محطة توليد كهرباء في كردستان-العراق
محطة توليد كهرباء في كردستان-العراق

يخشى العراق من تفاقم أزمة الطاقة الكهربائية مع اقتراب فصل الصيف، بعد قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تعديل أو إلغاء الإعفاءات من تطبيق العقوبات المفروضة على إيران.

ويستفيد العراق منذ سنوات من إعفاء أميركي، متجدد، من تطبيق العقوبات، في ما يتعلق باستيراد الطاقة من إيران.

ويتوقع خبراء أن يواجه العراق، بعد القرار الذي أصدره ترامب في 4 فبراير، صعوبات إضافية إذا توقف الغاز الإيراني الذي يزود منظومة الكهرباء العراقية بنحو 40% من إنتاجها الحالي، الذي يقرب من نحو 20 ألف ميغاواط.

ويحتاج العراق إلى نحو 50 ألف ميغاواط لسد حاجته من الطاقة الكهربائية في فصل الصيف اللاهب عادة، وفقا لمتحدث باسم وزارة الكهرباء.

اقتصاد غير محصن ضد العقوبات

"ليس لدى العراق حلول فورية لتجاوز أزمة الطاقة التي قد تنتج بعد القرار الذي اتخذه الرئيس الأميركي،" يقول الخبير، المهندس علي جبار الفريجي، لموقع "الحرة".

مذكرة ترامب التي لم تشر تحديدا إلى الإعفاء الممنوح للعراق، نصت أيضا على "اتخاذ خطوات فورية، بالتنسيق مع وزير الخزانة والوكالات المعنية، لضمان عدم استخدام إيران للنظام المالي العراقي في التهرب من العقوبات أو الالتفاف عليها، وعدم استخدام (طهران) لدول الخليج كنقطة شحن للتهرب من العقوبات". 

"الجسد الاقتصادي العراقي غير محصن ليواجه أزمات وعقوبات اقتصادية بهذا الحجم، فضلا عن السياسة الاقتصادية غير الحكيمة التي تنهجها الحكومة العراقية"، بحسب الفريجي.

ويتفق المتحدث باسم وزارة الكهرباء العراقية، أحمد موسى، على أن القرار الأميركي سينعكس سلبا على حجم الطاقة المنتجة في العراق.

وأضاف موسى في تصريحات لموقع "الحرة،" أن الوزارة لم تتلق قرار ترامب بشكل رسمي لكنها بانتظار توجيهات من الحكومة في هذا الشأن.

 العمل جار مع وزارة النفط لتأمين "خطة" لتوفير الوقود وتشغيل المحطات وتعويض النقص الناتج عن توقف إمدادات الغاز الإيراني، يقول موسى.

وبيّن أن الحكومة، بمعزل عن القرار الأميركي، تعمل على استغلال الغاز الوطني وإنشاء منصات الغاز المسال وتنويع مصادر الطاقة الكهربائية وتنفيذ مشاريع الطاقة الشمسية وإكمال مشاريع الربط الكهربائي مع دول الجوار، الأردن والخليج وتركيا.

وتوفر بغداد فرصا استثمارية لإنتاج الطاقة من تدوير النفايات، "لكن هذه المشاريع بحاجة إلى نحو سنتين لإكمالها".

وقال المتحدث باسم وزارة الكهرباء إن هناك حاجة ماسة لاستيراد الغاز من طرف آخر لتعويض الغاز الإيراني، وإن العراق بحاجة إلى 70مليون متر مكعب من الغاز يوميا لتشغيل محطات توليد الكهرباء.

وأضاف أن الوزارة أبرمت اتفاقا مع تركمانستان، ويجري العمل على إكمال الإجراءات المالية وإجراءات تدقيق الشركة الناقلة التي ستتولى نقل الغاز عبر الأراضي الإيرانية، وهناك تفاهمات مع دولة قطر لاستيراد الغاز، والعمل جار على إنشاء منصات الغاز المسال في الموانئ العراقية.

في المقابل، يعتقد الخبير في أزمات الطاقة، علي جبار الفريجي، أن الغاز القطري والغاز التركمانستاني قد يكونان من الخيارات البديلة بالنسبة للعراق. لكن الخيارين مكلفان، ويحتاجان إلى تأسيس شبكات أنابيب لنقل الغاز.

بالنسبة لغاز تركمانستان، ستكون "كلفة شبكة الأنابيب عالية وكميات الغاز الموردة غير كافية،" والعملية ستحتاج أيضا إلى "استثناء وموافقة أميركية" لأن الأنابيب لابد أن تمر عبر إيران.

لهذا، يرى الفريجي أن الحل الأمثل يكمن في التفاوض مع الإدارة الأميركية لإقناعها بتمديد الأعفاء لحين تمكن العراق من إيجاد بدائل للغاز الإيراني.

يقول المتحدث باسم وزارة الكهرباء أن توقف إمدادات الغاز الإيراني تكلف منظومة الطاقة الكهربائية فقدان نحو 9 آلاف ميغاوات من قدرتها الإنتاجية.

ويشير إلى أن حاجة العراق تتجاوز 50 ألف ميغاوات، ماسيؤثر على ساعات التجهيز بشكل كبير خاصة في فصل الصيف.

ويعود آخر تجديد أميركي لإعفاء العراق، من تطبيق العقوبات على إيران، إلى مارس العام الماضي.

"لدى العراق حقول غاز عديدة لم تُستثمر خلال السنوات الماضية، والعراق اليوم أمام الأمر الواقع،" يقول عضو لجنة الاقتصاد النيابية كاظم الشمري لموقع "الحرة".

 ويضيف، "حان الوقت لتفعيل جولات التراخيص التي منحها العراق عام 2018 لعدد من شركات الاستثمار في حقول الغاز المشتركة مع إيران في محافظات ديالى وميسان".

ولفت الشمري إلى أن الحديث عن استيراد الغاز من تركمانستان غير واقعي لأن ممر وصوله إلى العراق، سيكون عبر إيران وهي تحت العقوبات الأميركية.

ويرى الشمري أن إيقاف إمدادات الغاز الإيراني هو أكبر تحد يواجه الحكومة العراقية منذ عام عام 2003، وقد يشكل خطرا حتى على النظام السياسي القائم في العراق.

"على الحكومة إجراء مفاوضات مع واشنطن لإقناعها بتمديد إعفاء العراق لمدة معينة حتى يتسنى إيجاد بدائل للغاز الإيراني،" يقول الشمري.

ويطالب عضو لجنة الاقتصاد النيابية بمنح الشركات الأميركية عقود استثمار في حقول النفط والغاز، والاستفادة من خبراتها وإمكانياتها في مجال الطاقة.

ودعا الشمري مجلس النواب إلى استضافة رئيس الحكومة ووزيري النفط والكهرباء، للوقوف على أسباب "التراخي كل هذه السنوات في إيجاد بدائل للغاز الإيراني رغم علم المسؤولين بالعقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران".

ويعتقد الخبير الاقتصادي، نبيل جبار العلي، أن إلغاء إعفاء العراق من استراد من إيران متوقع، مع استمرار تلكوء الحكومة العراقي في إيجاد بدائل، على مدى سنوات.

يعتمد الاقتصاد الإيراني بنسبة 20% على العراق، وفقا للخبير الاقتصادي، وتعلم واشنطن جيدا أن قطع هذا المنفذ سيكون ذا تاثير كبير على إيران.

ويرى العلي في تصريحات لموقع "الحرة" أن العقوبات الأميركية قد تطال العراق أيضا في ظل اتهامات لأشخاص ومؤسسات عراقية بتحويل مبالغ طائلة من الدولار الأميركي إلى إيران بصفقات خارج نظام (سويفت) الدولي.

ونقلت وكالة رويترز، الأحد، عن "مصدرين مطلعين" الأحد، إن البنك المركزي العراقي سيحظر على خمسة بنوك محلية أخرى التعامل بالدولار، في خطوة تأتي بعد اجتماعات مع مسؤولين من وزارة الخزانة الأميركية في إطار جهود مكافحة غسل الأموال وتهريب الدولار وانتهاكات أخرى.

ويصف الخبير الاقتصادي، نبيل جبار العلي، مشكلة الطاقة الكهربائية في العراق بأنها "مركبة ما بين سوء إدارة والنمو السكاني، وتزايد الاستهلاك في النتيجة".

ويتهم وزارة الكهرباء بالتقصير في جميع مفاصل "الإنتاج والتوزيع والنقل والصيانة والجباية". 

ويلفت العلي إلى أن استثمار حقول الغاز العراقية بحاجة إلى نحو اربع سنوات لتتمكن من تأمين إمدادات الغاز الازمة لمحطات الطاقة في البلاد.

وبعد قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بإلغاء الإعفاءات من تطبيع العقوبات على إيران، وجه رئيس الوزراء العراق، محمد شياع السوداني، أثناء اجتماعه بالفريق الوطني للطاقة المتجددة، في 10 فبراير، المحافظات بالإنطلاق في مشاريع ريادية في مجال الطاقة الشمسية لتخفيف الأحمال على الشبكة الوطنية للكهرباء في أوقات الذروة.

لكن قد يواجه العراقيون، للأسف، ظروفا لاهبة هذا الصيف، بسبب تلكؤ الحكومة في إيجاد بدائل للغاز الأيراني، كما قال أحد الخبراء، أعلاه.

مذكرات تفاهم لإنشاء محطات إنتاج كهرباء في العراق
مذكرات تفاهم لإنشاء محطات إنتاج كهرباء في العراق

وقعت السلطات العراقية الأربعاء، مذكرات تفاهم بين غرفتي التجارة العراقية والأميركية والتي تفضي إلى إنشاء أكبر محطة إنتاج كهرباء في العراق.

وحضر توقيع مذكرات التفاهم، رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني والتي تتضمن مذكرة تفاهم مع شركة "جي إي فيرنوفا" لمشاريع لمحطات إنتاج الطاقة ستكون الأوسع والأحدث في تاريخ العراق، بحسب بيان لمكتب رئيس الوزراء.

وتنتج هذه المحطات "الغازية المركبة" بحدود 24 ألف ميغاواط، والتي ستستخدم "الغاز والنفط الثقل في عمليات الإنتاج.

كما تم التوقيع على مذكرة بين وزارة الكهرباء ومجموعة "يو تي جي رينيوبال" لإنشاء مشروع متكامل للطاقة الشمسية بسعة 3 آلاف ميغاواط، وأنظمة تخزين طاقة البطاريات تصل إلى 500 ميغاواط/ ساعة، وتحديث خطوط نقل وتوزيع الكهرباء.

 

إضافة إلى إنشاء ما يصل إلى 1000 كم من البنية التحتية الجديدة لنقل التيار المباشر عالي الجهد.

ولا تقتصر هذه الاتفاقيات على التنفيذ إذ تتضمن نقل التكنولوجيا، والتدريب، والتشغيل، والصيانة.

بدائل وفرص.. العراق بين تبعات العقوبات وأزمة الطاقة
العقوبات الأميركية المفروضة على إيران تزداد قوة، إذ تواصل واشنطن منع العراق من الحصول على إعفاءات جديدة لاستيراد الغاز الإيراني، في وقت يعتمد العراق بشكل أساسي على هذا الغاز لتشغيل المحطات التي تمثل المصدر الرئيس للطاقة الكهربائية في البلاد.

وفي الملتقى الذي نظمته غرفة التجارة الأميركية العراقية الأربعاء في بغداد، كشف نائب رئيس مجلس الوزراء لشؤون الطاقة وزير النفط حيان عبد الغني السواد، أن الوزارة تعمل على استثمار أكثر من 70 في المئة من الغاز المحترق، وصولا لاستثمار كامل للغاز المنتج قبل العام 2030.

وخلال استقبال وفدا اقتصاديا من غرفة التجارة الأميركية، وعددا من رؤساء الشركات والمستثمرين الأميركيين، قال رئيس الوزراء، السوداني إن "العراق ينتج 4 ملايين برميل نفط في اليوم، لكن الغاز المصاحب يحرق، وفي الوقت نفسه نستورد الغاز لتشغيل محطات الكهرباء"، بحسب وكالة "واع".

وأشار إلى أنه تم البدء في "تنفيذ عقود مع شركات عالمية وسوف يتوقف حرق الغاز مطلع 2028"، مؤكدا أن "العراق من الدول العشر الأولى في العالم بمخزون الغاز الطبيعي".

وبين السوداني، أن "هناك من يرسم صورة سلبية عن الوضع في العراق، وهو أمر غير منصف وغير دقيق، حيث إن العراق شهد دخول شركات استثمارية عديدة لتنفيذ مشاريع في مجالات الطاقة والسكن والصناعة والزراعة، وبلغت قيمة الإجازات الاستثمارية 88 مليار دولار".

ويواجه العراق منذ أوائل تسعينات القرن الماضي معضلة نقص هائل في الطاقة الكهربائية بعد تدمير شبكته الوطنية خلال حرب الخليج الثانية التي نشبت بعد احتلال العراق للكويت عام 1990، وما تبعها من حصار اقتصادي (1990-2003) وهي الفترة التي شهد العراق خلالها انقطاعات مبرمجة ومتباينة للطاقة في بغداد والمحافظات، حتى وصلت إلى قطع الكهرباء لأكثر من عشرين ساعة في اليوم الواحد.

ولم تنجح مشاريع رفع إنتاج الطاقة الكهربائية في العراق التي أقيمت بعد عام 2003، بل أدت الى زيادة اعتماد العراق على الغاز المستورد من إيران لتلبية حاجة مشاريع الطاقة، فيما يتم هدر الغاز المصاحب لعميات استخراج النفط الخام عبر حرقه مسببا خسائر بملايين الدولارات يوميا دون تحقيق أي استفادة منه.

ويستورد العراق من إيران 50 مليون قدم مكعب من الغاز وتشكل ثلثا من إنتاج الطاقة الإيرانية بحسب ما كشف المتحدث باسم الحكومة العراقية، باسم العوادي في مارس الماضي.

ووفقا لوزارة الكهرباء العراقية، يحتاج البلد إلى نحو 50 ألف ميغاواط لسد حاجته من الطاقة في فصل الصيف، في حين ينتج حاليا نحو 28 ميغا واط، بحسب الأرقام الرسمية.