قدم مكعب من الغاز وتشكل ثلثا من إنتاج الطاقة الإيرانية بحسب ما كشف المتحدث باسم الحكومة العراقية، باسم العوادي في مارس الماضي.

ووفقا لوزارة الكهرباء العراقية، يحتاج البلد إلى نحو 50 ألف ميغاواط لسد حاجته من الطاقة في فصل الصيف، في حين ينتج حاليا نحو 28 ميغا واط، بحسب الأرقام الرسمية.