صورة إرشيفية لعائلة سورية نزحت إلى العراق واستقرت في مخيم للاجئين
صورة إرشيفية لعائلة سورية نزحت إلى العراق واستقرت في مخيم للاجئين

زكريا محمد، مثل العديد من السوريين، فر من بلده بحثا عن الأمان. ورغم التوقعات الكبيرة التي كان يحلم بها في العراق، إلا أن الواقع الصعب فاقم من معاناته وأدى إلى تحطم آماله.

ورغم سقوط نظام بشار الأسد، فإن الوضع الراهن في سوريا، خاصة في شمال شرق البلاد، لا يزال غير مستقر. والعودة ليست آمنة في نظر البعض.

ويعيش السوريون الآن بين المطرقة والسندان، بحسب محمد الذي قال: "إما العودة إلى وطن غير مستقر سياسيا واقتصاديا وأمنيا، أو البقاء في بيئة لا تضمن لنا حقوقا أساسية أو استقرارا قانونيا".

محمد (42 عامًا) هو طالب لجوء سوري وناشط، من مواليد مدينة القامشلي في شمال شرق سوريا. 

دفعت الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية محمد كغيره إلى البحث عن ملاذ آمن، ليترك في عام 2013 مدينته ويهرب مع عائلته إلى إقليم كردستان العراق.

لم يكن يعتقد يومًا أنه سيغادر مدينته التي تحمل ذكريات طفولته، ولكن الظروف القاسية أجبرته على ذلك من أجل ضمان سلامة عائلته وحمايتها من المخاطر المتزايدة.

واليوم يعيش محمد وغيره السؤال الأصعب: هل نعود بعد أن سقط الأسد؟

 يقول محمد إن الاقتصاد السوري منهار، "ولا توجد فرص عمل ولا خدمات أساسية مثل الكهرباء، الغاز، والوقود، فضلًا عن غياب التعليم والبنية التحتية".

هذه العوامل تجعل العودة خيارا محفوفا بالمخاطر، أما البقاء في شمال لعراق، فيعني حياة ليست سهلة، ويضطر اللاجئ إلى العمل بأقصى طاقته لتأمين قوت يومه "من دون أي امتيازات قانونية أو حقوق تجعلنا نشعر بالأمان".

وتزايدت المخاوف بشأن تقارير تتحدث عن ضغوط أو ترتيبات "خلف الكواليس" لإجبار اللاجئين على العودة إلى سوريا بعد سقوط الأسد.

 وفي ظل عدم استقرار الوضع هناك، يشعر محمد أن السوريون قد يجبرون على خيار لا يلبي الحد الأدنى من معايير الأمان والكرامة.

هذه الأسباب كانت السبب في ازدياد المطالبات مؤخرا من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بإعادة فتح ملفات اللاجئين السوريين في إقليم كردستان العراق، ومنحهم صفة "لاجئ" بدلًا من "طالب لجوء".

هذه الخطوة، يقول زكريا محمد، ستفتح لهم آفاقًا جديدة نحو الاستقرار والحصول على حقوقهم بما في ذلك فرص إعادة التوطين.

ومن بين المناشدات الأخرى، تسهيل إجراءات الإقامة وتجديدها، وزيادة أعداد ملفات إعادة التوطين، وإنشاء برامج تدعم اللاجئين في التعليم والعمل والرعاية الصحية.

الأهم من هذا كله، بحسب محمد، "وجود ضمانات أن تكون أي خطة لإعادة اللاجئين طوعية، مع توفير الضمانات الأمنية والمعيشية في بلدهم الأصلي" وفق قوله.

سوريات في القاهرة - أرشيفية (رويترز)
"في مواجهة المجهول".. السوريون في مصر بعد سقوط الأسد
تشعر سلام بأنها حبيسة داخل العاصمة المصرية القاهرة، إذ تخشى طوال الوقت المرور على أي من الأكمنة الأمنية على الطرق منذ إتمام دراستها في مصر التي كانت قد حصلت بموجبها على الإقامة في البلاد منذ قدومها من سوريا، لكنها يحدوها الأمل من تبني مصر قانونا جديدا بشأن اللجوء.

أكثر من 300 ألف سوري يعيش معظمهم في المخيمات

محمد شريف رئيس منظمة "هيتما" السورية للتنمية الثقافية والاجتماعية، مقرها في مدينة أربيل شمال العراق، يقول إن هناك نحو 300 ألف سوري لجأوا الى العراق منذ عام 2011 معظمهم في إقليم كردستان.

قسم كبير من هؤلاء يعيشون في مخيمات خصصت لهم في أربيل، حيث هناك 4 مخيمات، ومخيمين في دهوك ومخيم آخر في السليمانية، والآخرون تمكنوا من الحصول على سكن والعيش داخل المدينة.

يقول شريف للحرة إن وضع السوريين في البداية كان جيدا مقارنة بأقرانهم الآخرين في دول الجوار، لكن الظروف التي مر بها العراق من الحرب ضد داعش عام 2014 وجائحة كورونا وقلة فرص العمل بسبب الأزمة الاقتصاية في الإقليم، "كلها أمور أثرت سلبا على حياتنا".

وضع اللاجئين سواء كانوا في المخيمات أو في المدينة هو واحد، فلا توجد مساعدات تقدم للاجئين في المخيمات، عدا السكن المجاني، والآخرون الذين يعيشون في المدن ترهقهم أجور السكن.

ويضيف شريف، أن "غياب فرص العمل هو أبرز تحدي يواجه السوريين ويسبب مشاكل اقتصادية فاقمت من ظروفهم الإنسانية".

ضبابية المشهد تزيد من مخاوف العودة

استبشر السوريون خيرا بسقوط نظام بشار الأسد لكن المشهد في بلدهم ما زال ضبابيا ومستقبلهم ما زال مجهولا.

المصير المجهول، بحسب شريف هو أبرز مخاوف اللاجئين، إذ يقول إن البلد انتقل من نظام دكتاتوري إلى آخر "شبه دكتاتوري أو أكثر دكتاوتورية" من النظام السابق.

الجميع يرغب في العودة حال استقر البلد ووضحت ملامح الدولة، لكن المصير المجهول والدمار الواسع أمور تجعل من الصعب للاجئ السوري أن يعود حاليا، ويضيف شريف "نحن لا نرغب في البقاء في دول النزوح والمهجر ومستعدون للعودة لكن شريطة أن تتوفر ظروف العيش الطبيعية"

بعد سقوط نظام الأسد، شهدت حدود العراق الشمالية عودة سوريين إلى بلدهم، لكن بحسب محمد شريف، فأن هذه العودة "محدودة وحالات فردية تقتصر على بعض الشباب".

بلا وثائق.. ومخاوف من ترحيل قسري

في يونيو 2024، وثقت منظمة مراقبة هيومن رايتس ووتش" قيام السلطتين الاتحادية في بغداد، وإقليم كردستان في أربيل باعتقال وترحيل اللاجئين السوريين بشكل تعسفي إلى بلادهم.

وقالت المنظمة آنذاك إنها وثقت حالات ترحيل سوريين على الرغم من أن لديهم إقامة قانونية أو أنهم مسجلون لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

وقالت إن سوريين تم اعتقالهم خلال مداهمات على أماكن عملهم أو في الشوارع، وحتى في مكاتب الإقامة أثناء محاولتهم تجديد تصاريحهم.

ومعظم السوريين في العراق هم طالبوا لجوء وليسوا لاجئين رسميين.

ويقول محمد شريف إن هؤلاء لا يحملون أي وثائق سورية، فقط هوية تصدرها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين توفر الحماية لهم، فضلا عن الإقامة السنوية التي تسمح لهم البقاء في إقليم كردستان.

ولا يملك طالبوا اللجوء أي حقوق أو توفر لهم أي امتيازات، ويضيف شريف أن طالب اللجوء محروم من حق الهجرة أو إعادة التوطين في بلد ثالث.

 وطالب اللجوء برأيه، "لا يملك أي حقوق سوى الإقامة في الإقليم والحصول على الحماية ولا يسمح له حتى السفر إلى مناطق أخرى داخل العراق بحثا عن لقمة العيش وتحسين وضعه المادي".

مشكلة عودة السوريين، يقول شريف، مربوطة أيضا بعدم امتلاك العديد منهم أي وثائق سورية بعد أن تضطروا الى ترك كل شيء خلفهم، مشيرا إلى أن جميع الأطفال الذين ولدوا في العراق أو نشأوا هناك هم أيضا "من دون هويات".

طالب اللجوء لا تحميه القوانين المحلية ولا يستطيع المطالبة الدفاع عن حقوقه في حال تعرض إلى أي انتهاك من قبل رب العمل مثل قطع الراتب من دون سبب. 

ويضيف محمد شريف أن القوانين الدولية تمنع إعادة اللاجئين قسرا إلى مناطقهم الأصلية حتى بعد زوال السبب (سقوط نظام الأسد في هذه الحالة).

لافتة مكتوب عليها "المغادرة إلى سوريا" عند معبر المصنع الحدودي مع لبنان (رويترز)
ماذا عن "الأسماء الكبيرة"؟.. جدل بعد تسليم لبنان العشرات لسلطات سوريا الجديدة
عشرات السوريين عمد لبنان لتسليمهم إلى لسلطات الجديدة في دمشق، بينهم ضباط في جيش نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.. خطوة جاءت في الوقت الذي لا تزال عمليات البحث مستمرة عن "الأسماء الكبيرة" التي فرّت من سوريا مع سقوط النظام، والتي أشارت تقارير إلى أن هروبها تم عبر الأراضي اللبنانية، وسط دعوات لمحاسبتها.

سقوط الأسد .. زال المانع ويعود الممنوع

الخبير القانوني علي التميمي قال من جهته لـ "الحرة" إن اتفاقية جنيف 1951، وبروتوكولها لعام 1967، نظمت منح اللجوء الإنساني والسياسي، وإن العراق طرف في اتفاقية اللجوء الدولية لعام 1961 ووقع عليها عام 1975.

يضيف التميمي، أن بعض الدول سيما تلك التي تستقبل أعدادا كبيرة من اللاجئين إلى قاعدة "بزوال المانع .. يعود الممنوع" لإعادتهم إلى بلدانهم الأصلية بعد زوال سبب اللجوء، سواء كان اضطهادا أو حربا أو قمعا أو خوفا أو عدم استقرار أمني.

أيضا بعض الدول تلجأ إلى إعادة اللاجئين لأسباب أخرى منها ان هذا الوجود يثقل الكاهل، حسب تعبيره.

ويرى التميمي أن حالات العودة التي جرت في بعض الدول حاليا لم تكن قسرية، وأنه مع غياب مقومات العيش الكريم وغياب الأمن والاستقرار في سوريا.

ومن الصعب، بحسب التميمي، أن يجبر السوريون على العودة، مشيرا إلى أن الدستور العراقي مثلا يمنع تسليم اللاجئ السياسي أو الإنساني إلى بلده الأصلي.

لكن القصة تختلف مع طالب اللجوء، إذ يقول التميمي إن هذا الشخص حسب القوانين المحلية هو "مقيم" وتسري عليه قانون الإقامة.

ويضيف أن السلطات المحلية تملك صلاحية تجديد الإقامة من عدمه، بحسب "تقديرات السلطات ووضع البلد المضيف".

وتجديد الإقامة للسوريين يعتمد على تقدير السلطات العراقية للأوضاع في سوريا ومدى استقرار البلد سياسيا واقتصاديا وأمنيا.

ويقول التميمي، إن عدم امتلاك السوريين لوثائق رسمية من بلدهم "سيعقد موضوع تجديد الإقامة وقد يستخدم عذرا لترحيلهم".

وتقول المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إن طالب اللجوء هو شخص يتقدم (أو يستعد للتقدم) بطلب للحصول على صفة اللجوء في بلد آخر طلباً للحماية الدولية، لكنه لم يتم بعد البت بشكل نهائي بشأن الحاجة للحماية لهؤلاء الأشخاص.

 وفي حين أنه لن يتم الاعتراف بكل طالب للجوء على أنه لاجئ في نهاية المطاف، إلا أنه لا يجوز إعادة طالب اللجوء إلى بلده الأصلي في انتظار صدور قرار نهائي.

وبحسب الأمم المتحدة، يستضيف العراق أكثر من 327000 لاجئ وطالب لجوء، 90% منهم من السوريين ويعيشون في إقليم كردستان العراق.

يعيش أكثر من 70% من اللاجئين في المناطق الحضرية، بينما يقيم 30% في تسعة مخيمات للاجئين في إقليم كردستان. ويشكل الأطفال تحت سن 18 عامًا 41% من اللاجئين.

وبحسب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، بلغ العدد الاجمالي للسوريين اللاجئين في العراق حتى نهاية العام الماضي أكثر من 303500 شخص.

لا حقوق ولا امتيازات

معظم السوريين الذين يقيمون في شمال العراق هم طالبوا لجوء ولكن ليسوا لاجئين .. والفرق كبير بينهما!

فطالب اللجوء، هو شخص غادر بلده بسبب الاضطهاد أو الحرب أو العنف، وتقدم بطلب للحماية الدولية في بلد آخر. وطلبه قيد الدراسة، ولم يُمنح بعد صفة “لاجئ”.

خلال هذه الفترة، قد يواجه هذا الشخص قيودًا قانونية واجتماعية كبيرة، وقد يُحرم من حقوق مثل العمل، والتعليم، أو التنقل بحرية.

أما اللاجئون السوريون في العراق، بحسب زكريا محمد، فقد تم الاعتراف بهم رسميًا من قبل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين ويتمتعون بحقوق قانونية، منها العمل والتعليم والرعاية الصحية، وحتى إعادة التوطين في بلد ثالث بموجب اتفاقية اللاجئين لعام 1951.

يقول محمد "منذ وصولنا عام 2013، نحن مسجلون كطالبي لجوء ولم نحصل بعد على صفة لاجئ، وهذا يحرمنا من العديد من الحقوق، مثل إعادة التوطين أو الوصول إلى استقرار قانوني يضمن لنا حياة كريمة".

عشرات الآلاف من السوريين وبسبب هذه الصفة القانونية، لا يتمتعون بأي امتيازات حقيقية. 

ويذكر محمد أن هناك مضايقات تعيق حصول طالبي اللجوء على فرص العمل، وحتى التنقل والسفر إلى محافظات عراقية أخرى يتطلب ضمانات وشروطًا معقدة.

بيروقراطية وعراقيل تجديد الإقامة

الإجراءات البيروقراطية المعقدة المتعلقة بتجديد الإقامات السنوية تشكل عبئا آخر على اللاجئين. 

ويقول اللاجئ زكريا محمد إن معاملات إعادة التوطين الخاصة بالمفوضية السامية لشؤون اللاجئين "محدودة جدًا مقارنة بعدد اللاجئين الموجودين في الإقليم" وإن هذا الموضوع يجعل قائمة الانتظار طويلة ويزيد من حالة عدم اليقين بشأن مستقبلهم.

وتحدث محمد عن وقوع حالات عدم تجديد للإقامة، وترحيل البعض بسبب انتهاء صلاحية إقاماتهم أو لعدم قدرتهم على تحمل التكاليف المالية.

وأضاف أنه في الأشهر الأخيرة، تم منع بعض السوريين من الحصول على تأشيرات جديدة، وأن نظام الإقامات أصبح أكثر صعوبة.

ويذكر محمد "حُددت مدة الإقامة بـ6 أشهر بدلًا من سنة، مع شروط تتطلب كفالات وضمانات اجتماعية، مما زاد من الأعباء المالية ومنع البعض من التجديد".

ورغم استضافة إقليم كردستان العراق لعدد كبير من اللاجئين السوريين منذ سنوات، لكن محمد يذكر أن وضعهم الإنساني صعب للغاية وحقوقهم "مهضومة على عدة مستويات".

من هذه المشاكل، يضيف محمد، نقص تمويل ودعم برامج تعليم الأطفال اللاجئين، والرعاية الصحية محدودة ومكلفة، والقيود القانونية التي تعيق حصولهم على فرص العمل.

 

العراق

في زوايا معتمة تحت الأرض، وفي مناطق عسكرية مغلقة لا تدخلها حتى الدولة، تتوسع بصمت إمبراطورية تسليح تقودها إيران من قلب العراق.

ليست مجرد شحنات تمر عبر الحدود، بل مصانع متكاملة، وخبراء تحت غطاء دبلوماسي، وتكنولوجيا حربية متقدمة تُبنى وتُختبر داخل الأراضي العراقية ـ وكل ذلك تحت مظلة هيئة الحشد الشعبي.

من الطائرات المسيّرة الانتحارية إلى صواريخ "رعد 1" بعيدة المدى، لم تعد هذه الأسلحة تُصنع في طهران فحسب، بل أيضا في جرف الصخر والزعفرانية وعين التمر والنهراون، لتغذي صراعات في اليمن، وسوريا، ولبنان. 

والنتيجة؟ عراق محاط بالاتهامات، غارق في شبكات السلاح، ومهدد بالتورط في حروب لا تعنيه.

ورغم محاولات الحكومة العراقية التأكيد على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، يظهر الواقع على الأرض عكس ذلك، مع عشرات الميليشيات التي لا تزال تحتفظ بترسانتها من الأسلحة وتعمل كذراع إقليمي لطهران.

في خضم الحرب ضد تنظيم داعش قبل بعض سنوات، استطاعت إيران نقل جزء من تكنولوجيتها العسكرية إلى العراق، وأسست بنية تحتية لصناعة الأسلحة وتخزينها، بالتعاون مع الفصائل العراقية المسلحة الموالية لطهران.

تنتج مصانع السلاح التابعة لمديرية الإنتاج الحربي في هيئة الحشد الشعبي طائرات مسيرة وصواريخ بالستية متنوعة المديات، وتطور دبابات ومدرعات روسية وأنظمة اتصالات رقمية وغرف تحكم وسيطرة، إلى جانب مدافع ثقيلة وقذائف وقطع غيار وأسلحة متوسطة وخفيفة وذخائر.

ورغم حديث هيئة الحشد الشعبي عن تطوير قدرات تسليحية أحيانا، اعتذر العديد من السياسيين وحتى الخبراء العراقيين المقربين من أحزاب السلطة والمعارضين أيضا، من الحديث عن الموضوع.

ويرجح خبراء وسياسيون تحدث معهم موقع "الحرة" التكتم عن الموضوع ناتج الخوف من التعرض للاستهداف أيدي مخابرات الحرس الثوري الإيراني التي تتولى "بالتنسيق مع المليشيات العراقية ملف حماية الخبراء الإيرانيين ومواقع صناعة الأسلحة والصواريخ.

ولمعرفة تفاصيل الصناعات الحربية في هيئة الحشد الشعبي، تواصل موقع "الحرة"، 

واعتذر  كريم الكناني، مسؤول العلاقات في هيئة الحشد، عن التصريح، قائلا إنه "ليس مخولا" التصريح عن هذا الموضوع، بينما لم يجب المتحدث الرسمي للهيئة، مؤيد الساعدي، على أسئلة "الحرة".

في المقابل، يشير القيادي في حزب الحرية الكردستاني الإيراني المعارض، خليل نادري، إلى أن إيران ما زالت تواصل تزويد مليشياتها في العراق بالسلاح، وترسل عبر العراق السلاح وقطع الغيار إلى ميليشياتها في اليمن ولبنان.

ويضيف نادري لموقع "الحرة" أن "الحرس الثوري يتبع طريقتين لتزويد المليشيات في العراق والمنطقة بالسلاح: الأولى هي إرسال الأسلحة بشكل مباشر، والثانية إرسال قطع الغيار والخبراء المختصين بصناعة الأسلحة إلى هذه البلدان".

ويلفت نادري إلى أن قطع غيار الأسلحة تصل على شكل قطع متفرقة كي لا تثير الشكوك بينما يدخل الخبير الإيراني تحت غطاء موظف دبلوماسي وينتقل فيما بعد إلى موقع صناعة الأسلحة.

ويشير نادري إلى أن الأسلحة التي يصنعها الحشد  الشعبي في العراق، وخاصة الطائرات والصواريخ، لم تكن خاصة بتسليح المليشيات داخل العراق فحسب، بل زود الحرس الثوري مليشيات الحوثي وحزب الله اللبنانية بها.

وتتوزع مصانع سلاح الحشد الشعبي، وفقا لنادري، في مناطق متفرقة من العراق، منها مصانع تحت الأرض مخفية تمام عن الأنظار، وأخرى في مناطق عسكرية مغلقة لا تستطيع حتى الجهات الحكومية العراقية دخولها، ومنها المصانع الواقعة في بلدة جرف الصخر جنوب غربي العاصمة بغداد.

ويضيف نادري "تحتضن بلدة جرف الصخر مواقع رئيسية لصناعة الصواريخ ومحركاتها وإنتاج وقودها. وتنتج هذه المواقع صواريخ قصيرة المدى إلى جانب إنتاج الصواريخ البالستية واختبارها، بينما تتمركز في بلدة الزعفرانية جنوب شرقي بغداد صناعة صواريخ أرض ـ أرض وقذائف الهاون الثقيلة".

ويشير نادري إلى أن بلدات عين التمر في محافظة كربلاء، والنهراون في بغداد، تحتضن هي الأخرى مصانع صواريخ ومخازن خاصة بتخزين هذه الصواريخ إلى جانب مصانع خاصة بالذخائر ومخازنها أيضا.

ووفق القيادي الكردي الإيراني، أنشأ الحرس الثوري مصنعا لإنتاج الصواريخ ومنها صاروخ "رعد1"، وهو من فئة الصواريخ بعيدة المدى الذي يعرف بإمكانياته الكبيرة في تجنب الدفاعات الجوية.

واستعرضت هيئة الحشد الشعبي طائرات مسيرة قالت إنها من صناعاتها الحربية، خلال الاستعراض العسكري الذي نظمته بمناسبة الذكرى السابعة لتأسيسها عام 2021.

وأشارت "قناة العالم" الإيرانية في تقرير مصور عن الاستعراض، إلى أن الطائرات المسيرة التي استعرضها الحشد كانت إحداها شبيهة بطائرات "سايا" الإيرانية وطائرات "صماد 3"، التي تستخدمها مليشيات الحوثي اليمنية في هجماتها، وهي طائرات انتحارية.

وفي استعراض لها عام 2022، كشفت هيئة الحشد عن أسلحة جديدة ومتطورة، وأشارت مواقع عراقية وأخرى إيرانية قريبة من الحرس الثوري، إلى أن أبرز الأسلحة التي استعرضها الحشد شملت منظومة حسيب والراصد للقيادة والتحكم في الطائرات المسيرة، ودبابات 72T الروسية، التي أجرت عليها شركة كرار الإيرانية تعديلا تمثل بإضافة الدروع الجانبية لها، إلى جانب استعراض أجهزة تشويش، وأبراج اتصالات متنقلة حديثة.

وتكشف معلومات دقيقة حصل عليها موقع "الحرة" من حزب الحرية الكردستاني المعارض، عن وجود العديد من الشركات الإيرانية المختصة بالصناعات العسكرية مرتبطة بالحشد الشعبي، وتعمل فرق مهندسيها وخبرائها داخل مصانع أسلحة الحشد.

من تلك الشركات شركة "رستافن ارتباط" التي تشكل جزءا من الصناعات الدفاعية الإيرانية، وهي مختصة بتوفير خدمات الاتصال والمعدات المختصة بالاتصالات والمنظومات الإلكترونية وقطع غيار الأسلحة للقوة الجوية التابعة للحرس الثوري ومجموعة صناعات الصواريخ البحرية الإيرانية، إلى جانب الرادارات.

وإلى جانب "رستافن ارتباط"، تنشط في هذا المجال شركة "فناور موج خاور"، المعروفة بـ"فناموج"، المختصة بصناعة الصواريخ وتجربتها وهي شركة تصميم وصناعة كافة أنواع الصواريخ ومكوناتها.

وتشير معلومات "حزب الحرية" الكردستاني الإيراني إلى أن شركة شاهد لصناعات الطيران موجودة أيضا في العراق، وهي شركة إيرانية مختصة بتصميم وصناعة المروحيات والطائرات المسيرة، وتنقل هذه الشركة طائراتها المسيرة من طراز "شاهد101" و"شاهد136" على شكل قطع إلى داخل العراق ليتم تجميعها داخل مصانع الحشد الشعبي.

وضمن متابعته لملف صناعة السلاح الإيراني في العراق، تواصل موقع "الحرة" مع قيادي في أحد الأحزاب العراقية القريبة من الإطار التنسيقي، الذي اشترط عدم الإشارة الى اسمه أو اسم حزبه مقابل الحديث عن ملف صناعات الحشد الشعبي الحربية.

وفي عام 2018، نقلت رويترز في تقرير استقصائي عن مصادر إيرانية وعراقية وغربية "أن طهران قدمت صواريخ باليستية لجماعات شيعية تقاتل بالوكالة عنها في العراق، وإنها تطور القدرة على صنع مزيد من الصواريخ هناك لدرء الهجمات المحتملة على مصالحها في الشرق الأوسط ولامتلاك وسيلة تمكنها من ضرب خصومها في المنطقة".

وخلال السنوات الماضية، تسببت أسلحة المليشيات بإحراج العراق دوليا عبر هجماتها المتكررة على قواعد عسكرية ومصالح أميركية في إقليم كردستان ومناطق العراق الأخرى وسوريا، واستهدافها للداخل الإسرائيلي.

وعلى الرغم من أن الحكومة العراقية تؤكد باستمرار سعيها لحصر السلاح بيدها، بما في ذلك سلاح المليشيات المسلحة، لكن دون جدوى فهذه المليشيات ما زالت متمسكة بأسلحتها.

وقال مستشار رئيس الوزراء العراقي للعلاقات الخارجية، فرهاد علاء الدين، في تصريح لموقع "الحرة" في أبريل الماضي، إن رئيس الوزراء، محمد شياع السوداني، أكد في أكثر من مناسبة التزام العراق الثابت بحصر السلاح بيد الدولة، وضمان خضوع جميع التشكيلات المسلحة، بما في ذلك هيئة الحشد الشعبي، بشكل كامل للقائد العام للقوات المسلحة.

وأوضح علاء الدين أن "الحكومة تمضي بخطى مدروسة نحو استكمال هيكلة المنظومة الأمنية، من خلال حوارات بنّاءة مع مختلف الأطراف الوطنية، بهدف تعزيز سلطة الدولة، وحماية السلم والاستقرار، ومنع أي محاولات لزجّ العراق في صراعات إقليمية لا تخدم مصالحه".

ويرى السياسي العراقي المستقل، مثال الآلوسي، أن هدف إيران من تصنيع المسيرات والصواريخ محليا بأيادي عراقية داخل العراق هو إطلاق يد المليشيات فوق الدولة والقيام بإرهاب الأطراف العراقية لغرض ابتزازها أو السيطرة عليها، وابعاد مسؤولية هذا الإرهاب عن طهران.

ويضيف الآلوسي لموقع "الحرة"، "ينبغي فهم أن عمليات تصنيع السلاح الإيراني خارج إيران تجري ضمن شراكة كبرى تعتمد على المال العراقي والغطاء والنقل بمساهمة عراقية وكذلك العاملين والمصنعين، والجميع شركاء في رسم صورة تحكم طهران بالإرهاب الإقليمي".

وأضاف أن "إيران تعمل بأصابعها العراقية لتنفيذ أهدافها ومنها إعادة تسليح حزب الله اللبناني والجماعات الأخرى الموالية لها في المنطقة".

وتنضوي تحت جناح الحشد الشعبي أكثر من 70 ميليشيا مسلحة معروفة، إلى جانب عشرات من الميليشيات غير المعروفة، التي أشرف الحرس الثوري الإيراني عبر جناحه الخارجي "فيلق القدس" على تأسيسها في أوقات مختلفة، وقد شاركت غالبية هذه الفصائل خلال السنوات الماضية في الحرب الأهلية في سوريا ضمن صفوف المليشيات الإيرانية.

وأعلنت مساندتها لحزب الله اللبناني وشنت العديد من الهجمات الصاروخية على أهداف داخل إسرائيل خلال عامي 2023 و2024 قبل إعلانها إيقاف الهجمات مؤقتا في نهاية العام الماضي 2024.

ويعتقد المحلل السياسي في مركز "رامان" للبحوث والاستشارات، شاهو قرداغي، أن خطاب قيادات الحشد الشعبي وذهابهم سابقا للقتال خارج العراق يبين أن جزءا من هذه الأسلحة، رغم ادعاء استخدامها للدفاع عن العراق فقط، انتهت بيد فصائل موالية لإيران خارج العراق، سواء في سوريا أو غيرها.

ويوضح قرداغي لموقع "الحرة" أن "وصول هذه الأسلحة إلى فصائل غير عراقية خطر حقيقي يهدد بتوريط العراق في صراعات ومشاكل خارجية هو في غنى عنها خاصة في ظل حالة الهدوء والاستقرار وتوفير الخدمات التي يعيشها البلد خلال الفترة الحالية".

ويؤكد قرداغي على أن إيران تستغل الأراضي العراقية كقاعدة خلفية لتسليح وتمويل أذرعها المسلحة في المنطقة، فهي تُدخل خبراء وسلاح عبر حدود غير خاضعة لسيطرة الدولة، وتستخدم الفصائل كغطاء لتمرير السلاح إلى مليشياتها في سوريا ولبنان واليمن، مما يورط العراق في صراعات إقليمية لا ناقة له فيها ولا جمل.